حنان مفيد فوزي تكتب: "الغالية أم الدنيا.. آمال بنت العمدة"



20-3-2017 | 21:55

من حق كل أم فقدت عزيزًا غاليًا من نبت قلبها وعصارة روحها.. خرج ولم يعد من العريش أو الشيخ زويد أو رفح، أو عاد مذعورا مهلهلا من ليبيا أو العراق أو سوريا كارها الخروج إلي النور أو اعتقل وراء الشمس أو تحت الأرض، أو مات كمدًا من واقع الغلو المعيشي أو انتحر شنقا أو غرقا أو حرقا، بدافع الثورة علي الفساد أن تنعم بلقب أم الدنيا جنبا إلي جنب مع مصرنا الغالية. ومن حق كل أطفال مصر الذين كلفوا بالمشاركة في احتفاليات الأمومة والطفولة وأعياد العمال والشرطة ونصر أكتوبر وزيارات النجوم والكواكب، لترويج سياحتنا، وشبعوا حفظ قصايد، مدح وأغاني إطراء وضاقوا بتثبيت ابتسامات عريضة عشان صور الجرايد والمجلات والمواقع والمنتديات تطلع حلوة واختنقوا من حمل أكاليل الزهور ووضعها أمام كل نصب تذكاري لأي مجهول ودابت كعوبهم من المشي في مسيرات رسمية وتباروا في رش الملح علي عتبة كل افتتاح رسمي، أن يعودوا اليوم إلى أحضان أمهاتهم القانعات الصابرات المؤمنات سيدات مصر الأوليات بحق، ويركعوا تحت جنة أقدامهن لتعم البركة من رب الكون.دورنا كأبناء بارين، أن يفتح كل منا مع والدته صفحة جديدة بعرض الـ"فيس بوك" لتراها في ليلة عيدها تحمل شعار العرفان بالجميل، وهو: (أمي هي سيدة مصر الأولى) وسأبدأ بأمي.. آمال العمدة، بنت النيل، مليحة الجنوب فاليوم ميلادها وذكرى رحيلها، وما أصعب أن تجتمع المناسبتان معاً في لحظة مكثفة عنيفة تحمل روعة الذكريات ومرارة الفراق على أمومة كاملة الدسم من الحنية والعطاء المفرط، كانت تنافس بها أمهات الكتب، بحق كان وجودها في حياتي بمثابة أمن قومي ضد انفلات الصدمات.ولا أنكر أنه كانت لى وقفات احتجاجية في وش موقعها المسئول بحكم صغر سني وتجربتي، وكانت هي بكل احتواء تحتمل انقساماتي بل تمنحني الشرعية الكاملة للإدلاء بصوتي اعتراضاً على ما أراه مقيداً لحرياتي، وحتى في أعتى المواقف التي كانت تنتابني فيها مشاعر حب محظورة، كانت هي بمنتهى الشفافية تعلق طلب الاستجواب لحين تقصى الحقائق، وعلى الجانب الآخر، تدعوني لقمة طارئة نتناقش فيها الأوضاع والمعطيات وصولاً إلى قرار عادل وشامل يرضى جميع الأطراف.ومن عاشر عصرها الذهبي يعي جيداً، أنها لم تكن أمي بمفردي، وإنما كانت أم المصريين جميعاً لتفانيها في خدمة عباد الله لوجه الله، حتى لو أدى الأمر لرهن قطعة من أثاث منزلنا لسد حاجة عابر سبيل، أمي كانت نموذجاً نادراً من البشر، وربما انقرض ويصعب العثور على مثيله، لقد تسللت هذه الآدمية في دفء حميم إلى شرايين وأوردة كل من صادفتهم.لم تكن آمال العمدة، بقدر ما كانت آمال العمدة، وفى عنادها كانت عمدة، واجهت صعاب الحياة بإرادة غير مسبوقة وإيمان غير محدود وحب بلا مقابل، وانتصرت على مشاعر اليتم وغربة الأهل، واتحدت مع حبيب عمرها مفيد فوزي وساندته في مشوار كفاحه حتى صار اسماً لامعاً يناطح البنايات العظام وبعد أن اطمأن قلبها على سير نجوميته واستقرت وحيدتها - التي هي أنا - على عود البنية الصحية وخط التفوق الدراسي، وتأكدت بنفسها من أمن ومتانة سقف بيتنا، تصاعد إصرارها على إثبات الكيان بما تملك من موهبة وثقافة وحضور مكنتها لتكون أحد أهم نجوم الحوار في واحة الهمس المسموعة التي خاطبت من خلالها وجدان المستمعين، فسكن صوتها تلابيب الذاكرة إلى الأبد.لقد أثرت الإذاعة المصرية والعربية بانفرادات لقبت عنها بمذيعة المستحيل، لاختيارها أصعب الرموز تناولاً وأكثرهم رفضاً للأحاديث، ومع ذلك لم تيأس يوماً، كانت تحاصر مصادرها بكبرياء وتعافر معهم بصبر، فلا يقاوم لها حوار، أسماء كثيرة لم تكن تظهر فى سماء الإذاعة لولا محاولاتها المجتهدة في الإقناع.. حتى القبول، إلى أن وصلت مكتبتها الإذاعية لعشرين ألف شريط مع أعلام السياسة والأدب والفن، ما بين سهرات أسبوعية لبرنامجها "ساعة زمان"، وبرامج رمضانية كالاختيار الصعب وعقدتي وورد وشوك، وآلاف الأفكار التى استولى عليها البعض وحولها إلى برامج تليفزيونية بتوقيعهم، وهى في الأصل فكر وجهد وحق آمال العمدة وحدها لا غيرها، وربما هذا ما دفعنى ووالدي لحصر أهم وأشهر إبداعاتها الإذاعية على مدى ربع قرن فى خمسة كتب تحمل اسم أروع برامجها (صحبة وأنا معهم) هي خلاصة إنتاج آمال بنت العمدة.وختاماً هذه كلمات سطرتها من وحى الافتقاد لأعيش وافتكرها:بنت العمدة لما تقوم، تنشق الأرض تحتيهاويوم ما تخطى رجليها على عتبة ينهد الكونبنت العمدة لما تقول، الكلمة عهد والوعد عرضنصيب ومقسوم على كل عبد واللى يصبر ينولبنت العمدة لما تعشق، ف القلب تعششع الروح يتعلم، م الدم بتجرى وبتسبقبنت العمدة زى القدر، لحظة شروقه يعمى البصروقبل غروبه يطلع قمر ولو ف الليل وجعه السهرتنزل دموعه زى المطر شجن نبيل مع نبع أصيلما ينهزمش لو انكسر#