ينطبق هذا القول أكثر ما ينطبق على دور الولايات المتحدة الأمريكية فى تسوية النزاعات المتعددة والصراعات القائمة فى عالم اليوم، فالوسيط لكى يكون منصفًا يجب أن يكون نزيهًا لا تحركه الأهواء ولا تحكمه المصالح، ولكن ذلك أمر يبدو بعيد المنال، فالمكون البشرى ميال بطبيعته إلى اتخاذ موقف ينحاز إليه أو جانب يميل معه، كما أن الحياد الكامل فى الأصل تعبير نظرى أقرب إلى المظهر منه إلى الجوهر، وأتذكر الآن جيدًا من سنوات عملى فى العاصمة الهندية مستشارًا لسفارتنا هناك فى نهاية سبعينيات القرن الماضى ومطلع الثمانينيات منه أن سيطرت على الرغبة الأكيدة فى فهم الشخصية الهندية ودورها فى جنوب آسيا وعلاقاتها بمصر والعالم العربى وقدرتها على التوازن تجاه القضية الفلسطينية والظلم الذى وقع على ذلك الشعب الذى انتزعت منه أرضه وتجرى حاليًا تصفية قضيته، ولقد لاحظت أنه رغم الموقف المعلن من جانب الحكومة الهندية والذى يوحى بالتعاطف مع القضية الفلسطينية نظريًا، ولكن ليس ذلك بالضرورة الموقف الكلى للدولة الكبرى فى شبه القارة الهندية، فالملاحظ هو وجود بؤر كامنة للتعاطف مع إسرائيل من منطلق العداء لباكستان الدولة الإسلامية والدعم العربى لها فى كثيرٍ من المحافل، رغم أننا كنّا فى مرحلة معينة نرفع الستار عن مصر الناصرية ونتحدث عن النضال المشترك بين نهرو وتيتو وعبدالناصر لإنشاء حركة عدم الانحياز إلا أن المصلحة الوطنية الهندية هى بند مختلف أحيانًا، وليس ذلك عيبًا، فخصوصية الشعوب تفترض وجود أجندة وطنية قد لاتكون معلنة بالضرورة، ولكنها اتفاق صامت مشترك فى الدوائر المغلقة، وأتذكر أننى فوجئت فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى بزيارة من السيدة أنديرا غاندى رئيسة الوزراء للقنصلية الإسرائيلية فى مومباى واحترت فى تفسيرها، ولكننى أيقنت أن العقل الهندى الواعى يدرك أن كل شىء قابل للتغيير، وأنه لا توجد مواقف ثابتة أو سياسات متجمدة، وأن المصلحة تعبير متجدد لا يقف عند حد، وكتبت يومها مقالاً حول «الهند والقضية الفلسطينية» نشرته مجلة السياسة الدولية وفوجئت بالسفير الهندى فى القاهرة يذهب محتجًا لدى مساعد وزير الخارجية للشئون الآسيوية السفير الراحل عمران الشافعى معترضًا على ما جاء فى المقال، مرددًا الشعارات التقليدية للدولة الهندية تجاه الصراع العربى الإسرائيلى، وقد دافعت عن نفسى وقتها بالحقائق المنشورة والمصادر الموثقة. وأتذكر أيضًا ما قاله لى دبلوماسى أمريكى فى نيودلهى ذات يوم حين اشتكت سفارة الولايات المتحدة من مظاهرات المسلمين الهنود دعمًا لثورة الخمينى فإذا بالمسئول الأعلى للشرطة فى العاصمة الهندية يؤكد للدبلوماسى الأمريكى أنه لا داعى للقلق إذ إنه ليس أحب عليهم من القضاء على الشغب الإسلامى الذى تطارده الشرطة الهندية التى عانت منهم كثيرًا فى عدد من المدن ذات الحضور الإسلامى الملحوظ، وأيقنت لحظتها أن معه بعض الحق، فالخطأ يعود إلينا وغياب الوعى من جانبنا لمفهوم الحياة السياسية الحقيقية هو المسئول عما حدث وقتها، إذ إن ثورة الخمينى لاتزال حتى الآن مسألة جدلية يختلف حولها المسلمون أنفسهم، كما أن اعتراض منظمة التعاون الإسلامى التى كانت تسمى حينذاك «منظمة المؤتمر الإسلامي» ورفضها عضوية الهند فيها كان رغم أن الدولة الهندية بها مايزيد على مائة وخمسين مليون مسلم، بل إن التراث الثقافى الهندى والقباب والمآذن والمساجد هناك تؤكد كلها أن المغول المسلمين كانوا جزءًا لا يتجزأ من تاريخ تلك الدولة العظيمة، وأتذكر أيضًا الآن أنه ما من مشكلة مرت بمصر وسعينا فيها إلى وجود وسيط نزيه إلا وقفز اسم الدولة الهندية فى المقدمة، وكان من أواخر ذلك بعض مقترحات الوساطة بين مصر وإثيوبيا فى موضوع مياه النيل والسد الذى أقامه أشقاؤنا هناك بإرادة منفردة، ودون اعتبار لمصالح الآخرين، ولكننى أزعم هنا أيضًا أن المصالح المشتركة بين عناصر الطرف الآخر تبدو أكثر تأثيرًا فى مواجهتنا عن غيرها.
.. إننى أكتب هذه السطور وكل من عرفنى يدرك حبى للأمة الهندية التى قضيت بين أبنائها أربع سنوات دبلوماسيًا ومحاضرًا وصديقًا، ولكننى أرى أن الهند اليوم قد تغيّرت بفعل الضغوط الدولية والتوترات الإقليمية والنزاعات المسلحة حول كشمير وغيرها من مراكز الاحتكاك بين أبناء الهند الواحدة من مسلمين وهندوس وسيخ وغيرها من ألوان الطيف الهندى الذى عرفته شخصيًا فى ذلك البلد العظيم المعروف بالتراكم الحضارى الذى يملكه والزخم الثقافى الذى يحتويه، وسوف نظل نبحث دائمًا عن وسيط نزيه لتبقى الهند مركز اهتمام لكل الأطراف فى استقطاب مواقفها واستمالة سياستها، وأعتز شخصيًا أنه بعد الغزو العراقى للكويت بساعات قليلة فى عام 1990 اتصل بى فى مقر عملى بمؤسسة الرئاسة السفير الهندى فى القاهرة لكى يقول لى إن بلاده تستطلع الموقف الرسمى لمصر من غزو صدام للكويت، لأنها سوف تبنى موقفها الرسمى أيضًا متسقًا مع موقف القاهرة الذى تثق فيه وتقدر قيمته.
لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى رابط دائم: