"محافظة الفيوم".. جذور العنف من "مفتي الجهاد" و"تنظيم الشوقيين" إلى تفجير "البطرسية"


13-12-2016 | 04:05


كمال مراد عبد الحميد

لم يكن محمود شفيق، الشاب العشريني، الذي أعلنت الأجهزة الأمنية، تفجيره الكنيسة البطرسية بالعباسية، يعرف أنه يسير علي خطي مجموعة من قيادات الجماعات الراديكالية، التي زرعت بذور التطرف في محافظته الفيوم.

ورث شفيق أفكار التعصب الأعمى، الذي قاده لقتل 25 قبطيًا، كانوا يؤدون الصلاة، بحزام ناسف وضعه حول جسده، عن قيادات الجماعة الإسلامية، التي نشأت في محافظة الفيوم، أمثال الشيخ عمر عبد الرحمن، مفتي تنظيم الجهاد، وشوقي الشيخ، مؤسس تنظيم "الشوقيين"، أحد أكثر التنظيمات المتطرفة في تاريخ الجماعات الإسلامية.

تقع الفيوم في الصحراء الغربية، في الجنوب الغربي من العاصمة القاهرة، محاطة بالصحراء من كل جانب، ماعدا الجنوب الشرقي، الذي يربطها بمحافظة بني سويف، وتبلغ مساحتها الكلية 6.068.70 كم2، تعاني المحافظة من ارتفاع نسبة الفقر والأمية، مثلها مثل باقي محافظات الصعيد.

كانت الفيوم إحدى أهم المحطات، في حياة مفتي تنظيم الجهاد، عمر عبد الرحمن، أستاذ التفسير بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، والذي أفتي بكفر الرئيس السادات، ووجوب إسقاط نظام حكمه، حيث تم تعينه إمامًا لأحد مساجد قري المحافظة في بداية حياته.

عاش عبد الرحمن في الفيوم، وارتبط بعلاقات قوية مع قيادات الجماعة الإسلامية، في محافظات الصعيد، وبالرغم من التضييقات الأمنية عليه، إلا أنه كان يستطيع الدخول والخروج من منزله في الفيوم، للاجتماع وعقد اللقاءات مع قيادات الجماعة، في المحافظة والمحافظات المجاورة.

وفي تلك الأثناء، نشب أحد أعنف الانشقاقات، في تاريخ الجماعات الإسلامية، عندما أنشق شوقي الشيخ، مؤسسي تنظيم"الشوقيين"، عن زعامة عمر عبد الرحمن، الزعيم الروحي لتنظيم الجهاد، الذي تم اعتقاله بعد ذلك في أمريكا، لتتحول أرض محافظة الفيوم، لساحة للمعارك الفكرية المسلحة، خلال فترة الثمانية والتسعينات، بين العناصر المتطرفة وبعضها البعض، وقوات الأمن من ناحية أخري.

وشوقي الشيخ، هو مهندس مدني، ينتمي لعائلة كبيرة في مركز أبشواي بالفيوم، تتلمذ علي يد الشيخ يوسف البدري في السبعينات، أثناء دراسته في جامعة حلوان، تعرف بعد تخرجه علي طارق الزمر، وأنضم لتنظيم الجهاد.

تم القبض عليه بعد اغتيال السادات، وخرج بعد شهور قليلة، لينضم لتنظيم جديد لإحياء تنظيم الجهاد، ولكن كشف الأمن هذا التنظيم، وتم القبض علي شوقي، وفي سجن طرة تغيرت عقيدة شوقي الفكرية، فتخلي عن عقيدة تنظيم الجهاد، واعتنق أفكار جهادية أخري تكفيرية.

أسس شوقي تنظيم "الشوقيين"، الذي اتخذ من أبشواي بالفيوم مقر له، وخلال فترة قليلة استطاع تجنيد عدد كبير من الشباب، تم تدريبهم علي حمل السلاح، ليدخل التنظيم في مواجهة مع أجهزة الأمن، بهدف إسقاط النظام وإعلان الخلافة الإسلامية.

دخل "الشوقيين" في صراعات، مع الجماعات الإسلامية الأخري، التي تختلف معهم فكريًا، واتهموا أي شخص خارج جماعتهم بالكفر، وهو ما أعطي لأعضاء التنظيم، مبررًا لإرتكاب جرائم القتل والسرقة والحرق، لاسيما ضد الأقباط، الذين استحلوا دمائهم وأموالهم، لتمويل عمليات التنظيم.

قُتل شوقي الشيخ زعيم التنظيم، في إحدي المواجهات الشهيرة مع قوات الأمن، في قرية كحك بأبشواي عام 1990، لتندلع مواجهات عنيفية بين أعضاء التنظيم من جهة، وقوات الأمن وأجهزت الدولة من جهة أخري، استخدمت في هذه المواجهات القنابل والمتفجرات.

نجح الأمن في تحجيم التنظيم، والقبض علي معظم أعضاؤه، ولكن الغريب في الأمر أن الدولة أفرجت عن أعداد كبيرة من المنتمين للتنظيم في عام 2006، بعد أن حصلت جماعة الإخون، علي 20 % من مقاعد مجلس الشعب في انتخابات عام 2005، وهو ما فسره البعض، بمحاولة الأجهزة الأمنية تحجيم المد الإخواني بمواجهة "الشوقيين".

وعقب ثورة يناير، خرج العديد من أعضاء التنظيم من السجون، واستغلوا حالة الفراغ السياسي، ووصول الإخوان للحكم في نشر أفكارهم، وارتبط بهم مجموعات جديدة من الشباب.

وبعد سقوط نظام الإخوان، تحولت الفيوم لبؤرة مشتعلة من الاحتجاجات ضد الدولة، حتي أنها صُنفت كمحافظة إخوانية، في هذا الجو المشحون بالعنف، خرج محمود شفيق، الذي قاده فكره المتطرف، لتفجير نفسه في أبرياء يؤدون الصلاة في الكنيسة البطرسية.