رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

هل تؤسس قمة ترامب ـ شى لتوافق أمريكى صينى؟

شهد النظام العالمى خلال السنوات الخمس الأخيرة مجموعة من الحروب، أبرزها الحرب الروسية- الأوكرانية التى بدأت فى 24 فبراير 2022، والحرب بين إسرائيل وحماس التى اندلعت فى 7 أكتوبر 2023، والمواجهات المفتوحة بين إسرائيل وحزب الله التى بدأت فى 8 أكتوبر 2023، والحرب الإسرائيلية- الإيرانية التى اندلعت فى 13 يونيو 2025، والحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من ناحية وإيران من ناحية أخرى التى بدأت فى 28 فبراير 2026، وغيرها. بجانب هذه الحروب، يترقب العالم بحذر شديد تطور العلاقات الأمريكية - الصينية، والسيناريوهات المحتملة لمآل التفاعلات الجارية بين البلدين؛ بدءا من التنافس الشديد حول التكنولوجيات الجديدة، خاصة ذات الصلة بالصناعات العسكرية، والصراع على العناصر النادرة، وانتهاء بالتوسع فى سباق التسلح، وبناء التحالفات الأمنية والعسكرية، وإعادة هندسة مناطق النفوذ والمسارح المحتملة للمواجهات العسكرية، ومرورا بالخلافات الاقتصادية والمالية وأبرزها ما عرف إعلاميا بحرب الرسوم الجمركية.


طرح المحللون سيناريوهين رئيسين لمآل هذه التفاعلات. أولهما، ذهب إلى حتمية الصدام العسكرى بين الولايات المتحدة والصين، لتحديد شكل النظام الدولى الجديد، إما بناء نظام ثنائى القطب (الولايات المتحدة والصين)، أو نظام متعدد الأقطاب (بإضافة روسيا وبعض القوى الأوروبية)، أو لضمان استمرار النظام أحادى القطب الراهن بقيادة الولايات المتحدة. ووفق هذا السيناريو، فإن كافة أشكال التهدئة التى تمر بها العلاقات الأمريكية- الصينية لا تعدو كونها مجرد سياسات مقصودة ومخططة هدفها الرئيسى هو تأجيل هذا الصدام «الحتمى» بسبب عدم الاستعداد الكافى له حاليا، أو عدم قدرة أى من طرفيه على حسمه فى مدة زمنية محددة وبالتكلفة المقبولة؛ ففى الوقت الذى تُعقد فيه القمم الثنائية كوسيلة لضبط وإدارة التنافس بين البلدين ومنع سوء الفهم أو التقدير الذى قد يؤدى إلى صراع غير مقصود؛ فإن الصراع يجرى بحدة فى مجالات سباق التسلح، وامتلاك التكنولوجيات الجديدة والسيطرة على العناصر النادرة، وبناء الأحلاف، وتجهيز مسرح الإندوباسيفيك، استعدادا للحظة «المواجهة الحتمية».

وفى مواجهة هذا السيناريو هناك سيناريو آخر لا يقل وجاهة يرى أن المواجهة ليست حتمية، ومن ثم فإنه لا يستبعد إمكانية حدوث توافق بين القوتين، فإذا كان لا يمكن إغفال كافة أشكال التنافس والصراع السابقة، فإن عوامل عدة ستكبح الصدام، منها الطابع الصينى فى إدارة الصراع على هيكل النظام الدولي؛ فإذا كان الانتقال من بنية نظام دولى إلى آخر قد تم فى بعض المراحل عبر المواجهات العسكرية، فإن ارتباط هذا الانتقال بالصين فى المرحلة الراهنة قد لا يرتبط بالضرورة بمواجهة عسكرية لعوامل تتعلق بطبيعة الثقافة والتقاليد الصينية فى إدارة الصراع (الميل إلى حسم الصراعات على مدى زمنى طويل نسبيا، وبشكل متدرج، ومن خلال تغيير النظام من أسفل إلى أعلى من خلال تغيير الأبنية الاقتصادية والمالية، وبأدوات غير عنيفة، خاصة من خلال مراكمة الثروة، والأدوات الاقتصادية والتكنولوجية، وبناء حوكمات موازية؛ بحرية ومالية موازية...إلخ)، أو لعوامل تتعلق بنمط علاقة الصين بالنظام الدولى استنادا إلى استفادة الصين من النظام أحادى القطب منذ تطوره مع تفكك الاتحاد السوفيتى وحتى الآن (خاصة التمتع بالعضوية الدائمة فى مجلس الأمن، والتحرر من تكاليف الأمن العالمى وبناء العولمة الاقتصادية، وتكاليف حماية حرية التجارة والملاحة).

جاءت قمة ترامب- شى يوم 24 سبتمبر 2026، والتى ارتبط بها أجواء إيجابية وخطاب تهدئة، لتثير التساؤل مرة أخرى حول ما إذا كانت ستدشن لتوافق أمريكي- صينى بشأن القضايا الرئيسية موضوع الخلاف، وتفتح المجال أمام تحول سلمى فى بنية النظام الدولى، وفق السيناريو الثاني؟ أم أننا لا نزال أمام السيناريو الأول، وأنها (القمة) لا تعدو مجرد أداة لإدارة وضبط الصراع/ التنافس الاستراتيجى بينهما لحين وصولهما إلى لحظة الصدام الحتمي؟ واقع الأمر أن القمة لا تؤسس بثقة للقول بأنها تدشن لبناء توافق استراتيجى. يستند هذا الاستنتاج إلى عدد من الدفوع؛ يتعلق أولها بطبيعة السياق الذى عُقدت فيه القمة، التى جاءت قبل أسابيع محدودة من انتخابات التجديد النصفى داخل الولايات المتحدة، الأمر الذى دفع البعض إلى ربط القمة بهدف انتخابى لدى الرئيس ترامب لتحسين موقف الحزب الجمهورى فى هذه الانتخابات، من خلال البحث عن مكاسب اقتصادية وتجارية تخفف من الآثار السلبية الناتجة عن «حرب الرسوم الجمركية»، أو مكاسب سياسية من خلال إقناع الصين للضغط على إيران للقبول بالشروط الأمريكية بشأن برنامجها النووى ومضيق هرمز. من ناحية أخرى، ورغم تضرر الصين من الحرب ضد إيران، بسبب تأثيراتها السلبية على سوق الطاقة، لكن قد لا توجد مصلحة استراتيجية لدى الصين لانتهاء التورط الأمريكى فى ملفات تبعد عن الإقليم المباشر للصين وعن منطقة الإندوباسيفيك بشكل عام؛ باعتبار ذلك يمثل فرصة لمزيد من «إنهاك» الولايات المتحدة وتأجيل تفرغها للصين. ولعل اضطرار الولايات المتحدة لسحب قطع عسكرية من المحيط الهادئ وتوجيهها للشرق الأوسط مثالامعبر عن الحسابات الصينية.

أضف إلى ذلك، أن حدوث تحول جوهرى فى علاقة الصين بالولايات المتحدة سيظل مرهونا بتحول جوهرى مماثل فى موقف الأخيرة من قضية الصين المركزية وهى تايوان. التحول الأمريكى المنتظر من جانب الصين لا يقف عند حد مراجعة الولايات المتحدة لعلاقاتها العسكرية والدفاعية مع تايوان، أو زيارات المسئولين الأمريكيين للجزيرة، أو زيارات مسئولى تايوان للولايات المتحدة، لكنه سيشمل بالتأكيد ضرورة صدور موقف أمريكى واضح وصريح ضد استقلال الجزيرة، وربما عدم الوقوف ضد أى إجراء صينى لإعادة الجزيرة إلى السيادة الصينية. أما باقى القضايا فإنها تظل بالنسبة للصين فى ترتيب أقل من الناحية الاستراتيجية.

هكذا، فإن قمة ترامب- شى الأخيرة، مع أهميتها، لا تؤسس لتحول استراتيجى فى مسار العلاقات الأمريكية- الصينية، ولا تؤسس للحديث عن وفاق أو تفاهم استراتيجى بينهما، بقدر ما تمثله من أداة لإدارة المرحلة الانتقالية الجارية فى تحول النظام الدولى. من ثم، وانطلاقا من أهمية العلاقات الأمريكية- الصينية، وبما تتضمنه من ارتدادات على السياسات الدولية والأزمات الإٍقليمية ونمط علاقات القوى الدولية مع كليهما، فإن الأمر يتطلب مزيدا من الحذر والترقب.

***

إن قمة ترامب - شى الأخيرة، مع أهميتها، لا تؤسس لتحول استراتيجى فى مسار العلاقات الأمريكية - الصينية، ولا تؤسس للحديث عن وفاق أو تفاهم استراتيجى بينهما، بقدر ما تمثله من أداة لإدارة المرحلة الانتقالية الجارية فى تحول النظام الدولى. من ثم، وانطلاقا من أهمية العلاقات الأمريكية- الصينية، وبما تتضمنه من ارتدادات على السياسات الدولية والأزمات الإٍقليمية ونمط علاقات القوى الدولية مع كليهما، فإن الأمر يتطلب مزيدا من الحذر والترقب.

[email protected]
لمزيد من مقالات د محمد فايز فرحات

رابط دائم: