رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

حكومات أم ميليشيات؟

ابتليت المنطقة العربية بنمط التمزق الفكرى والاجتماعى فى كثير من أقطار الأمة وظهرت شراذم تحت عباءات دينية زائفة أو أفكار اجتماعية مهجورة حتى أصبحت الميليشيات نمطًا معتادًا ينال من الانصهار الاجتماعى والتكامل الوطنى، وأصبحنا اليوم نرى على المسرح السياسى مجموعات ولدت فى أحضان الإرهاب ونشطت فى أجواء التطرف وحاولت فرض وجودها على الساحةالعربية، وربما كانت تقاليد القبيلة العربية والعشيرة التى تنضوى تحت لوائها قد شكلت منظومة عامة مازالت تسيطر على أشكال الانتماء السياسى وأنماط التجمع الأسرى، ومامن جماعة ظهرت فى السنوات الأخيرة إلا وكان وراء وجودها هدف سياسى حتى ولو كان مرحليًا، ومنفعة ذاتية حتى ولو جاءت غامضة مستترة، لذلك فرضت بعض التنظيمات التى نشأت بشكل عشوائى غامض سطوة وسيطرة تعربد بها على أرض الغير وتسعى لفرض إرادتها على النظم الأخرى، ولعل تكوين "تنظيم داعش" هو خير مثالٍ لما نريد أن نتحدث عنه، فذلك التنظيم مجهول الهوية تنظيم غامض بالدرجة الأولى كما أن مسعاه فى دعم السياسات الوطنية لم يكن فعالاً بل ظل دائمًا تنظيمًا مغلقًا كغيره من التنظيمات الإرهابية والتى تتغطى بأردية ذات طابع خاص وتدعى الرغبة فى الإصلاح والعودة إلى فكر السلف الصالح، بينما أهدافهم دنيوية واضحة وسلطوية مفضوحة، كما أنهم لا يتورعون عن توظيف الدين الحنيف لخدمة بعض أهدافهم وآرائهم ولو ظاهريًا.

وإذا كانت هذه ميليشيات دينية والدين منها براء، فهناك ميليشيات أخرى طائفية أو عائلية تصب فى خانة العصبية والتقوقع تحت شعارات معينة بعضها سياسى مكشوف بشكل واضح، ولا نكاد نجد نظيرًا لهذه التنظيمات الوهمية والتنويعات القبلية فى دول العالم الأخرى إذ تتركز تلك التنظيمات بالدرجة الأولى فى المجتمعات التى تقوم على التعصب، ولقد عانت الأمة العربية والأمة الإسلامية قبلها تلك التعددية المفرطة التى تلعب على وتر الخصوصية، وادعاء الذاتية، وافتراض القدرة على احترام الآخرين، واحتواء المخالفين واستثمار ضريبة النجاح فى أى اتجاه، ونحن هنا فى مصر على سبيل المثال مجتمع انصهرت عناصره مع بعضها منذ آلاف السنين، ولكن ذلك لم يمنع غلاة المتعصبين من محاولات دق أسافين بين أطراف الجماعة البشرية المصرية فى كل زمان ومكان، إن صناعة الميليشيات هى نمط من أنماط الارتزاق السياسى لمصلحة جماعة أو شخص بعينه أو قيادة اجتماعية تستند على القوة الشخصية وتجميع عناصر داعمة بوعى أو بغير وعى، إنها تبدو كجماعة من الأفراد تلتف على (فتوة) بعينه أو (بلطجى) بذاته مهما كان غطاء الرأس الذى تختفى تحته إلا أنها فى النهاية جماعات خارجة على القانون ولا تعبر إلا عن التخلف السياسى وعدم القدرة على سلوك الطريق القويم فى الشأن العام، ولذلك فهى تفرز فى النهاية مظاهر العنف وأسباب التوتر ومظاهر القلق، ولحسن حظ بلادنا مصر أنها لم تعرف ذلك النمط كثيرًا فى تاريخها الطويل لأنها تضم مجتمعًا متجانسًا،ووطنًا آمنًا بطبيعته، مدنيًا بفطرته متسامحًا بتاريخه وتراثه، ولذلك فإن القول بإمكانية وجود جماعات من هذا النمط فى مصر هو أمر مستبعد بحكم التاريخ والجغرافيا، فضلًا عن أن مصر تملك جيشًا مركزيًا واحدًا له قدرات مشهودة تاريخيًا وعصريًا.

ولذلك فإن مفهوم الدولة فى مصر مستقر منذ عصور سحيقة وضارب بجذوره فى تاريخ واحدةٍ من أقدم الحضارات على كوكب الأرض وهو يضم فى أحضانه أطراف المعادلة السكانية بخصائصها الذاتية وطباعها الخاصة، ولن تتغير مصر عن ذلك أبدًا لا لأنها فقط مهد حضارات ومستقر ثقافات، ولكن أيضًا لأنها تضم شعبًا يحمل صفات طيبة رغم أوجاعه ومتاعبه، وتضم سكانًا لديهم جينات من الود والمحبة لم تعرفها شعوب كثيرة حتى الآن، ولذلك فإنها سوف تظل محمية ومتماسكة وقوية على العواصف والأنواء وعصية على السقوط والانزواء، والذين يعرفون مصر جيدًا يدركون أنها قضت على الفرق الطائفية والجماعات العنصرية وذوى الأفكار المتطرفة والنزعات التى تتسم بالغلواء والتشدد. إن مصر هى نموذج الوسطية البشرية التى تمثل الاعتدال الدائم بين نقيضين أحدهما التطرف، والثانى الخمود فهى فى النهاية هى التى ترفع شعارات التواصل الإنسانى والتكافل الاجتماعى وحب الخير للجميع، لذلك فإنه واهم الذى يتصور أن تقسيمًا طائفيًا أو تنويعًا اجتماعيًا يمكن أن يؤثر فى هذا الوطن الصلب الذى بنى الحضارات وشيد تراثًا باقيًا لا يمحوه الزمان، إن مصر أيها السادة قد تمرض ولكنها لا تموت، وقد تشقى ولكنها لا تيأس، وقد تحاصرها الآلام والمتاعب، ولكنها تبقى شامخة تنادى التاريخ منذ طفولته فيرد عليها بأحسن مما توقعت، تحية لمصر الدولة والشعب الذى لن ينكسر أبدًا مهما عظمت المتاعب وتكاثرت المحن واشتدت الأنواء.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: