رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل ملكية السد تعنى ملكية النهر؟

معظم من يسألون عن موضوع سد النهضة يتصورون أمرين: أولا، إن القضية محسومة لصالح اثيوبيا وأن مصر لأول مرة فى تاريخها ستعيش دون نهر النيل. وثانيا، إن هناك تقصيرا مصريا فيما يتعلق بهذا الملف وأن المماطلة الإثيوبية جعلتهم فى موقف أقوى ونحن بلا بدائل حقيقية. وأتصور أن المدخل التاريخى سيكون مفيدا فى هذا المقام، للتعرف على تفاصيل ما حدث. ففى مايو 2010، تم توقيع اتفاقية بين ست دول لحوض النيل، هى إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي، عرفت باسم اتفاقية عنتيبي، وقوبلت برفض شديد من مصر والسودان. وبموجب الاتفاقية، تنتهى الحصص التاريخية للأخيرتين وفقا لاتفاقيات عامى 1929 و1959. ولأن مصر والسودان لم توقعا عليه، فهو غير ملزم لهما، ولكنها اتفاقية تكشف عن التوجهات السياسية للدول الست التى لديها النية لحرمان مصر والسودان من حقوقهما التاريخية. وهو أمر لايزل قائما لحد بعيد فى أى تصويت محتمل داخل أروقة منظمة الوحدة الإفريقية. وفى أغسطس 2010، الحكومة الإثيوبية تنتهى من عملية مسح موقع سد النهضة، وفى نوفمبر 2010الحكومة الإثيوبية تنتهى من تصميم سد النهضة، وتعلن اعتزامها التنفيذ. وهذا كان قائما قبل ثورة 25 يناير 2011. وفى أبريل 2011 تعلن الحكومة الإثيوبية تدشين مشروع إنشاء سد النهضة، لتوليد الطاقة الكهرومائية، فى ظل ارتباك مصر الناتج عن ثورة 25 يناير، لكن فى سبتمبر 2011 اتفقت السلطات المصرية والإثيوبية على تشكيل لجنة دولية، تدرس آثار بناء سد النهضة، وفى مايو 2012بدأت اللجنة أعمالها بفحص الدراسات الهندسية الإثيوبية، ومدى التأثير المحتمل للسد على مصر والسودان.

ومع استرداد مصر عافيتها السياسية عقد الاجتماع الأول للجنة ثلاثية تضم مصر وإثيوبيا والسودان، للتباحث حول صياغة الشروط المرجعية للجنة الفنية وقواعدها الإجرائية، والاتفاق على دورية عقد الاجتماعات فى سبتمبر 2014. وفى مارس 2015، وقع الرؤساء الثلاثة فى الخرطوم وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة. وهى وثيقة مهمة وضعت لأول مرة إثيوبيا أمام التزامتها الدولية وعلى رأسها، أن يتم الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول للسد قبل الملء، والخطوط الإرشادية لقواعد التشغيل السنوى للسد والتى يجوز لمالك السد (أى إثيوبيا) ضبطها من آن لآخر. فضلا عن إنشاء آلية تنسيقية مناسبة فيما بين الدول الثلاث، من أجل ضمان التدفق العادل والمنصف للمياه. وبهذا النص تحديدا، اعترفت الدول الثلاث بملكية إثيوبيا للسد، ولكنها وضعت شرطا، يجعل مياه النهر تحت إشراف آلية تنسيقية من الدول الثلاث أى أن مياه النهر ليس ملكا خالصا لإثيوبيا. ولكن شهد سبتمبر 2015انسحاب المكتبين الاستشاريين الفرنسى والهولندى لـعدم وجود ضمانات لإجراء الدراسات بحيادية. وذلك نتيجة الضغوط الشديدة التى تعرضا لها من الطرف الإثيوبي. ومع ذلك، وقع وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا على وثيقة الخرطوم، التى تضمنت تأكيد اتفاق إعلان المبادئ الموقع من قيادات الدول الثلاث، وتضمن ذلك تكليف مكتبين فرنسيين بتنفيذ الدراسات الفنية الخاصة بالمشروع فى ديسمبر 2015.

وفى ظل كل هذا تعلن إثيوبيا أنها على وشك إكمال 70 فى المائة من بناء السد فى مايو 2016 وكأنها غير عابئة بأى استشارات أو مفاوضات. وبعد عام تحديدا، أى مايو 2017، تم الانتهاء من التقرير المبدئى حول سد النهضة، واندلاع خلاف بين الدول الثلاث على التقرير الذى وافقت عليه مصر ورفضته كل من إثيوبيا والسودان. ومن هنا اقترحت مصر على إثيوبيا مشاركة البنك الدولى فى أعمال اللجنة الثلاثية، التى تبحث فى تأثير إنشاء سد النهضة الإثيوبى على دولتى المصب، مصر والسودان. ولكن إثيوبيا رفضت. وفى يونيو 2018، رئيس الوزراء الإثيوبي، آبى أحمد، يتعهد شفهيا فى مؤتمر صحفى بالقاهرة مع الرئيس عبد الفتاح السيسى بأن بلاده لن تلحق ضررا بالشعب المصري، بسبب سد النهضة. وفى ظل محاولات إقناع الطرف الإثيوبى بأخذ المفاوضات بجدية، فى أكتوبر 2019الخارجية المصرية تعرب عن صدمتها، إزاء تصريحات إعلامية منسوبة لرئيس الوزراء آبى أحمد أمام البرلمان الإثيوبي، بأنه يستطيع حشد الملايين على الحدود، فى حالة حدوث حرب... وأنه لا توجد قوة تستطيع منع بلاده من بناء سد النهضة. لم تجد مصر بدا من إقامة الحجة الدبلوماسية والقانونية على الطرف الإثيوبى باللجوء إلى الولايات المتحدة والبنك الدولى للتدخل كوسيطين فى هذه المفاوضات فى نوفمبر 2019، وهنا تدخل على خط الأزمة وتستضيف الأطراف الثلاثة، بوجود وزير الخزانة الأمريكية، ورئيس البنك الدولى للمرة الأولي. وصدر بيان مشترك جاء فيه أنه تقرر عقد أربعة اجتماعات عاجله للدول الثلاث، على مستوى وزراء الموارد المائية وبمشاركة ممثلى الولايات المتحدة والبنك الدولي، تنتهى بالتوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة خلال شهرين، بحلول منتصف يناير 2020. وبالفعل تنعقد جولات أربع بمشاركة أمريكية وبحضور البنك الدولى ولكنها تفضى لنفس النتيجة: إثيوبيا ترى أن كل ما له علاقة بالسد هو عمل سيادى داخلى خالص لا قيد عليها فيه من أى طرف إلا فى حدود ما ترتضيه هى لنفسها. وهذا وعد قطعه على نفسه التحالف الحاكم الذى سيدخل انتخابات برلمانية فى آخر أغسطس المقبل. وأى تنازل منه سيضعف من فرصه الانتخابية. مصر فى المقابل تعلم أن القانون الدولى يقف بجوارها وأن معظم دول العالم تدرك أن حق إثيوبيا فى التنمية ينبغى ألا يأتى على حق مصر فى الحياة.

على مصر أن تحشد دبلوماسيا، قاريا وإقليميا ودوليا، حتى لا يتم بدء التخزين دون اتفاق، لأن هذا لو حدث، فسنكون بصدد قواعد جديدة تماما للعلاقات بين الدولتين وسيتحول النهر من ساحة للتعاون إلى ساحة للصراع، وستكون معركة سالبة يخسر فيها الطرفان، بل والقارة كلها، بدرجات متفاوتة. التفاؤل الحذر سيد الموقف. ولكن يقينا إجابة السؤال عنوان مقال هو «لا».


لمزيد من مقالات د. معتز بالله عبد الفتاح

رابط دائم: