رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فاطمة الزهراء.. أم أبـيهـــــا

سيدتى النورانية.. معبر السلام لرسول السلام.. جسر المحبة والتآخى والوئام ونصرة الإسلام، وآخر عنقود أكرم الخلق وخديجة خيرة نساء العالمين والقلب الكريم والروح العظيم والسكن الذى تهدأ عنده جأشة ضمير المصطفى وتطمئن إليه خشية فؤاده.. الزهراء.. فاطمة التى استبشر والداها بمولدها ليحتفلا بها احتفالا لم تألفه مكة فى مولد أنثى، وقد سبقتها ثلاث إخوات ليس بينهن الولد، فقد شاء اللـه أن يقترن قدومها فى السنة الخامسة قبل المبعث بالحادث الجليل الذى ارتضت فيه قريش الأمين حكماً فيما انبعث من خلاف على وضع الحجر الأسود بعد تجديد بناء الكعبة المكرمة.. أى أن مولدها قد وحّد بين أبناء جميع العشائر والقبائل والبطون... ومثل ذلك الترابط والتآخى كان فى هجرتها إلى يثرب عندماوجدت أباها نبى اللـه صلى اللـه عليه وسلم يؤاخى بين المهاجرين من أصحابه والأنصار ليشد بعضهم أزر بعض فيقوى الإسلام هاتفا: «تآخوا فى اللـه أخوين أخوين» ويأخذ بيد علىّ بن أبى طالب ليقول: «هذا أخى»، ويختار لعمه جعفر: معاذ بن جبل الأنصارى، ولأبى بكر الصديق: خارجة بن زهير الخزرجى، ولعمر بن الخطاب: عتبان بن مالك العوفي، ولأبى عبيدة بن الجراح: سعد بن معاذ، ولعثمان بن عفان: أوس بن ثابت، وهكذا كان الصلاح والوئام بين جميع المسلمين متاحاً خالص النية والعقيدة والضمير، فلم تكن قد ظهرت بعد مذاهب تلوى تاريخ الإسلام وتصبغه بصبغة التعصب، فيبلغ الخصام بين أبناء الدين الواحد حد الاقتتال الذى لم تهدأ ناره على مدى القرون، حتى يأتى فى زماننا الأسود من يحمل راية رسول الرحمة السوداء المكتوب عليها لا إله إلا اللـه محمد رسول اللـه ليذبحوا هوسا وخُبالا من تحتها رءوسا لا ذنب لها سوى اختلاف المذهب!

فاطمة التى هجرت ملاعب الصبا لتظل قريبة من أبيها فى قلب الميدان، ويتيح لها السن الصغيرة الخروج من البيت وتتبع الأب فى سعيه داخل قريش مبشرا ونذيرا، وملقيا فى سبيل رسالته ما يلقى من أذى السفهاء، وكانت الشاهدة الذاهلة عندما أحاط به المشركون فى طريقه إلى الكعبة يمسكون بمجامع ردائه بوحشية دموية، فيقوم أبوبكر دونه مستنكرا: أتقتلون رجلا أن يقول «ربى اللـه» فيتركون من بأيديهم لينقضوا عليه يجذبونه من لحيته ولا يتركوه إلا غارقا فى دمائه بعدما يشجون رأسه، ويغادر محمد البيت الحرام تتبعه صغيرته المرتجفة حتى يبلغ بيته ليتدثر مقرورا فى فراشه ينتفض من شدة ما أصابه.. وتلتاع الصغيرة على أبيها وتحوم من حوله بقلبها وعينيها وهو ساجد فى الحرم يلقى فوق ظهره عقبة بن أبى معيط بالقاذورات فلا يرفع الرسول رأسه حتى تتقدم فاطمة لتزيلها، وتدعو على من قام بفعلته المستنكرة، وهنا يرفع الأب الكريم رأسه يدعو على أبى جهل بن هاشم، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبى معيط، وأبيّ بن خلف.... ولم تمض أعوام معدودات على من دعت عليهم هى وأبوها لتراهم بعينيها صرعى حول ماء بدر.. وتصحب الزهراء أبويها إلى شِعب أبى طالب لتعيش حياة المهجرين داخل أسوار الحصار المنهك سنين عددا، وتعود بعد انهيار الحصار لتشهد موت أمها خديجة، ثم هجرة أبيها إلى يثرب بعدما لم يبق له فى مكة مكان، وعلى إثره هاجر علىّ الذى تمهل كى يؤدى الأمانات إلى أهلها، وبقيت فاطمة وأختها أم كلثوم حتى أمر الرسول فأغلقتا الدار، وما كادتا تودعان أم القرى حتى طاردهما لئام قريش لينخس «وباء الحويرث بن تعيز بن قصى» بعيرهما لتقع ابنتا نبى اللـه على أرض الصحراء مما يزيد من عناء الصبية وضعفها، وسوف تمر السنوات وأبوها صلى اللـه عليه وسلم لا ينسى الفعلة الآثمة فنراه فى العام الثامن للـهجرة يذكر اسم الحويرث يوم الفتح الأكبر ويسميه مع الذين عهد لأصحابه أن يقتلوهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وكان علىّ بن أبى طالب أحق هؤلاء بقتل الحويرث وقد فعل.. بينما الصامدة الزاهدة فى الزواج المجندة نفسها لسن الثامنة عشرة لخدمة الوالد صاحب الرسالة الإلهية تهيئ له راحة وسكنا تظفر بكنية «أم أبيها».. وتظل فاطمة تدير بيت النبوة إلى ما بعد زواج الرسول لأول مرة بعد خديجة ــ من سودة بنت زمعة العامرية المهاجرة أرملة المهاجر القائلة لرسول اللـه: «واللـه ما بى على الأزواج من حرص، ولكنى أحب أن يبعثنى اللـه يوم القيامة زوجاً لك» وأبدًا لم تخدعها نفسها قط مدركة بتجربة السن من اللحظة الأولى أن «الرسول» هو الذى تزوجها لا «الرجل» الذى لم تجرده النبوة من بشريته، وكان يسعدها أن تراه يضحك من مشيتها وهى الثقيلة الجسم، ويأنس إلى خفة روحها، أو يستملح عبارة من عباراتها مثل ما قالت له: صليت خلفك الليلة يا رسول اللـه فركعت بى حتى أمسكت بأنفى مخافة أن يقطر الدم، وعاشت سودة فى بيت الرسول زوجة معمرة حتى وفاتها فى خلافة معاوية... مكثت فاطمة فى مكانها ومكانتها بالبيت النبوى دون أن تشعر بأن وجود سودة يغنى عنها، أما حين جاءت عائشة فالأمر كان جد مختلف، فلم تمض شهور أربعة حتى كانت الزهراء فى طريقها إلى بيت علىّ بن أبى طالب، وذلك بعدما تقدم لخطبتها أبوبكر الصديق ثم عمر بن الخطاب لكن الرسول الكريم اعتذر برفق لكل منهما لتتزوج أم كلثوم من عمر بن الخطاب، أما زينب فتزوجت من عبداللـه بن جعفر، وذلك بعدما ردت خطبة الأختين الشقيقتين من ولدى أبى لهب الذى أصبح عدو الإسلام الأكبر.

وعلى عادة النبى عليه السلام فى تزويج بناته فيقول لكل منهن: فلان يذكرك، فإذا أطرقت صامته أمضى الزواج، وإن نقرت الستر علم بأنها تأباه، وفى زواج الزهراء قال لها: يا فاطمة.. إن عليّا يذكرك فسكتت، وفى روايات أخرى وجدها باكية فسألها: «مالك تبكين يا فاطمة فواللـه لقد زوجتك أكثرهم علماً وأفضلهم حلما وأولهم سلماً؟!» وكان حقيقة بكائها مما أثارته كلمات أبيها فى نفسها من ذكرى أمها وكيفية وداع الأب والبيت واقترابها من اليوم الفاصل بين معيشتها فى كنف أبيها ثم مع زوجها بعيدة عنه، وهو الذى كان يحنو عليها لضعفها ولا يصبر على فراقها بل يوقّرها حتى أنه إذا دخلت عليه وقف لها إجلالا وقبَّلها بل ربما قبَّلَ أيضا يدها.. وفى رواية أن عليّا لما سأله النبى: «هل عندك من شيء؟»، قال: «كـلا»، فقال له: «وأين درعك الحطمية التى أصبتها من مغانم بدر؟ فأمره أن يبيعها ليجهز عروسه بثمنها، وتقدم عثمان بن عفان فاشترى الدرع بأربعمائة وسبعين درهماً وضعها عليّ أمام المصطفى الذى أعطاها لبلال ليشترى ببعضها طيبا وعطرا، ويدفع الباقى إلى أم سلمة لجهاز العروس الذى ضم السرير والوسادة بحشوها الليف، وحصيرة، ونورة «إناء للغسيل» وسقاء ومنخل ومنشفة وقدح وجرة خضراء وكيزان من خزف، ولملابس العروس قميص بسبعة دراهم، وخمار بأربعة، وقطيفة سوداء خيبيرية، ودعا المصطفى صحابته فأشهدهم بأنه زوَّجَ ابنته «فاطمة» من «علىّ بن أبى طالب» على أربعمائة مثقال من فضة، على السُنة القائمة والفريضة الواجبة، ودعا للعروسين بالذرية الصالحة، وعلى هذه الصورة المتواضعة التى مرت مرور الكرام مثل آلاف غيرها من زيجات ذوى الحمد والشكر لا الثروة والجاه، فى العهد السحيق، عقدت أخطر مصاهرة عرفها التاريخ الإسلامى فى تاريخه الحافل لنشق عبابها وآثارها الجانبية بحلوها ومرّها حتى وقتنا هذا الذى لم نأكل فيه تمر عروسى قريش..

ولم تمض أيام على الزواج الميمون حتى يستوحش الأب زهراءه فيذهب إليها قائلا أريد أن أحوّلك إلىّ.. فأصبح ما بين بيت فاطمة وبيت عائشة كوّة يتطلع منها رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم ليعلم أخبارهم، ولما أبصرت عائشة المصباح عندهم فى جوف الليل ونقلت للرسول الخبر سألت فاطمة أباها أن يسد الكوة فسدها، وعن أخبار دار المصطفى جاء فى كتاب السمهودى أنه كان يأتى باب علىّ وفاطمة كل يوم عند صلاة الصبح حتى يأخذ بعضادتى ــ ضلفتى ــ الباب ويقول: السلام عليكم أهل البيت.. ثم ينبه ثلاثا بالصلاة مرددًا وإنما يريد اللـه ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.. وكان عليه أفضل الصلاة والسلام إذا ما قدم من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلى فيه ركعتين، ثم يثنى لفاطمة، ثم يأتى بيوت نسائه.. وما لبث البيت الصغير أن سعد بالذرية، فقد رزق الأبوان الفقيران البنين والبنات: الحسن والحسين ومحسن ــ الذى مات صغيرا ـ وزينب وأم كلثوم بينما الرسول يواليهم جميعا حتى لتوشك كل كلمة تدليل لأى منهم أن تصبح تاريخا مكتوبا فى الصدور، وقد شوهد يحمل الطفل منهم ليعلو بقدمه الصغيرة حتى يبلغ صدر النبى الذى يُرقِّصه بكلمات حفظتها الأسانيد: حزقة «القصير».. حزقة.. ترقة.. وربما شوهد نبى الإسلام ساجدا وحفيد له راكب على كتفيه، فيتأنى فى صلاته ويطيل السجدة لكيلا يزحزح عن مركبه، وفى إحدى هذه السجدات يقول عمر بن الخطاب للطفل الضاحك «نعم المطية مطيتك»، وينزل الرسول من فوق المنبر ليقبّل الحسن والحسين وهما يتعثران إليه فيسبقه حنانه إليهما قائلا: «صدق اللـه العظيم.. إنما أموالكم وأولادكم فتنة» وإذا ما سمع أحدهما يبكى ينادى فاطمة بقوله: «ما بكاؤه؟ ألا تعلمين أن دموعه تؤذينى؟» وكان من عاداته أن يبيت عندهم بين وقت وآخر ليتولى خدمة الصغار بنفسه بينما الأبوان مسترخيان، وفى إحدى تلك الليالى سمع الحسن يطلب ماء ليشرب فقام صلوات اللـه عليه إلى قربة الماء ليعصرها فى القدح، ثم جعل يسقيه بكفه، فشده الحسين إليه فمنعه وبدأ بالحسن، لتقول فاطمة: وكأنه الأحب إليك؟ فيقول: إنما هو من طلب الماء أولا.. وكان يقول لها: ادعى إلىّ ابني.. فيشمهما ويضمهما إليه، ولا يبرح حتى يضحكهما ويتركهما ضاحكين.. وقد يلفهم جميعا داخل بردته قائلا: «أنا وأنتم يوم القيامة فى مكان واحد» وكان علىّ يعرف منزلته لدى صهره النبي، ويعتز بها إلى حد جعله يسأله ذات مرة وقد غمره بعطفه: أيهما أحب إلى رسول اللـه: ابنته الزهراء، أم زوجها على؟ فأجابه المصطفى متلطفا: «فاطمة أحب إليّ منك، وأنت أعز علىّ منها» تماما مثلما تجنب العباس عم النبى الحرج عند سؤاله أيهما أكبر من الآخر؟ أنت أم محمد؟ فأجاب بوعى وسرعة بديهة وكرم خلق قائلا: هو ــ أى رسول اللـه ـ أكبر منى، لكنى وُلدت قبله.. وحدث أن لقى مرة ابنته وزوجها قد غلبهما النعاس، والحسن يبكى جوعا، فلم يهن على الأب الكريم أن يوقظ العزيزين النائمين، وأسرع إلى الشاة الواقفة فى صحن الدار فحلبها وسقى الحسن من لبنها حتى ارتوي.. وكان قوله الدائم: «الحسن والحسين ابناى، من أحبهما أحبني، ومن أحبنى أحبه اللـه، ومن أحبه اللـه ادخله الجنة»، وكانت تلك الأبوة الكبيرة أعز على الجميع من أبوة الأب الصغير حتى تقول فاطمة فى ترقيصها طفلها:

وبأبى شبه النبى لست شبيها بعلىّ

ولم تخل تلك الحياة من ساعات شكايات وخلاف فكان رسول اللـه يتولى صلحهما، وربما ترك مجلسه بين الصحابة ليدخل إليهما ليزيل ما بينهما من جفاء، فكان يدخل البيت مهموما ويخرج منه مسرورا قائلا: «لقد أصلحت بين أحب الناس إلىّ».. وتفزع فاطمة هارعة باكية لأبيها من أن عليّا يهم بالزواج من بنت هشام بن المغيرة شاكية من بين زفرات دموعها: «يزعمون أنك لا تغضب لبناتك» فتكون للدموع وقعها فيصعد نبى اللـه المنبر غاضبا قائلا على الملأ: «ألا إن بنى هشام بن المغيرة استأذنونى فى أن يزوجوا ابنتهم عليّا، وإنى لا آذن.. ثم لا آذن.. ثم لا آذن.. إنما فاطمة بضعة منى يريبنى ما رابها» وكان عليّا قد هم بالزواج على الزهراء، وفى حسابه أنه لا حرج عليه من حلال مباح شرعا، وأنه يجوز على بنات النبى ما يجوز على سائر المسلمات فيما أحلّه الشرع للمسلمين من تعدد الأزواج، ولعله توقع أن لا يلام على ابتلاء الزهراء بضرّة، فلها أسوة بعائشة ابنة الصديق، وحفصة بنت عمر، وأم سلمة بنت زاد الركب، والرسول ذاته يرى الجميع سواسية وهو القائل «لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها».. لكن الأمر جرى على غير ما توقع علىّ كرم اللـه وجهه، وليته قد صبر على واحدة مثل ابن عمه حين اكتفى بخديجة زوجا على مدى ربع قرن من الزمان! إذن لعفى الأب النبى من الموقف الصعب، ولكن لأن للقضية وجها آخر فابنة هشام المخزومى التى يرشحها عليّ ضرّة لفاطمة ما هى إلا ابنة لأبى جهل عدو اللـه، ويعود عليّا إلى بيته يعتذر طويلا لفاطمة الدامعة ويطلب العفو وتنقشع السحابة ويعود لآل البيت الصفاء.

بنت النبى أسماءها تعددت مثل ألقابها «فاطمة» وهو الاسم الذى قال عنه الطبرى «إن اللـه فطمها وولديها عن النار».. و«الزهراء» لأنها بيضاء اللون مشربة بحمرية زهرية، وكما قال المناوى: سميت بالزهراء لأنها زهرة المصطفي، و«البتول» لتبتلها ديناً وفضلا ورغبة فى الآخرة، و«الحوراء» وهى الصفة التى جاءت فى قول الرسول كما أورده الطبرانى فى المعجم الكبير «فاطمة حوراء السنية فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتى فاطمة» و«الصديقة» لأنها لم تكذب أبدًا، و«المرضية» لأن اللـه سيرضيها بمنحها حق الشفاعة، و«المحدثة» لأن الملائكة كانت تحدثها، و«أم الأئمة» و«الزكية» لأنها كانت تصلى وتطيل القيام حتى تتورم قدماها فأفلحت بتزكية نفسها حتى قال عنها الحسن البصرى: «ولم يكن هناك أعبد من فاطمة عليها السلام».. وفى أقوال رسول اللـه عنها «أحب أهلى إليّ فاطمة» وقوله: «سيدة نساء أهل الجنة فاطمة» و«فاطمة إن اللـه يغضب لغضبك» و«أنزلت آية التطهير فى خمسة: فيّ، وفى علىّ وحسن وحسين وفاطمة» و«أنت أول أهل بيتى لحوقاً بى» وكان القائل لها: «فداك أبوك» ويدخل عليها فتقدم إليه كسرة يابسة من خبز شعير يفطر عليها ثم يقول: «يا بنية هذا أول خبز يأكله أبوك منذ ثلاثة أيام» فجعلت فاطمة تبكى ورسول اللـه يمسح وجها بكفه..ومع كل هذا الحب جاءته يوماً تشكو إليه ضعفها وتعبها طالبة منه أن يهب لها جارية تخدمها، فلم يستجب الأب النبى لطلبها بل استبدل به أمر آخر بقوله: «أعطيك ما هو خير من ذلك».. وعلمها تسبيحة لعلاج الروح والبدن تستحب بعد كل صلاة، وهى التكبير أربعا وثلاثين مرة والتحميد ثلاثا وثلاثين مرة، والتسبيح ثلاثا وثلاثين مرة، وهى التى عرفت بتسبيحة الزهراء.. وتُسأل عائشة رضى اللـه عنها: «أىّ الناس كان أحب إلى رسول اللـه؟ قالت: فاطمة من النساء، ومن الرجال زوجها».. ويزور الرسول ابنته المريضة ويسألها: كيف حالك؟ فتقول: «إنى وجعة وإنى ليزيدنى أن ما عندى طعام.. قال يا بنية أما ترضين أن تكونى سيدة نساء العالمين؟!.. وزارها يوماً وهى تطحن بالرحى وقد بدت على يدها آثارها وعليها كساء من وبر الإبل فبكى قائلا: «تجرعى يا فاطمة مرارة الدنيا لنعيم الآخرة».. وتسأل عائشة فاطمة: رأيتك حين أكببت على رسول اللـه فبكيت، ثم أكببت عليه فضحكت؟»، قالت فاطمة: «أخبرنى أنه ميت من وجعه فبكيت، ثم أخبرنى أنى أسرع أهله لحوقاً به فضحكت».. وأقامت أم أبيها إلى جانبه فى مرضه الأخير تسهر عليه حانية متجلدة تتكلف الصبر ولا تكف عن الابتهال والدعاء، لكنها حين وجدته من قسوة الألم يسكب الماء على رأسه ليخفف من سخونته خنقتها العبرات حزناعليه هاتفة: «واكربى لكربك يا ابتاه».. فيرد عليها وهو يرنو إليها بعطف المصطفى المعهود: «لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة».. وينزل القضاء ولا تجد الزهراء من حولها سبلا للعزاء، ولا يبقى لها من رجاء سوى اللحاق بأبيها كما بشرها قبل الرحيل.. وما أسرع اللحاق بعد النبى بثلاثة أشهر عندما شعرت بدنو أجلها فتقول لصاحبتها أسماء بنت عميس: إنى لأستقبح ما يصنع بالنساء فالثوب يطرح على المرأة فيصفها.. فتقول لها: يا ابنة رسول اللـه ألا أريك شيئا رأيته بعينى فى الحبشة فهم يعملون للمرأة سريرا ويشدون النعش بقوائم السرير فوافقت، وما أصبح يوم الاثنين الثانى من رمضان سنة إحدى عشرة حتى عانقت أهلها ودعت إليها أم رافع مولاة أبيها تسألها: اسكبى لى غُسلا، فاغتسلت ثم لبست ثيابا جددا كانت قد جنبتها لحين قدوم ساعتها، وقالت: «اجعلى فراشى وسط البيت تجاه القبلة ولا تدخلن عليّ أحدا ولا يكشفن لى أحد كفنا.. ثم أغمضت عينيها وذهبت للقاء الأب الحبيب.. فلما توفيت جاءت عائشة لتدخل فمُنعت، فذهبت تشكو إلى أبى بكر الذى وقف على الباب يكلم أسماء بالداخل فقالت له: هى التى أمرتنى، قال فاصنعى ما أمرتك ثم انصرف.. ورحلت الزهراء ليلة الثلاثاء وهى ابنة سبع وعشرين عاما.. وكان أبوبكر قد استأذن فى زيارتها فى مرضها فأذنت له فاعتذر إليها فرضيت عنه، ويقول الرواة إن عليّا جامل فاطمة فلم يبايع أبا بكر حتى وفاتها، وكانت فاطمة قد ذهبت إليه تطالب بميراثها من أبيها الرسول فقال لها: «النبى لا يورث».. فقالت: ألم يقل زكريا: «يرثنى ويرث من آل يعقوب»، وقوله تعالي: «وورث سليمان داوود» فأجابها أبوبكر: يا ابنة رسول اللـه القائل «إن الأنبياء لا يورثون»، فقالت: إن فدك ـ قرية كان النبى يقسم فيئها بين آل بيته وفقراء المسلمين ـ وهبها لى رسول اللـه، فقال: من يشهد بذلك، فشهد عليّ، وأم أيمن، وعمر بن الخطاب، وعبدالرحمن بن عوف.. كلهم شهدوا بأن رسول اللـه كان يقسمها.. فعاد أبوبكر يسألها: فما تصنعين بها؟ قالت: ما كان يصنع أبي.. فأجابها: إذن فإن لك أن أصنع كما كان يصنع فيها أبوك.. فكان يأخذ من فدك غلتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ويقسم الباقي.. وكذلك فعل عمر ومن بعده عثمان ثم على حتى جاء عمر بن عبدالعزيز فيفعل كما كان يقوم به الخلفاء.

يا فاطمة.. يا بنت النبى.. يا زهراء.. يا مرضية من اللـه بحق الشفاعة.. يا من بكيت فكفكف دموعك المصطفى وبكى لبكائك.. يا من حرم اللـه أولادك على النار كرامة لحصانتك.. يا من نزل جبريل على أبيك يقرأ من ربك عليك السلام.. يا أم أبيك ومهجة قلبه وبضعة منه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ويقول لك فداك أبوك.. يا شبيهة النبى سمتا وهداية وحديثا وقياما وقعودا وسيرا.. يا من تأتين قبور الشهداء لتبكى فى رحابهم بالدمع الهتون وتكثرين لهم الدعاء ولا تدعين لنفسك بقناعة أن الجار ثم الدار.. يا ابنة خديجة وزوجة على وأم الحسين والحسن.. يا رافعة الأذى عن حبيب اللـه.. يا زهراء يا بتول قد أضنانا الحزن واللوعة والقهر والإرهاب والتمزق والأنواء والأشلاء والتهجير ونيران السعير من قوم يتشيعون لزوجك رضى اللـه عنه، ضد أبيك صلى اللـه عليه وسلم، ويشعلون الفتن ويلوون حقائق الدين ويقتلون الأجنة فى البطون، وينهبون ويحرقون ويحرضون ويدبرون بمظنة أنهم وحدهم المسلمون.. يا فاطمة نروى لك بئس حال العرب.. حالنا.. بالأمس واليوم، وربما لن يأتى علينا الغد فقد نسينا مشهدا يضم محمدا أحاطك فيه مع ولدك وزوجك داخل بردته عندما كان الإسلام نقيا خالصا دون تشيُع..

 

مرصد الإمام

ذلك الذى رأيناه رأى العين، ولم يكن حلماً بعيد المنال، فى الطابق السابع من مبنى مشيخة الأزهر أمر مذهل يثلج الصدر ويطمئن القلب ويمحو غشاوة اتهام المؤسسة العريقة بالجمود والتعصب وعدم المرونة والحركة وغلق باب الاجتهاد بحجة منع الفساد والتصدى لتيار الفوضى.. فى الطابق السابع اخترقنا فجأة باب المستقبل لعوالم التكنولوجيا.. أول مرصد إلكترونى شامل ليس له نظير يتابع كافة المصادر الأجنبية من صحف وشبكات إخبارية ووكالات أنباء وقنوات تليفزيونية ودورات ومراكز بحوث وكتب علمية، ويختص برصد كل ما يتعلق بالإسلام بشكل عام لتصحيح المفاهيم والرد المباشر السريع على كل ما يثار من قضايا فكرية، وذلك من خلال باقة متفردة من خريجى كليات اللغات والترجمة التابعة لجامعة الأزهر من الجنسين الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية ــ المتزاملين مع أقرانهم من خريجى الأزهر بالكليات العملية كالطب والهندسة ممن لهم براءات اختراع مسجلة دوليا بأسمائهم ــ ويتقنون لغات العالم الرئيسية «الانجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والفارسية والأردية والصينية واللغات الأفريقية الرئيسية (السواحيلية والهوسا والفولانى والأمهرى)» ولهم اسهاماتهم الوضاءة فى ترجمة معانى القرآن.. شباب نقى واعد يقظ زى الورد يعمل على أطراف الأصابع يرصد ويحلل كل ما يصدر عن المنظمات المشبوهة التى تتستر بالدين وتشكك فى ثوابت العقيدة والرد عليها بنفس لغتها.. المرصد الأزهرى الإلكترونى يعمل منذ شهور عديدة تحت رعاية صاحب «بيت العائلة» الذى لا يترك مشكلة طائفية تطل برأسها على الخريطة المصرية إلا وقضى عليها فى مهدها بتآخ بين الأزهر والكنيسة، وما أن تولول مانشيتات الإثارة والتحريض والتآمر البارزة فى الصحف إيّاها من أصحاب الأقلام إيّاهم حتى وتكون لقطات التصالح والوئام الدامغة القاطعة الألسن بين الطائفتين منشورة فى اليوم نفسه، وربما غصباً فى الجريدة ذاتها، وإن تم ذلك على استحياء مشبوه فى ذيل الصفحة!

تحية للإمام الطيب الذى يعمل فى صمت لوجه اللـه وحده بقافلة تسير ولا تنظر للخلف، تاركاً العواء يذهب أدراج الرياح، أما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض.
 

[email protected]


لمزيد من مقالات سناء البيسى

رابط دائم: