في ذكرى رحيله.. طلعت حرب أول من عالج مصر اقتصاديًا ومهد لعودة القناة وأدخل المصريين لعالم البنوك


25-11-2014 | 16:05


عبد الرحمن بدوي

أثرى الاقتصاد المصري وأخرجه من سيطرة الأجانب ورفع شعار "مصر للمصريين" إنه طلعت حرب الذي تمر اليوم ذكرى ميلاده
الـ 147، والذي أثرى أيضًا الفنون والثقافة حيث أنشأ "استوديو مصر" ، أول ستوديو برأسمال مصري 100%، في عام 1935.

ويعتبر طلعت حرب أهم أعلام الاقتصاد في العصر الحديث حسبما يصفه المؤرخون، تلك الشخصية شديدة الحيوية والديناميكية، والذي ينهض مبكرًا ويبدأ العمل في السادسة صباحًا، ويصدر التعليمات إلى رجاله، وظل يعمل لمدة خمس سنوات لمدة 15 ساعة يوميًا وبدون مقابل.

قبل أن أتطرق في جنبات فكر وعقل طلعت حرب كان لابد أن أذكر موقفًا تاريخيًا حيث نجحت حملته في القضاء على المخطط الاستعماري لتمديد عقد احتكار قناة السويس في مهده، بعد أن قدم في عام 1912 كتابه "قناة السويس" وذلك لتفنيد دعاوي إنجلترا وفرنسا لتمديد عقد احتكار القناة لمدة 40 سنة أخرى، بعد الـ 99 سنة التي تنتهي في عام 1968.

وكان لطلعت حرب نصيب كبير من اسمه الذي حمل تطلعات مصر وشعبها، وحربها على الجهل والاستعمار والاحتكار الاقتصادي.

محطات اقتصادية

عندما نتحدث عن أهم المحطات الاقتصادية التي انطلق منها طلعت حرب لابد أن نذكر كتابه "علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين".

وتبلورت فكرته في ضرورة إنشاء بنك للمصريين عام 1911 ، إلا أنها تعطلت بسبب الحرب العالمية الأولى وبعدها بسنوات قليلة، تم الاحتفال بتأسيس البنك مساء الجمعة 7 مايو 1920 في دار الأوبرا السلطانية "دار الأوبرا المصرية" حاليًا، وذلك برأسمال 180 ألف جنيه وتم تحديد قيمة السهم بأربعة جنيهات مصرية، ليكون بداية الاستقلال الاقتصادي لمصر ، مثلما كانت ثورة 1919، بداية الاستقلال السياسي، وكان أول مقر له في شارع الشيخ أبو السباع.

وبعد عامين فقط من إنشاء بنك مصر قام طلعت حرب بإنشاء أول مطبعة مصرية برأسمال قدره خمسة آلاف جنيه، وبعد إنشاء المطبعة توالت الشركات المصرية التي ينشئها البنك مثل شركة مصر للنقل البري.

كما أنشأ البنك شركة مصر للنقل النهري ثم شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى كما أقام مصنعا لحلج القطن في بني سويف، وأنشأ البنك مخازن ( شون ) لجمع القطن في كل محافظات مصر.

وتواصلت عطاءات طلعت حرب فأنشأ شركات مصر للملاحة البحرية، ومصر لأعمال الإسمنت المسلح، ومصر للصباغة، ومصر للمناجم والمحاجر، ومصر لتجارة وتصنيع الزيوت ، ومصر للمستحضرات الطبية، ومصر للألبان والتغذية، ومصر للكيمياويات، ومصر للفنادق، ومصر للتأمين، كما أنشأ طلعت حرب شركة بيع المصنوعات المصرية لتنافس الشركات الأجنبية بنزايون، وصيدناوي وغيرهم.

وقد سعى طلعت حرب لإنشاء شركة مصرية للطيران إلى أن صدر في 27 مايو 1932 مرسوما ملكيا بإنشاء شركة مصر للطيران كأول شركة طيران في الشرق الأوسط برأس مال 20 ألف جنيه.

من حسب كسب

وقد كان شعاره الوحيد (من حسب كسب) وقد كتب عنه جاك بيرك (إن ميزته الأولى كانت في إدراكه للقوة الكامنة والإمكانات الهائلة التي لم تستغل بعد عند مواطنيه ) وهذا كلام صادق تمامًا حيث دأب الاحتلال الإنجليزي على ترويج أن الشعب المصري لا يعرف إلا الزراعة وأنه لا يجيد الأعمال الاقتصادية أو الصناعية وقد أثبت طلعت حرب فساد وخطأ هذه المقولات ،و استطاع بنك مصر تحفيز الادخار لدي كل المصريين حتى الأطفال بعد أن وزع البنك حصالات على تلاميذ المدارس الابتدائية ثم يأخذ ما فيها ويفتح للأطفال دفاتر توفير بالبنك.

البعد الأخلاقي

كما كان طلعت حرب يراعي دائمًا البعد الأخلاقي في معاملاته وتعاملاته، حيث أصدر قراراً بعدم تمويل بنك مصر لأية مشروعات تسيء إلى الخلق العام، وكرامة الإنسان ، كما حرص البنك على مساعدة صغار الصناع والحرفيين للصمود أمام سيطرة المنتجات الإنجليزية على السوق المصرية ومنافستها.


ليذهب طلعت وتبقى مصر
وعلى الرغم من النجاح الذي حققه طلعت حرب من خلال بنك مصر والإنجازات الاقتصادية الهائلة التي تم تحقيقها، إلا أن البنك تعرض لأزمة مالية كبيرة، كان الاحتلال البريطاني ورائها، حيث تسارع آلاف المودعين بسحب أموالهم من البنك ومما زاد الأزمة سحب صندوق توفير البريد لكل ودائعه من بنك مصر، ورفض البنك الأهلي أن يقرضه بضمان محفظة الأوراق المالية، و عندما ذهب طلعت حرب إلى وزير المالية حينذاك حسين سري باشا لحل هذه المشكلة، كان الشرط الوحيد الذي قدمه الوزير لحل أزمة البنك هو تقديم طلعت حرب لاستقالته، وبالفعل قدم طلعت حرب استقالته للمحافظة على البنك هذا الإنجاز العظيم الذي قام بتقديمه للمصريين، والذي استمر إلى يومنا هذا يقدم خدماته إلى المواطن المصري ورمزاً وتخليداً لذكرى واحد من أبرز الاقتصاديين الذين عرفتهم مصر ، ومن أقواله الشهيرة في هذا الموقف هو " فليذهب طلعت حرب و ليبق بنك مصر".

ثقافة وفنون

وإيمانًا منه بضرورة تدعيم الثقافة والفنون ونشر الوعي قام بتأسيس شركة مصر للتمثيل والسينما "أستديو مصر" لإنتاج أفلام مصرية لفنانين مصريين مثل أم كلثوم ، عبدالوهاب وغيرهما، وقد أنتج أستوديو مصر فيلما قصيرا لمدة عشر دقائق للإعلان عن المنتجات المصرية ، كما أنتج نشرة أخبار أسبوعية عن الأحداث في مصر يتم عرضها في دور العرض قبل بداية أي فيلم، وقد أكد طلعت حرب على أهمية السينما وخطورة دورها عندما قال "إننا نعمل بقوة اعتقاديه وهي أن السينما صرح عصري للتعليم لا غني لمصر عن استخدامه في إرشاد سواد الناس" حسبما ذكر موقع الملك فاروق الأول.

وتوفى طلعت حرب الذي أنهى دراسته الثانوية بمدرسة التوفيقية، ثم حصل على شهادة الحقوق من مدرسة الحقوق عام 1889م، والذي بدأ حياته العملية مترجماً بقلم القضايا بالدائرة السنية التي كانت تتولى الأراضي الزراعية المملوكة للدولة، ثم تدرج في المناصب حتى عين مديراً لأقلام القضايا، عمل بعد ذلك مديرا لشركة كوم امبو و التي كان مجال نشاطها في استصلاح وبيع الأراضي ، ثم مديراً للشركة العقارية المصرية، في 21 أغسطس عام 1941م بعد أن حقق للشعب المصري نهضة اقتصادية، وأثبت للعالم أجمع قدرة الإنسان المصري والعربي على إدارة أعماله بمفرده دون الحاجة للوصاية الأجنبية عليه.