بالصور.. أسرار تدمير إيلات يرويها البطل الذي سبح ١٤ كيلومترًا حاملًا زميله الشهيد


3-10-2015 | 23:14


مها سالم

وقف الرائد بحري نبيل محمود عبد الوهاب فى حفل تكريمه فى حفل للقوات المسلحة بحضور المشير عبد الفتاح السيسي وقت أن كان وزيرا للدفاع، يروى كيف رفض أن يترك جثة زميله تغرق في الماء.

وقام بعمل بطولي لم يحدث في تاريخ البحرية العالمية حيث سبح لمسافة طويلة حاملا زميله ورافضا أن يتركه وقال: "كما خرجنا لتنفيذ المهمة سنعود معا".

فمن هو هذا البطل الجسور من رجال أكتوبر .. إنه اللواء ربان محمود عبد الوهاب من قوات الصاعقة البحرية، رجال الضفادع البشرية، الذي يروى لـ"بوابة الأهرام" ذكريات النصر المحفورة بدماء زملائه فى الذاكرة، قصة تدمير ميناء إيلات ومدمرتين إسرائيلتين فى رد على الإجرام الصهيونى أمام مدينة بورسعيد في 21 أكتوبر 1967 بعد 4 أشهر من نكسة 67 وهى التى حولتها المبدعة أنعام محمد على لفيلم يحمل اسم إيلات.

ويقول البطل: أول عمل يوكل إلي من اللواء محمود فهمى قائد العمليات هو مهاجمة سفن العدو فى ميناء إيلات وتم اختيار المجموعة التى ستقوم بالعملية.. وهى عملية إيلات الأولى.. تدمير السفينتين "هيدروما وداليا" بناء على الكفاءة فى التدريب، وتم استدعاء كل ضابط من أفراد العملية لوحدة فى مقر المخابرات الحربية بحلمية الزيتون وتم تصويرهم وعمل جوازات سفر وهمية لسفرهم إلى الأردن.

تم السفر إلى الأردن وكتب فى بطاقتي مهنة "طالب" وتم تشديد المراقبة علي فى مطار الأردن حتى تم تخفيف التفتيش علي من المخابرات الخاصة بالمطار.

يستكمل اللواء نبيل: أفراد العملية لم يودعوا أهاليهم، وقامت المخابرات الحربية بتوصيل رسالة إلى الأهالي تخبرهم أننا فى مهمة تدريبية فى بور سعيد، ومن المصادفات أن كل أفراد المجموعة كانوا غير متزوجين باستثناء ضابط واحد وهو الذى ساهم فى عملية الحفار وتم السفر إلى الأردن على دفعتي.

ولم يعلم كل أفراد المجموعة أى خطوة يخطوها منذ وصوله إلى الأردن، ولكن كان كل شىء مرتب ومنسق حيث إنه تم استقبال كل فرد من أفراد المجموعة لوحده منفردًا فى المطار، وتم توصيلنا إلى بيت مؤمن فى عمان، وكان قد سبقنا بعض الأشخاص من المخابرات الحربية بالأسلحة والألغام والقارب المطاطى التى تم توصيلها إلى العراق فى مطار اسمه ( أتش – تى) فى الحبانية قبل وصولنا إلى عمان بالأردن.

ويتذكر اللواء نبيل كيف تم تهريب الأسلحة والمعدات من العراق إلى الأردن على أنها أسلحة خاصة بمنظمة فتح، وكانت منظمة فتح فى هذه الفترة لها قوة مسيطرة فى الأردن فكان من السهل أن تدخل الأسلحة والمعدات إلى الأردن باسم منظمة فتح.

وأول عملية تم فيها إغراق السفينتين التجاريتين داليا وهيدروما اللتين كانتا تستخدمهما إسرائيل للمجهود الحربى تم فى ليلة 15/16 نوفمبر1969م ..و كان قائد اللواء المرحوم رضا حلمى والمرحوم مصطفى طاهر أخبرا الضفادع أنه سيتم تنفيذ العملية ليلة تنفيذها التى هى المفترض أن تكون ليلة (9 نوفمبر 1969) وتم نزول الضفادع إلى نقطة على طريق الأردن السعودية عن طريق يسمى طريق المهربين، وكان معهم دليل يقودهم إلى الطريق واستخدموا هذا الطريق لأنه مجموعة الضفادع كانت تقوم بالعملية من وراء الأردن وأن المخابرات أو السلطات الأردنية لم تكن على علم بتنفيذ العملية أو حتى تعلم بنية المخابرات الحربية المصرية بتنفيذ العملية .

أضاف اللواء ربان نبيل عبد الوهاب : لم يكن أحد من أفراد العملية يفكر أنه قد يمكن أن يموت أو لا يرجع بعد تنفيذ العملية وكان الهدف الوحيد والشىء الوحيد المسيطر على تفكير كل أفراد العملية هو نجاحها فقط حيث أن هذه العملية تعتبر أول عملية تقوم بها الضفادع البشرية فى الشرق الأوسط بأكمله.

قام الدليل بقيادة الضفادع حتى نقطة الإنزال وتم تحرك الضفادع من نقطة الإنزال بقارب مطاطى إلى ميناء إيلات ليلة 9 نوفمبر، ومن المفارقات القدرية أنه عند وصول الضفادع إلى الميناء لم يجدوا السفن المراد تفجيرها فى ميناء إيلات، فقام القائد رضا حلمى قائد العمليات باحتواء الموقف وأخبر الضفادع أنه ليست هناك أى مشكلة وأخبر الضفادع أن نعتبر أنفسنا نقوم بتدريب وفى مهمة استطلاعية للميناء مع اختلاف المكان من ميناء أبو قير الإسكندرية إلى ميناء إيلات داخل إسرائيل التي كانت فى ذلك الوقت متفوقة إعلاميًا وتروج شائعات بأنها العدو الذى لا يقهر والجيش الذى له اليد الطولى حيث إنها قامت بعمليات فى العمق المصرى وأصابت مدنيين مثل مدرسة بحر البقر ومصنع أبو زعبل وغيرها وكانت تشيع أن الجندى الإسرائيلى هو جندى لا يقهر لكى تزرع الرهبة فى قلب المقاتل المصرى.

ويستكمل اللواء الربان نبيل عبد الوهاب: نزلت مجموعة الضفادع إلى ميناء إيلات وتجولنا في الميناء وقمنا بالتدرب أيضا على العملية فى الليلة التى المفروض أن ننفذ فيها بالعملية (9 نوفمبر) ولم يرنا أحد إطلاقا داخل إيلات لدرجة أن هذه الواقعة أكدت للضفادع أن الجندى الإسرائيلى ولا حاجة" وأنه مفيش أى داعى لأى خوف من الأساس.

ومن المفارقات التى لا تصدق، أن مجموعة الضفادع كانت تتحرك بقارب مطاطي مملوء بمواد مشتعلة، إلى جانب أسطوانات التنفس التى تحتوى على أكسجين صافى، بجانب 6 ألغام يحتوى كل لغم على 50 كجم، TNT التى سينفذون بها العملية.

وظهر فجأة فى الظلام الدامس لنش إسرائيلي يحمل فى مقدمته مدفع نص بوصة مسلط الكشاف الخاص به على مجموعة الضفادع، فقام المرحوم رضا حلمى قائد العملية بتحريك ذراع القارب الذى تحرك عن غير قصد فى مواجهة اللنش الإسرائيلى والشيء الذى لا يصدق أن اللنش الإسرائيلى أطفأ الأنوار الخاصة به وهرب فى الظلام.

بعد هذه الواقعة والانتهاء من الاستطلاع، تم رجوع مجموعة الضفادع إلى نقطة الإنزال، ومنها إلى القاهرة، ثم عادت مرة أخرى إلى إيلات وبعدها بأسبوع ليلة 15 نوفمبر لتنفيذ العملية من جديد.

كانت هناك نقطة مراقبة مصرية بعلم السلطات الأردنية تقدر تشوف وتراقب السفن فى ميناء إيلات، وكان هناك اتفاق عند ظهور السفن فى الميناء تذيع الإذاعة المصرية في إذاعة صوت العرب أغنية بين شطيين ومية لمحمد قنديل، وفى حالة عدم ظهور السفن تذاع أغنية "غاب القمر يا ابن عمى" لشادية.. وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يتابع بنفسه الإذاعة.

تم وصول أفراد المجموعة إلى نقطة الإنزال مرة أخرى فى يوم 15نوفمبر، وتم تجهيز القارب والألغام وكل المعدات والتف أبطال العملية حول الراديو، وانطلقت مجموعة العملية إلى إيلات لتنفيذ المهمة بعد إذاعة أغنية محمد قنديل.

وصل أفراد العملية بعد سباحة 2 كم داخل ميناء إيلات مقسمين على 3 مجموعات.. مجموعتان لتلغيم السفينة هيدروما، ومجموعة لتلغيم السفينة داليا، وكل ضفدع كان يحمل لغم لوضعه فى مكان محدد فى السفينة المطلوب تدميرها، وقمت بوضع اللغم الخاص بي فى منتصف السفينة داليا أسفل غرفة الذخيرة، بينما قام رفيقي الرقيب فوزى البرقوقى بوضع اللغم الخاص به فى مؤخرة السفينة أسفل غرفة الماكينات.

كان الشهيد الوحيد في هذه العملية زميلي الرقيب محمد فوزي البرقوقي، وقمت بسحب جثته وسبحت بها لمسافة 14 كم فى سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخ البحرية فى العالم .

قد حرصت على سحب جثة رفيقي الشهيد وعدم تركه للإسرائيليين لعرضه في التليفزيون متفاخرين بتمكنهم من قتله.. ورفيقي الشهيد الرقيب محمد فوزي البرقوقي كان يمكنه أن يتجنب الوفاة لو صعد للسطح ليستنشق الهواء و لكنه آثر استكمال الغطس كي لا تنكشف العملية وتفشل ضاربا أعلى مثل في التضحية والفداء.

يذكر أنه يوم السبت 11 يناير 2014 قام الفريق أول عبد الفتاح السيسي نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والإنتاج الحربي خلال الندوة التثقيفية بتكريم عدد من رموز وأبطال القوات البحرية المصرية ومنهم اسم الفريق محمود عبد الرحمن فهمي قائد القوات البحرية الأسبق والفريق أشرف محمد رفعت رئيس شعبة العمليات البحرية خلال حربي الاستنزاف وأكتوبر وقائد القوات البحرية الأسبق تقديرا لما أدوه من خدمات جليلة للوطن والمساهمة في دعم وتكامل القدرة القتالية للقوات المسلحة خلال معارك الاستنزاف ونصر أكتوبر 1973 وصدق عدلي منصور رئيس الجمهورية على منحهما رتبة الفريق فخري.

كما كرم وزير الدفاع أبطال الضفادع البشرية الذين أغرقوا المدمرة الإسرائيلية إيلات خلال حرب الاستنزاف وقام رئيس الجمهورية بالتصديق على منحهم وسام النجمة العسكرية تقديرا لهم ولبطولاتهم وهم : رائد بحري بالمعاش عمر علي عز الدين ورائد بحري حسنين علي جاويش والرائد بحري نبيل محمود عبد الوهاب الذي رفض أن يترك جثة زميله تغرق في الماء وقام بعمل بطولي لم يحدث في تاريخ البحرية العالمية حيث سبح لمسافة طويلة حاملا زميله ورافضا أن يتركه.

وقال: كما خرجنا لتنفيذ المهمة سنعود معا، وضجت قاعة مسرح الجلاء بالتصفيق أثناء صعود البطل المصري وحضرت زوجة الفريق الراحل محمود فهمي قائد القوات البحرية الأسبق لتتلقى التكريم من الفريق أول عبد الفتاح السيسي والذي قام بتقبيل رأسها بعد أن انهمرت دموعها وهى تصافحه.