د. مصطفى الفقي

رحيل القيادات العربية

إن نظرة على لقاءات القمة العربية ومؤتمراتها المتعاقبة توضح بجلاء أن معدل التغيير في العشرين عامًا الأخيرة قد تجاوز التوقعات، فكل الدول العربية تقريبًا قد تغير حكامها ورحل ملوكها ورؤساؤها بدءًا من الملك الحسن الثاني في أقصي الطرف الآخر من المغرب العربي، مرورًا بالرئيس حافظ الأسد والملك الحسين بن طلال والرئيس صدام حسين، وقيادات الخليج كلها تقريبًا.

حرب 1973 والطريق إلى السلام

تتجدد في مثل هذه الأيام من كل عام روح أكتوبر التى تمثل ظاهرة فريدة فى تاريخ الشعب المصرى عندما انتظمت صفوفه وراء قيادته فى معركتي العبور والتحرير ـ وتحقق بهما نصر لم يكن متوقعًا بعد أن رددت أدوات الإعلام الغربى أن العرب لن تقوم لهم قائمة قبل خمسين عامًا على الأقل، وأن حرب (الأيام الستة) قد مزقت أوصال الجيوش العربية ولم يعد منتظرًا لها أن تتحرك من جديد، خصوصًا أن الحديث كان مستمرًا عن أكبر مانع مائي فى التاريخ، بالإضافة إلى أكبر ساتر ترابي عرفته الحروب.

إجراءات بناء الثقة بين المواطن والدولة

يشتهر الشعب المصرى بانتقاده الدائم حكامه والتنكيت عليهم والسخرية منهم في معظم عصور تاريخه، إنه الشعب الذى استنجد بشيخ الأزهر منذ أكثر من ثلاثة قرون قائلًا «يا خراشى» وهو اسم شيخ الأزهر حينذاك يستعديه على السلطة الظالمة فى وقتها، وهو الشعب الذى قال لجابي الضرائب «يا برديسي ماذا تأخذ من تفليسي؟» وهو الذى قال «الله حي سعد جاي» مبشرًا بعودة زعيم ثورة 1919 من منفاه، ولقد بقيت مساحة كبيرة من الثقة المفقودة بين الحاكم والشعب.

عبد الناصر بعد نصف قرن من رحيله

خمسون عامًا مضت منذ أن رحل جمال عبدالناصر عن عالمنا، تغيرت الدنيا وتبدلت الأحوال وتراجع المشروع القومي وتحرك المشروع الديني وأصبحنا أمام عالم مختلف وكوكب جديد، وما أكثر ما كتب عن عبدالناصر فهو زعيم ملأ الدنيا وشغل الناس، فأنصفه البعض وتحامل عليه البعض الآخر! ولم ينل الرجل ما يستحقه من تحليل موضوعي يقوم على قراءة محايدة تتسم بالإنصاف الحقيقي ولا تعتمد على الإجحاف الظالم، وفي رأيي أن عبدالناصر سوف يظل كتابًا مفتوحًا أمام الأجيال القادمة خصوصًا أن أولئك الذين لم يعاصروه ولم يعيشوا سنوات حكمه يبدو لهم تاريخه بعيدًا وشاحبًا.

الدخول الوهمية والاقتصاد الوطني

تحدثنا كثيرًا عن الاقتصاد المنظور أي المسجل ضرائبيًا وجمركيًا ويعتبر جزءًا لا يتجزأ من ثروة الدولة، بينما الاقتصاد غير المنظور هو ذلك الذي لا نعرف عنه الكثير ولكن نسمع عنه دائمًا، وقد رأي البعض تسميته باقتصاد (بئر السلم) في إشارة إلي خروجه علي كافة القواعد بل والإجراءات المتبعة في تقنين العمل التجاري، وهناك عدد من مظاهر الحياة الاقتصادية الموجودة فعلًا ولكنها مرفوضة قانونًا وأخلاقًا وأعني بها تجارة المخدرات وبعض أنواع التجارة المجرمة في السلاح فضلًا عن ضعاف النفوس ممن يتعاملون في تجارة البشر خصوصًا أولئك المتورطين في جرائم الدعارة، وهذه كلها تتحول في النهاية إلي أرقام اقتصادية ولكنها لا تدخل في ملفات الدولة ولا في أضابير الحكومة وتبدو في الظل.

في جدوى المقاطعة

رفع العرب سلاح المقاطعة الكاملة مع إسرائيل لعدة عقود وخصصت جامعة الدول العربية مكتبًا إقليميًا لهذا الغرض مقره فى العاصمة السورية دمشق، وتركزت فلسفة الخمسينيات والستينيات بل والسبعينيات أيضًا على أن المقاطعة الاقتصادية والسياسية هى أمضى الأسلحة لمواجهة سياسات إسرائيل العدوانية والاستيطانية والعنصرية.

أردوغان وإسرائيل .. لغز معقد

سوف يظل رجب طيب أردوغان شخصية مثيرة للجدل تحيط بها أوهام عبثية وأفكار عفا عليها الزمان مع حالة من حالات ازدواج الشخصية التى لا نكاد نعرف لها مثيلًا، لقد رأيت له ثلاث لقطات تليفزيونية تدعو إلى الدهشة؛ أولاها فى زيارة لإسرائيل منذ عدة سنوات محاطًا بالقيادات الصهيونية داخل الدولة العبرية، ورأيت له لقطة أخرى فى حوار مع شيمون بيريز حضره عمرو موسى

تفوق طلاب الصعيد

سوف يظل صعيد مصر مستودعًا للكفاءات العالية والشخصيات المرموقة ففيه يتركز المخزون الحضارى الكبير للأمة المصرية، فالتاريخ الفرعونى فى معظمه قابع على تربة الوادى متحركًا فى مسيرة تاريخية من الجنوب إلى الشمال مثلما هو مجرى النيل منذ أكثر من خمسة آلاف عام، وإذا تأملنا تاريخ العبقريات الوافدة من صعيد مصر فسوف نجدها بدءًا من العقاد وطه حسين مرورًا بالمنفلوطى والأئمة الكبار فى تاريخ الأزهر الشريف والأحبار المعدودين فى تاريخ الكنيسة القبطية، فالصعيد بحق هو الذى يقذف بالرموز الرائعة فى تاريخنا بدءًا من مينا موحد القطرين وصولًا إلى عبد الناصر صاحب الكاريزما الفريدة والزعامة الباقية، ونضيف إلى ذلك أسماء من أبناء الأرستقراطية القبطية التى انطلقت من صعيد مصر بدءًا من البيوت المعروفة مثل بطرس باشا غالى ومكرم باشا عبيد وفخرى بك عبد النور

الطريق إلى المستقبل

لكل الشعوب بل لكل الأمم خريطة للمستقبل ليست بالضرورة محددة الملامح تمامًا ولكنها تحوى على الأقل تصورًا شاملًا ورؤية بعيدة لما تريده المجتمعات البشرية فى بقعة معينة، وهى تتشكل نتيجة حلم بعيد يتأسس على غايات وأهداف ترتبط بتاريخ تلك الجماعات وتفتح أبواب الأمل نحو مستقبلها، لا توجد دولة تعيش يومًا بيوم ولا شعب لا يرى غده أو يعمل لمستقبله لذلك فإن دراسة المستقبليات هى واحدة من أهم فروع المعرفة لأنها تفتح الآفاق نحو ما هو قادم، أقول ذلك وأنا أدرك أننا أمة ماضوية تلوك زمانها الغابر وتتغنى بأمجادها القديمة، ولا توجد دولة على الأرض لا يعتريها القلق ولا يساورها الشك ولعلى أفسر جزءًا مما نسعى للتفكير فيه:

تراجع الصحافة

كانوا يقولون قديمًا (إن لكل زمان آية، وآية هذا الزمان الصحافة) ولكن عوامل مؤثرة قد جدت على الموقف دعت الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الصحافة الورقية تنسحب أمام التطور الإلكترونى الكاسح والثورة الكبرى فى عالم تكنولوجيا المعلومات، ولقد كان ذلك هو الشعور السائد فى العقدين الأخيرين حتى إن كثيرًا من الصحف العربية والأجنبية قد استبدلت بطبعاتها الورقية طبعات إلكترونية، كما أن بعض تلك الصحف قد ألغت طبع النسخة الورقية تمامًا مكتفية بوجود صفحات الجريدة على وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية مع توفير ضخم فى النفقات والجهود

الفعل الثورى والنهج الإصلاحي

سيطرت عليَّ مقارنة دائمة فى مناسبات مختلفة بين النهج الثوري والفكر الإصلاحي ولى فى ذلك كتاب صدر عام 1994 يدور حول هذا الموضوع، وأنا ممن يظنون أننا قد أفرطنا فى مصر والمنطقة العربية عمومًا فى استخدام تعبير ثورة وأصبحنا نردده بغير معنى، فالثورة ليست مجرد تغيير نظام الحكم، ولكنها تحول فى نسيج المجتمعات وطرائق التفكير وفلسفة الحياة السياسية برمتها، بحيث تكون للثورات شعارات كبرى تتجه إليها وتسعى لتحقيقها.

مدارس فكرية على أرض وطنية

مغرمون نحن العرب بالمضى وراء شعارات التخوين وإلصاق التهم بكل من يختلفون معنا فى الرأى حتى ولو كان رأيهم اجتهادًا يصيب أو يخطئ لأننا لا نرى إلا وجهة نظرنا ولا نبصر أبعد من أقدامنا، وما أكثر الفرص الضائعة فى تاريخنا نتيجة غرامنا بتجريم الآخر وإلصاق التهم به وكأننا لم نسمع بما قاله الإمام الشافعى إن رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب، أو مقولة فولتير الشهيرة: إننى مستعد أن أدفع حياتى ثمنًا لحرية رأى أختلف معه، وأنا أظن أن حق الاختلاف هو واحد من الحقوق الضائعة فى حياتنا المعاصرة، وأضرب لذلك أمثلة كثيرة منها على المستوى القومى مبادرة الرئيس الراحل السادات بزيارة القدس والمضى فى التسوية على النحو الذى عرفناه.

منتصف 2020

لقد انتصف واحد من أصعب الأعوام.. وهو يذكرني بالحكمة الخالدة (رُبَّ يومٍ بكيت منه فلما مضى بكيت عليه)، لذلك فإنني لا أجازف بالقول إن البشرية قد بلغت في الأشهر الستة الماضية أسوأ ما توقعته، ولكنني لا أجازف إذا قلت إنها كانت من أصعب الشهور على البشرية في القرن الأخير، فلقد سقطت ضحايا وغادَرنا كثير من الأحباب والأصدقاء شهداء لوباء لعين انتشر كالنار في الهشيم ليدمر البشر دون الحجر وليحدث إرباكًا شديدًا في حياة الناس علي نحو لم نشهده من قبل.

محنة كورونا والمواطن العالمي

ما أكثر ما قرأنا جميعًا, خصوصًا فى فترة الحظر والحبس الاختيارى فى المنازل, منذ اجتياح وباء كورونا للعالم كله بشكل غير مسبوق، وخرجنا من حصيلة هذه القراءات التى يختلط فيها الطب بالسياسة والصحة بالتعليم والعلاقات الدولية بالاقتصاد العالمى فتكونت لدينا جميعًا حصيلة قلقة ومضطربة عن المستقبل.

التفسير التآمرى للتاريخ

سار جدل صاخب فى الشهور القليلة الأخيرة حول نظرية المؤامرة فى تفسير أحداث التاريخ وذلك بمناسبة سيطرة الوباء القاتل على العقول بما يحمله من غموض البداية وكارثية المسار وتضارب الآراء حول النهاية، ولقد انقسم المعنيون بالأمر بين اتجاهين أحدهما يرى أن الوباء هو نمط جديد من أوبئة اجتاحت البشرية فى فترات مختلفة من تاريخها الطويل، فقد عرف الإنسان أنواعًا من الأمراض المعدية كالطاعون، والجدري، والكوليرا، والسل، والإنفلونزا بأنواعها كما عرف أيضًا أمراضًا قاتلة لا تنتقل بالعدوى ولكنها تنشأ عن صراع ذاتى بين الخلايا فى أنسجة الجسد وأقصد بذلك مرض السرطان، كما عرف الإنسان فى العقود الأخيرة مرضًا آخر يأتى غالبًا من خلال العلاقات غير المشروعة أو غير الطبيعية وأعنى به مرض الإيدز، وأمام هذه الأوبئة والأمراض وعشرات مثلها لم نجد فريقًا يخرج عن السياق ويرى مثلما رأى البعض أن الكورونا وباء مستحدث ومصطنع وأنه جاء نتيجة خطأ فى بعض التجارب المعملية لتخليق فيروسات قاتلة تستخدم عند اللزوم، وفى ظنى أن الأمر أكبر من ذلك وأشمل فهو يؤكد بوضوح أن الثقة مفقودة، وأن الشك متبادل، وأن النيات ملتبسة وأحسب أن الأمر يحتاج إلى

«علىّ الدين هلال» والانتقال إلى الديمقراطية

أعترف بأنه صديق العمر، وأيقونة أساتذة علم السياسة، أُفَضِلُ له لقب العميد على لقب الوزير؛ لأنه أضاف إلى العمادة مكانة وقيمة، بينما لم تضف إليه الوزارة فقد كان أكبر منها وأعلم، وها هو يستعيد عافيته الفكرية ويصدر كتابه الأخير بعنوان "الانتقال إلى الديمقراطية..

العلاقات بين الشعب المصري ودول الخليج العربي

شاهدت مؤخرًا حديثًا مفزعًا لسيدة عربية من الكويت الشقيق وكنت قد شاهدت قبلها بأيام حديثًا لمثقف عربى من الكويت أيضًا يتحدث فيه عن علاقات بلده الشقيق بمصر، وقد روعتنى اللغة التى تحدث بها الاثنان عن فقراء مصر والآراء الخاطئة التى جرى طرحها، واضعين فى الاعتبار أن العلاقات بين مصر والكويت ذات طابع تاريخى ناصع لا يجب المساس به أو التشكيك فيه

الهزيمة والانتصار في حياة الأمم

تطل علينا بعد أيام قليلة الذكرى الثالثة والخمسون لهزيمة يونيو عام 1967 بآثارها الضخمة وانعكاساتها الكبيرة فى حياتنا، ومازلت أتذكر أنا وجيلى أنها كانت أكبر صدمة فى حياتنا، فقد عشنا سنوات المد القومى والحلم العربى وتصورنا فى مطلع ستينيات القرن الماضى أنه لا توجد قوة قادرة على قهر العرب، فكانت النكسة مزدوجة التأثير من حيث دهشة المفاجأة لحدوثها، فضلًا عن نتائجها السلبية الواسعة على العباد والبلاد، على البشر والحجر وما زالت تمثل غصة فى حلوقنا حتى اليوم، ولكن الذى يتأمل المشهد فى ذلك الوقت سوف يدرك أننا سقطنا أسرى عدد من العوامل الحاكمة وهي:

الهروب الكبير

استعرت العنوان من الفيلم الأمريكى الشهير لأنه يجسد جزءًا من الحالة العامة التى يشعر بها مئات الملايين فى أنحاء العالم، ولقد سيطرت على فى أسابيع الحظر والتواجد فى المنفى الاختيارى داخل المنزل أن أفكر طويلًا فيما كنا عليه وما سوف نؤول إليه

[x]