رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

طريق الحج القديم عبر سيناء يشهد على خدمة حجاج العالم
3 أيام تستغرقها القافلة من بركة الحاج إلى العقبة

جنوب سيناء ــ هانى الأسمر:
لم يكن طريق الحج المصرى القديم عبر سيناء إلى مكة المكرمة مقصوراً على خدمة حجاج مصر فى ذهابهم وعودتهم فقط وإنما كان يخدم حجاج العالم ويعد هذا الطريق شاهداً على التاريخ حيث كان يستخدمه حجاج المغرب العربى والأندلس وحجاج غرب أفريقيا منذ بداية العصر الإسلامى

وقد عاصر الطريق ثلاث مراحل زمنية  الأولى من الفتح الإسلامى حتى أواخر حكم الفاطميين والثانية من أواخر حكم الفاطميين حتى أوائل حكم المماليك  والثالثة من أوائل حكم المماليك حتى عام (1303هـ / 1885م) حيث تحول للطريق البحرى وتزايدت أهمية الدرب خاصة مع قيام دولة سلاطين المماليك وذلك حسبما أكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بسيناء.

وأشار ريحان إلى أن الجزء الخاص بطريق الحج القديم بسيناء ينقسم الى ثلاث مراحل ..الأولى تبدأ من منطقة بركة الحاج عند العاصمة وحتى عجرود وطولها 150كم والثانية من عجرود إلى مدينة نخل بوسط سيناء وطولها 150كم والثالثة من نخل إلى عقبة أيلة وطولها 200كم وكانت قوافل الحجيج تقطع كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث فى نحو ثلاثة أيام.


 ويشير الباحث إلى أن أول طريق كان يستخدمه حجاج مصر والمغرب العربى هو طريق قوص عيذاب خلال الفترة من عام 450 إلى 665هـ  الموافق  1058- 1266م حيث كان يخرج الحجاج من القاهرة قبل شهر رمضان ثم يسيرون الى قوص لمسافة 640كم ثم يقطعون 160كم إلى عيذاب أو القصير ويظلون شهرين فى انتظار المراكب التى تحملهم عبر البحر الأحمر إلى ميناء جدة.

 ويتابع ريحان أن شجرة الدر ارتادت درب الحج المصرى القديم عبر سيناء عام (645هـ / 1247م) وهى أول من سار عليه وأصبح الطريق الرئيسى للحجاج وبعدها كسا الظاهر بيبرس الكعبة المشرفة وعمل لها مفتاحاً ثم نظم قافلة الحج برا عبر سيناء عام (666هـ / 1267م) وتحول طريق الحج قوص - عيذاب الى طريق تجارى أيضا حتى عام (760هـ / 1359م).

ويوضح الدكتور ريحان أن صحراء الريدانية (العباسية) كانت بداية الطريق نحو بركة الحاج وكان الركب ينزل بها قبل المسير إلى البركة وكان بها سوق عظيمة يقضى فيها الحجاج يومين أو ثلاثة قبل بدء الرحلة ويتزود منها الحجاج بكل احتياجاتهم والمسافة بينهما 22كم تقطع بسيرالقوافل فى خمس ساعات ومن عجرود يمر الحجاج على 24 عمودا حجريا ارتفاعها 2م وهى عبارة عن أعلام منصوبة للحجاج حتى لا يضلوا الطريق ومن بركة الحاج إلى عجرود 130كم وتبعد 20كم شمال غرب مدينة السويس ومن ثم فقد كانت بعض قوافل الحج تذهب إلى السويس قبل الدخول إلى سيناء طلباً للماء وقد قدّر المؤرخون أحد مواكب الحج بـ 80  ألف راحلة دون الدواب الأخرى .

 ويستمر بنا الدكتور ريحان فى الطريق عبر سيناء إلى بئر مبعوق ومنها إلى قلعة نخل بوسط سيناء وفى نخل أنشأ السلطان الغورى خان وفى نخل ثلاث فساقى وبئران إحداهما بساقية والأخرى بسلم وينصب بنخل فى زمن الحج سوق وأفران لعمل الخبز ويتردد عليه أهل سيناء وبذلك يتوفر للحجاج جملة خدمات بنخل من حيث الإقامة فى خان فى ظل حماية الحراس وتوفير الماء العذب الكافى من الآبار وفى الفساقي وحراسة الموكب من قبائل سيناء وكان يصل إلى نخل فى زمن الحج قوافل تجارية تجلب سلع الشام التى تلزم الحجاج ومن نخل يسير ركب الحجاج إلى بئر التمد ومنها إلى دبة البغلة التى تحوى علامة مهمة تحدد معالم هذا الطريق وهى نقش السلطان الغورى الذى يحوى نصوصا قرآنية ونقشا خاصا بتعميره لهذا الطريق ومنها إلى سطح العقبة ومنها إلى عقبة أيلة بالأردن .

 وتستغرق الرحلة من بركة الحاج حتى قلعة العقبة تسعة أيام يتجه بعدها الحجاج للأراضى الحجازية بمحاذاة البحر الأحمر للجنوب إلى حقل ، مدين ، ينبع ، بدر ، رابغ ، بطن مر ومنها إلى مكة المكرمة.

كما أكد خبير الآثار أن طريق الحج البحرى عبر خليج السويس بدأ منذ عام عام 1303هـ  الموافق 1885م  حين بطل استخدام الطريق البرى عبر وسط سيناء والطريق البحرى كان عبر خليج السويس إلى البحر الأحمر حتى ميناء الجار ويستغرق ذلك 20 يوما ومنه إلى المدينة المنورة.

 ويوضح ريحان أنه منذ ذلك الوقت اشترك الحاج المسلم مع المقدّس المسيحى فى جزء من الطريق حيث كان يأتى المقدّس المسيحى من أوروبا عبر الإسكندرية مبحرا فى نهر النيل ومنه براً إلى ميناء القلزم (السويس) ليركب نفس السفينة مع الحاج المسلم للإبحار إلى ميناء الطور القديم منذ العصر المملوكى ومن ميناء الطور يتجه الحاج والمقدس لزيارة الأماكن المقدسة بمنطقة الجبل المقدس حيث دير طور سيناء والذى تحول اسمه إلى دير سانت كاترين فى القرن التاسع الميلادى وفى الأودية حوله مثل وادى حجاج نقش المقدّسون المسيحيون أسماءهم وفى محراب الجامع الفاطمى داخل الدير الذى بنى فى عهد الخليفة الآمر بأحكام الله عام 500 هـ 1106م  نقش الحجاج المسلمون أسماءهم .

 ويشير ريحان إلى أن طريق الحج البحرى إلى جدة ومنها إلى مكة المكرمة فى عهد محمد توفيق باشا (1297- 1310هـ / 1879 1892م) حيث تمت توسعة محجر الطور ومد إليه خط تلغرافى من السويس عام (1318هـ / 1900م) وكان فى هذا الطريق راحة كبيرة للحجاج  وفى (11محرم 1314هـ / 2 يونيو 1896م) أبحر عباس حلمى باشا الثانى ابن محمد توفيق باشا إلى مدينة الطور وزار محجر الطور وجامعها وحمام موسى .

ويتابع بأن تحول الحجاج إلى طريق البحر كان فيه راحة للحجاج حيث كان الطريق البرى عبر وسط سيناء رغم الإصلاحات التى جرت عليه طريقا طويلا وشاقا فى أرض يصعب السير فيها ويقسو الجو ويقل المرعى والماء وقد قامت السويس كبديل ووريث للقلزم التى تقع إلى الشمال من السويس ولا تختلف مزايا الموقع الجغرافى للسويس عن القلزم .

ويوضح بأن الطريق البحرى كان مستخدماً أيضا فى أثناء مرور الحجاج بالطريق البرى ولكن تم تخصيصه لنقل بضائع الحجاج ومنذ عام (697هـ / 1297م) كان مقرراً كل عام كما جرت العادة أن تنقل الحمولة المقررة الخاصة بالحجاج على ظهور الإبل بمعرفة القبائل العربية بصحبة أمير الحاج إلى ميناء الطور ومنه فى الجلاب (السفن الصغيرة) إلى الحجاز وحين تم تحويل نقل هذه المؤن بطريق ميناء الطور إلى طريق ميناء السويس عين لها مركبان كبيران من المراكب السلطانية وكانت هذه المراكب أكبر من الجلاب ومعنى هذا أنه قد حدث تحول فى بناء السفن من سفن صغيرة الى سفن كبيرة وكانت كثيرا من أراضى الوقف فى مصر موقوفة على الحرمين الشريفين .

الرحالة البريطانى رتشارد بيرتون قام برحلة بحرية شهيرة إلى مصر والحجاز فى (23 رمضان 1269هـ / أول يوليو 1853م) ووصف سفينة الحجاج وكيفية الإبحار فى خليج السويس والبحر الأحمر وميناء الطور والمعالم الحضارية بها .

ويشيرالرحالة البريطانى إلى السفينة الذى ركبها وهى سفينة الحجاج من ميناء السويس وكان يطلق عليها «سنبوك» حمولتها 50 طنا تقريباً وعلى جانبى السفينة خطوط لقياس الجزء الغاطس فى الماء وهى فارغة أو محملة  وليس لها سطح علوى إلا فوق المؤخرة والذى يرتفع بما فيه الكفاية ليقوم بدور الشراع فى مواجهة الريح العاتية ولهذه السفينة صاريان يكادان يميلان نحو مقدمة السفينة والصارى الأقرب للمؤخرة مزود بمثلث خشبى ضخم وليس فى هذه السفينة وسائل لثنى الشراع وليس بها بوصلة ولا جهاز لقياس سرعتها ولا حبال وأسلاك لسبر غور الأعماق ولا حبال احتياطية ولا حتى ما يشبه الخريطة  وهذه السفينة بقمرتها (كابينتها) الشبيهة بالصندوق ومخزنها المضلع تشبه السفن الهندية المعروفة باسم التونى أو الزورق الشجرى وهو زورق يصنع بتجويف جذع شجرة.

ويتابع ريحان بأن صاحب السفينة اسمه «مراد» وقد وعد بأن يصطحب معه ستين مسافرا إلا أنه زاد العدد إلى سبع وتسعين وقد ازدحمت السفينة بأكوام الصناديق والأمتعة من مقدمتها إلى مؤخرتها وسفن البحر الأحمر تبحر نهاراً بالقرب من الساحل وترسو ليلاً عند أول خليج صغير تجده ولا يبحر البحارة فيه إذا كانت الريح عاصفة خاصة فى الشتاء وكانت المحطة الثانية فى الرحلة هى عيون موسى حيث وصلوا إليها عند غروب الشمس ويصفها لنا بأنها منطقة تحوى بساتين النخيل 

ويصف بيرتون بلدة الطور فوق السهل الذى يمتد بارتفاع تدريجى من البحر إلى جبال سيناء الشامخة وكان الحجاج يتزودون بالماء والمؤن ويتناولون البلح والعنب والرمان الذى يحمله سكان الطور إلى الساحل لإطعام الحجاج ويتجول بعض الحجاج المغاربة على الشاطئ وبعضهم يذهب لملء قربهم (أوعية من الجلد) بالمياه.

ولم يتمكنوا من الإقلاع فى صباح يوم (2 شوال 1269هـ / 9 يوليو 1853م) لوجود ريح عاتية كما كان البحر هائجا لذلك خرجوا لزيارة عيون موسى الكبريتية بمدينة طور سيناء (حمام موسي) راكبين حميرا هزيلة متجهين شمالا عبر السهل فى اتجاه شريط طويل ضيق به نخيل وتحيطه أسوار طينية مهدمة حتى دخولهم منطقة بساتين .

ووصف حمام موسى بأنه مبنى صغير من طابق واحد يشبه ما هو موجود فى الريف الإنجليزى أو الأحياء الفقيرة فى لندن بناه عباس باشا ليستخدمه استراحة وكان مطليا باللون الأبيض الساطع ومزين بستائر من قماش الكاليكو ذى الألوان المتدرجة الرائعة والحوض الخاص بالحمام يقع بالحجرة الداخلية للمبنى ومياهه دافئة فى الشتاء وباردة فى الصيف طعمها مالح مائل للمرارة وتشتهر بخواصها المنشطة وفى منطقة الحمام تناولوا بلح الطور الأصفر الصغير الذى يذوب فى الفم كعسل النحل.

ثم توجهوا بالحمير إلى منطقة بئر موسى حيث وصلوا فى غضون نصف الساعة.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق