طابا.. ذكرى عودة آخر شبر من تراب مصر بعد معركة السيادة وسوء النية الإسرائيلية


19-3-2015 | 15:11


محمد الشوادفي

في التاسع عشر من مارس ارتفع علم مصر على شريط طابا، معلنا عودتها إلى الأراضي والسيادة المصرية، بعد معركة دبلوماسية وقانونية شرسة مع إسرائيل، بعدما أثارت تل أبيب أزمة في ديسمبر 1981، من خلال الإدعاء بمواقع غير صحيحة للعلامة رقم 91، في محاولة لضم منطقة طابا إلى إقليمها.

وإزاء إصرار إسرائيل علي موقفها، وتمسك مصر بحقها في السيادة على طابا، تم البحث عن حل مقبول يسمح بإنجاز الانسحاب الإسرائيلي في الموعد المحدد، مع البحث عن وسيلة مقبولة، لحل الخلافات القائمة حول العلامات الحدودية المعلقة دون حسم.

وقد بدأت قضية طابا عقب توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979، والتي نصت على سحب إسرائيل كامل قواتها من شبه جزيرة سيناء في 25 أبريل 1982، ومع تذرع إسرائيل بأن العلامة 91 تقع ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة، تفجر الصراع بين مصر وإسرائيل حول طابا، وعرضت مصر موقفها بوضوح بأنه لا تنازل ولا تفريط عن أرض طابا.

اللواء أحمد رجائي عطية مؤسس فرقة 777، وأحد قيادات حرب أكتوبر، يقول إن عملية تسلم وترسيم الحدود بدأت مع تنفيذ المرحلة ( جـ) تحت إشراف اللواء محسن حمدي من المخابرات الحربية، واللواء صلاح عبد الحليم من هيئة العمليات، وكان الخلاف مع إسرائيل على 14 نقطة، ثم تم تخفيضها إلى 9، ثم إلى 5 نقاط، حتى احتدم الخلاف حول نقطة واحدة، وهى العلامة 91.

وفي إطار حرص مصر علي إتمام الانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء، وقعت الدولتان اتفاقًا في 25 أبريل 1982، لوضع النزاع مع إسرائيل بشأن طابا في إطار محدد، لتسويته بإحدي وسائل تسوية المنازعات الدولية، عن طريق المفاوضة، أو التوافق، أو التحكيم، والتي حددتها المادة السابعة من معاهدة السلام.

وبحسب اللواء رجائي عطية، عندما احتد الخلاف بين مصر وإسرائيل دعت الخارجية المصرية إلى اجتماع، يرأسه اللواء صلاح عبد الحليم، وتتولى الملف الوثائقى هيئة العمليات، والملف القانونى الدكتور نبيل العربي والدكتور ممتاز نصار والدكتور مفيد شهاب، وانضم ﻻحقا لهم الراحل يونان رزق الله أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة.

وبادر الجانب الإسرائيلي بخلاف على 200 متر، وقال اللواء صلاح عبد الحليم: إذا كان الخلاف على متر واحد، أو 10 أمتار، يمكن التفاهم بشأنها، وقال قولته المشهورة "إذا كبر الخطأ ظهر الحق"، على حد قول اللواء رجائي عطية.

وفي 11 سبتمبر 1986، وقعت مصر وإسرائيل شروط التحكيم ومهمة المحكمة في تحديد مواقع النقاط وعلامات الحدود محل الخلاف، وأُحيل النزاع إلى هيئة تحكيم دولية تشكلت من خمسة محكمين، برئاسة القاضى السويدى جونار لاجرجرين، وعضوية خمسة محكمين، ثلاثة محايدون من السويد وفرنسا وسويسرا، ومحكم من مصر، ومحكمة أخرى إسرائيلية.

ونص الاتفاق المؤقت، الذي وقعه الطرفان، على عدم قيام إسرائيل ببناء أي إنشاءات جديدة في المنطقة، لحين فض النزاع، وبالرغم من ذلك فقد قامت إسرائيل بافتتاح فندق "سونستا طابا" في 15 نوفمبر 1982، والإعلان عن بناء قرية سياحية هناك، كما قامت، أيضا، بإجراء بعض العمليات الرمزية، التي تشكل نوعا من فرض السيادة الإسرائيلية على منطقة طابا.

من جانبها، قررت مصر أن تكون معركتها لتحرير "طابا" قانونية - دبلوماسية، تستخدم فيها جميع الوثائق والمخطوطات التي تحصل عليها من دور المحفوظات العالمية، لكي تثبت للعالم أجمع أن حق مصر لا ريب فيه، وغير قابل للتنازل، حيث كانت مصر واثقة من حقها التاريخي.

ومنذ تشكيل هيئة التحكيم في سبتمبر عام 1986، وحتى 29 سبتمبر 1988، قدم الفريق المصري أسانيد ووثائق تؤكد حق مصر التاريخي في منطقه طابا، تمتد من عام 1274، وأيضا مجموعة من الأسانيد والوثائق التاريخية من المندوب السامي البريطاني إلى الخارجية المصرية، والمخابرات المصرية عام 1914، وتقارير مصلحة الحدود في عام 1931، وأخرى.

وفى يوم 13 مايو 1985 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 641 بتشكيل (اللجنة القومية العليا لطابا) من أبرز الكفاءات القانونية والتاريخية والجغرافية، وكان الفريق من ‏24‏ خبيرا، منهم ‏9‏ من أقطاب الفكر القانوني، و‏2‏ من علماء الجغرافيا والتاريخ‏،‏ و‏5‏ من أكبر الدبلوماسيين بوزارة الخارجية، و‏8‏ من العسكريين وخبراء المساحة العسكرية‏.‏

وأخذت اللجنة على عاتقها إدارة الصراع فى هذه القضية من الألف إلى الياء، مستخدمة كل الحجج لإثبات الحق، ومن أهمها الوثائق التاريخية، التى مثلت نسبة 61% من إجمالى الأدلة المادية، والتى جاءت من ثمانية مصادر.

ورغم أن مشارطة التحكيم نصت على أن المطلوب من المحكمة تقرير مواضع علامات الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب، أى فى الفترة بين عامى 1922 و 1948، فإن اللجنة المصرية بدأت فى البحث عن وثائق بدءًا من ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والوثائق فى الفترة اللاحقة على عام 1948، حتى حرب يونيو ونتائجها، وجرى البحث عن هذه الوثائق فى دار الوثائق القومية بالقلعة، وثائق وزارة الخارجية البريطانية، دار المحفوظات العامة فى لندن، دار الوثائق بالخرطوم، دار الوثائق باسطنبول، ومحفوظات الأمم المتحدة بنيويورك.

وفي 29 سبتمبر 1988 أسدل الستار على قضية طابا بإصدار هيئة التحكيم حكمها التاريخي في جلسة علنية عقدت في قاعة المجلس الكبير بالمقر الرسمي لحكومة مقاطعة جنيف، في حضور وكيلي الحكومتين، وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الجانبين، بأغلبية 4 أصوات، والاعتراض الوحيد من القاضية الإسرائيلية بالطبع، ووقع الحكم فى 230 صفحة.

وجاء في منطوق الحكم: "أن منطقة وادي طابا" بأكملها، وبما عليها من منشآت سياحية ومدنية، أرض مصرية خالصة، كما أقرت حيثيات الحكم بأن إسرائيل أضمرت سوء النية طيلة مرحلة التحكيم.

ورغم حكم هيئة التحكيم الحازم والنهائي، ظلت إسرائيل تماطل في تنفيذ الحكم لمدة ستة أشهر، وبدأت مرحلة أخرى من التسويف والمماطلة، واستغرقت المفاوضات اللاحقة على الحكم شهورا، لنقل ملكية الفندق المقام على أرض طابا لمصر، وكذلك إجراءات دخول الإسرائيليين إلى "طابا".

وطال الجدل حتى تم، في السادس والعشرين من فبراير 1989، توقيع الاتفاق النهائي لخروج إسرائيل نهائيًا من آخر نقطة مصرية، على أن يتم هذا في الخامس عشر من مارس 1989.

وتأخر حفل توقيع هذا الاتفاق 25 دقيقة، للاعتراض على مساحة 4.62 متر يمر فيها خط الحدود، بسبب بناء إسرائيل كشك حراسة خرساني، وتم في النهاية تقسيمه بين الطرفين، وفى 15 مارس 1989 تسلمت مصر منطقة طابا، وعادت إلى سيادتها، حيث تم رفع العلم المصري على هذه المنطقة في 19 مارس 1989.