أنور مغيث: ما حدث فى 25 يناير لا يمكن وصفه على أنه ثورة

27-6-2011 | 11:33

 

محمد سعد

قال د. انور مغيث، استاذ الفلسفه بجامعه حلوان، انه لا يحق لنا ان نصف ما حدث في 25 يناير بانه ثوره، لانه لا توجد قياده محدده، ولا زعامه رمزيه، ولم يصل الثوار الي الحكم لتحقيق برنامجهم الثوري، كما ان لكل ثوره ملامح تعطيها دلالاتها.. واضاف ان اليسار المصري لا يزال قادرًا علي ان يقوم بدوره وان يساهم بشكل قوي في المشهد السياسي المصري، بشرط وجود يساريين يفهمون طبيعه المرحله التي تمر بها مصر، معتبرًا ان الثوره المصريه تمثل نموذجًا جديدًا يطرحه التاريخ للثورات في العالم.


واوضح مغيث في حواره لـ "بوابه الاهرام" ضروره الاتجاه الي مفهوم حديث للعلاقه بين الاقليه والاغلبيه في العالم العربي لا يعتمد علي اساس فصل ديني بين مسلمين ومسيحيين، ووصف ثوره 25 يناير بانها ثوره ما بعد حداثيه، لانها الفت بين مطالب ذات خلفيات مختلفه للوصول الي نظام فعال لدوله جديده، وراي ان المجتمع المصري مقبل علي مرحله اختيارات جذريه ومؤثره في اجيال كثيره مقبله، وبالتالي اصبحت الحاجه اكبر الي وجود فلاسفه، لان الفلسفه توفر رؤيه عقلانيه ونقديه للوضع الحالي وتساهم في تحديد المسارات التي يمكن ان تتخذ في المستقبل.

انور مغيث، استاذ الفلسفه الحديثه والمعاصره بجامعه حلون، حصل علي الدكتوراه من جامعه باريس 10 عن "تلقي الماركسيه في مصر وله العديد من الكتب المترجمه عن الفرنسيه منها "في علم الكتابه" للفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا و"نقد الحداثه" لـ آلان تورين واسباب عمليه لـ "بيير بورديو".

يري مغيث ان مصر تعيش الآن لحظه مفصليه مهمه فهي تعيش حاله مشدوده الي الشهور الماضيه بما حملته من ثوره وشعارات ثوريه ومشدوده للشهور المقبله بما تحمله من انتخابات ودستور فمن وجهه نظره ان اي موقف يحاول تكوين تصور عن المستقبل يستند الي شعريه الاشهر الماضيه واي تصور يحاول تقييم الثوره ونتائجها ومدي ما حققته يستدعي المستقبل وما سيسفر عنه، ومن هذا المنطلق يقول مغيث ان تلك الفتره التي نعيشها هي التي ستحدد ما اذا كان للثوره دلاله كبيره ومؤثره علي مسيره مصر في العقود المقبله ام انها ستكون حدث خطير ومهم لكنه عابر في السياسه المصريه.

ولكل ثوره ملامح تعطيها دلالتها ويجد مغيث تلك الدلالات في ملمحين الاول هو مشاركه الشباب بشكل كبير اما الملمح الثاني هو مطالبه الثوار بالدوله المدنيه واعتباره مطلباً اساسياً اتفق عليه الجميع اثناء الثوره. ويعتبر استاذ الفلسفه البارز ان مساله مشاركه الشباب لها بعد سياسي، حيث تعني التمرد علي السلطه الابويه والبنيه التسلطيه بالمجتمع بما يمثله من رفض لكل اشكال الوصايه المتعدده سواء من الاهل او الاستاذ او الرجل، تلك الوصايه التي ينبغي ان يطاح بها.

وبحسب مغيث يطرح النموذج الثوري المصري نموذجاً جديداً للثورات، فعاده ما يطيح الثوار بالطبقه الحاكمه ليحلوا محلها وهو ما لم يحدث في مصر فالثوار لم يصلوا للحكم، كما ان المؤسسات الرئيسيه بالدوله لم تنهار ليعاد بناؤها من جديد ولكنها تمر بعمليات تحول داخليه، وهنا يطرح السؤال حول مدي المشروعيه التي يمكن ان تعطي لكلمه ثوره في الحاله المصريه فبتطبيق المعايير الكلاسيكيه المستقاه من الثوره الفرنسيه والبلشفيه في روسيا لا يحق لنا ان نصف ما حدث في 25 يناير بانه ثوره لانه لا توجد قياده محدده، ولا زعامه رمزيه ولم يصل الثوار الي الحكم لتحقيق برنامجهم الثوري وابسط مثال علي ذلك حاله الطوارئ فالثوار لا يزالون يطالبون برفع حاله الطوارئ من سلطه اخري وهذا وضع غير ثوري في راي مغيث فالثورات لا تطالب وانما تستولي علي الحكم، ولكن هذا لا يعني ان ما قام في مصر ليس ثوره وانما هو نموذج مختلف للثورات يطرحه التاريخ، ويطرح مغيث ثوره الطلبه بفرنسا عام 1968 التي تمثل اكثر الثورات تاثيرًا في الحياه الاجتماعيه الفرنسيه فالمجتمع الفرنسي بعد 1968 يختلف جذريًا عن المجتع الفرنسي بعد ذلك التاريخ رغم ان ايًا من الثوار لم يصل للحكم.

يطرح البعد الاجتماعي للثورات والذي قد يكون الاهم بين باقي الابعاد السؤال عن خلق المجتمع الجديد في مصر وآليات تحقيقه، ويري مغيث ان المجتمع الجديد لم يخلق بعد وتظل النقطه الحاسمه في تاثير الثوره المصريه هي تغييرها للسلوك الاجتماعي وارسائها لمفاهيم اجتماعيه جديده وتحولها لممارسات ملموسه في الواقع ومن اهم آليات تحقيق المجتمع الجديد وضع دستور ينص وبوضوح علي احترام الحريات الشخصيه وحريه الاعتقاد والتعبير والاجتماع والاعتصام والتظاهر بحيث تتحول الي حقوق للناس يحميها القانون، وان تتاثر الثقافه بحريه الابداع بالشكل الذي نتحول فيه من مجتمع كان يعتبر الاجماع علي الراي قوه للامه والخروج علي الجماعه اضعاف لها الي مجتمع حديث يحتفي باختلاف الآراء وتعدد التيارات والاتجاهات ويعتبر الاختلاف مصدر قوته.

يرتبط بالجدل حول المجتمع الجديد، العلاقه بين المسلمين والاقباط في مصر فالجدل الدائر حول تعديل الماده الثانيه بالدستور وامكانيه تولي قبطي لمنصب الرئاسه في بلد تقطنه اغلبيه مسلمه يثير اشكاليه العلاقه بين الاغلبيه والاقليه في الشرق الاوسط وهي العلاقه التي اعتبرها ادوارد سعيد في احد حواراته علاقه ذات خصوصيه يصعب اداركها بمعايير العنصريه الغربيه، ولكن مغيث لا يري في تلك العلاقه ايه خصوصيه فعلي المثقفين العرب ان يدركوا ان لهم تاريخًا خاصًا نعم ولكنه ليس فريدًا من نوعه فالعرب مثلهم مثل لكل البشر يريدون ان يكسبوا عيشهم ويربوا اطفالهم وهكذا تبني المجتمعات علي هذا السعي في كل مكان.

ويري مغيث اننا في حاجه للخروج من حصر العلاقه بين اقليات واغلبيات علي اسس دينيه فهذه مساله لن تتم الا بالدستور الذي يحقق المواطنه بالممارسه السياسيه التي لا يترتب عليها خوف.

ويوضح مغيث ان جزءًا من الجدل حول الماده الثانيه من الدستور ومظاهرات السلفيين العنيفه وحركه التغير التي يفترض ان يشهدها المجتمع في بنيته كنتيجه للثوره تثير المخاوف لدي البعض علي فكره الهويه، هويه الدوله او المجتمع سواء كان صاحب الهويه ذا توجه اسلامي او قومي او مسيحي ولا تجد تلك المخاوف ما يبررها لدي مغيث، ويتساءل ما الذي يضرني اذا تبدلت الهويه وتغيرت، فالبنسبه لمغيث الهويه يجب ان تكون ديناميكيه ايضًا وقابله للتغيير وما يستحق الخوف والقلق حوله هو مستقبل التعليم والصناعه، فلا يوجد في تجربه الشعوب ان شعبًا اتخذ هويه ثابته عبر التاريخ فالشعوب تغير ملابسها ونشيدها القومي ولغتها احيانًا ولا يكون التغيير بدافع الملل ولكن لان الهويه القديمه واجهت تحديات لم يمكنها الصمود امامها، وبالتالي فالهويه تصنع في المستقبل لا الماضي.

وقال مغيث جمعت الثوره المصريه في مطالبها بين التغيير والحريه والعداله الاجتماعيه وهي مطالب ذات خلفيات مختلفه فالتغيير والحريه هي مطالب ليبراليه بالاساس والعداله الاجتماعيه هي مطلب اشتراكي ويفسر مغيث هذا التاليف بين تركيبه مطالب يراها متآلفه رغم انها تاتي من خلفيات متنافره بانه تعبير عن روح فلسفه جديده تتجاوز الحداثه الي ما بعد الحداثه ويلجا مغيث الي الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ليوتار لتوضيح فكرته فالحداثه بحسب ليوتار هي عصر الحكايات الكبري التي تسعي الي ايجاد نظام شامل يحدد كل شيء الاخلاق والسياسه والسلوك الشخصي والاطار القانوني لذلك تجد لديك المذهب الليبرالي والماركسي كمذاهب شموليه كليه اما ما بعد الحداثه فهي فلسفه الحكايات الصغري التي لا يكون معيار الصحه فيها الحقيقه ولكن الفاعليه في الواقع والقابليه للاستخدام في سياق يعطي مردود مادي او ثقافي فلا تتعامل مع الماركسيه كحزمه واحده وانما تفك تلك الحزمه وتقيم التركيب الذي تريده بين المذاهب لتدمجها في نظام فعال وهذا ما حدث في ثوره 25 يناير ومن قبله حين توصلت البرجوزايه الاوروبيه لصيغه تجمع بين الليبراليه الاقتصاديه والاستراكيه لتحقيق العداله الاجتماعيه.

من بين الاوصاف التي اطلقت علي الثوره المصريه انها ما بعد قوميه وكلن في نفس الوقت يعول آخرون علي ان تتجه مصر اتجاهاً قومياً جديداً خاصه من التحولات التي يحدثها الربيع العربي بالمنطقه وقد يبو في الامر تناقضاً الا ان مغيث يري ان الثوره تحمل البعدين القومي والما بعد قومي، فالبعد القومي يتمثل في ان الثوره المصريه بحسب مغيث تتجاوب مع الشعوب العربيه من منطلق تشابه ظروف القهر والاستبداد وتشابه المطالب ايضاً ولكنها تتجاوز البعد القومي التقليدي الذي يمثل يختار فيه شعب نفسه ليكون له رساله خالده فنحن قد تجاوزنا هذه الروح، ويلفت مغيث النظر الي ان الظروف الاقتصاديه التي تفرضها العولميه تفرض الانتقال الي اتحادات اقليميه عربيه من باب تدعيم المنافسه علي مستوي الكوكب بحيث تكون تلك الاتحادات قائمه علي توحيد الثقافه والتعليم والاقتصاد قبل اي شكل سياسي.

وانتقد مغيث التيارات اليساريه في مصر لانها لم تقم بنقد التراث بشكل جذري فمعظم الكتابات النقديه للتراث توجد لدي اللليبراليين مثل قاسم امين ومحمد حسين هيكل وعلي الرازق ويري مغيث ان اليسار لازالت لديه مهمه ليضطلع بها وهو القيام بنقد جري للتراث الديني. وهو امر يشترط ان يكون هناك يساريين يفهمون المرحله ويدركون الي اين يتجه العالم قبل ان يفهموا الي اين تتجه مصر.

ويحدد مغيث ثلاثه سمات رئيسيه تحدد تيار يساري قوي تتمثل في نقد ثقافي قوي يدعم حريه المراه والتعبير والابداع والثقافه العلميه في وجه اخرافه والشعوذه وانحياز للعداله الاجتماعيه والاهتمام بالناحيه الامميه بمعني الهم بالانسان اينما كان.