وديع سعادة

أتأمَّلُ المدن التي مات جميع سكَّانها بالصبر

هناك بلدان غريبة تنبت خلسةً في رأسي بلدانٌ تستيقظ من ليل طويل وتفرك عيونها بدهشة أعمى وحيد من سنوات

رواية عن صرخة

بودّي أن أكتب رواية.. عن صرخة

موت المسافات

هؤلاء الذين يتوقون العودة وليس لهم قطار ولا نجمة

أمكنة كثيرة في رئتيه

النسائم التي مرَّتْ في رئتيه كانت لها أسماء، أسماءُ مدنٍ وقرى وشوارع وصحارى وغابات..

أسفلت يتفتح عن زهور بشرية

أخبروني أنَّ موتًا كثيرًا.. وبكاءً كثيرًا.. جرى على الطُّرُقاتِ

يتنفسون بقربهِ

النسائم التي مرَّتْ في رئتيه، كانت لها أسماء

من لهاثه يأتي الهواء

الهواء من رئتيه، والماء من عينيه.. ما حاجته إلى الخارج؟

عين أخرى

بالثقوب التي انبثقت من تيههِ.. يرى، عينُه الآن ثقبُ تيهٍ

على حجر

أعود أخيراً من مكان إلى مكانٍ لم أبارحْه. جلْتُ وضِعتُ ومتُّ وعدتُ وأنا في مكاني. تحدَّثتُ مع الغيم وأنا أخرس. سمعتُ صهيلَ مجرَّاتٍ وأنا أطرش. رأيت موتى وأنا أعمى. وفي طريقي عرَّجتُ على منعطفات، وحاولتُ ترتيبها.

ريش في الريح

تكلَّمَ كثيرًا.. لكنَّ الوحيد الذي رافقه طوال الطريق كان الصمت

أريد أن أقول شيئًا

ظنَّ أنًّه هو ذاك الماشي في الشارع وقفَ وناداه : هاي، أريد أن أقول شيئاً لكنه لم يلتفت وغاب. ظنَّ نفسه هو ذاك الجالس في الحديقة وقفَ ومشى إليه ومشى الجالس في الحديقة وغاب. ظنَّ أنَّ المارَّة كلَّهم هو وصاح بهم : هاي، أريد أن أقول شيئاً لكنَّهم غابوا كلُّهم وغاب هو ولم يقلْ أيَّ شيء. -------- وديع سعادة، شاعر لبناني مقيم في أستراليا

أمي

وضعَتْ آخرَ نقطةِ ماءٍ في دَلْوِها على الحَبَقَة، ونامت قُرْبَها..

ذاك المساء.. على حجر

كان كلُّ شيء في منتهى الرقة، العمَّالُ المتعبون، ظلال الحمائم،

لا شيء هنا غير عشب الصمت

لا شيءَ هنا، لا شيء غيرُ عشب الصمت

كي تتنفس الأحجار

رصف حجرًا فوق حجر تاركًا فراغًا كي تتنفَّس الأحجار

بودّي أن أكتب رواية عن صوت ضاع في الفضاء

بودّي أن أكتب رواية عن صوت، خرج ذات يوم من فم، وضاع في الفضاء..

ارسمْ نفسكَ نهرًا.. وَسِلْ

ارسمْ نفسك نهراً، وَسِلْ.. شيءٌ منك لعشب الحافَّة، شيء للحصى، شيء للبحر وشيء للبخار

لديكَ ما يكفي من ذكرياتٍ كي يكونَ معك رفاقٌ

لديك ما يكفي من ذكريات، كي يكون معك رفاق على هذا الحجر

أرى الموتى والأحياء يشعلون القماش لكي نراهم

أرى الآن جمعاً من الموتى. هاي، أنتَ هناك، ما اسمك؟ كان على الأرض شبيه بكَ ألتقيه كلّ يوم. لم تكلّمني مرَّةً مع أنّنا مشينا كتفاً إلى كتف وكنتُ أحبُّ أن أسمع صوتك. كان صوتك سيؤنسني وصوتي سيؤنسك في ذاك الشارع الذي كان كلُّ من فيه وحيداً.

الأكثر قراءة