إدانة مهنية لـ"قاضي الإعدامات" من "الاستئناف": آراء ناجي شحاتة السياسية أفقدته "الحيدة والنزاهة"

12-5-2016 | 17:41

المستشار محمد ناجي شحاتة

 

شريف أبو الفضل

أضافت محكمة استئناف القاهرة المعنية بنظر طلبات المتهمين لتنحية القضاة، المزيد من الحرج للقاضي ناجى شحاتة رئيس أبرز دائرة إرهاب، وأشهر قضاة مصر الذي حصل على لقب "قاضى الإعدامات"، الذي أدلى برأيه السياسي في الكثير من القضايا مما أوقعه في دائرة المحظور، حيث وصفته محكمة استئناف القاهرة بأنه "فقد الحيدة والنزاهة".


جاءت العقوبات، تباعًا لقاضٍ، أعلن عن مواقفه السياسية ورأيه في الشأن السياسي الداخلي، بأن دون في ملفه المهني ملاحظتين، أشد ما يكون علي القاضي وسابقة لم تحدث إلا قليلا، نالت من قاضي الجنايات، بموافقة محكمة الاستئناف علي إزاحته وتنحيته عن نظر قضيتين يحاكم فيها متهمون في قضايا رأي عام، آخرها تنحيته عن نظر "قضية الخلايا النوعية اليوم الخميس".

وقبلت محكمة استئناف القاهرة، اليوم الخميس، طلبات ثلاثة متهمين ووافقت علي تنحية شحاتة للمرة الثانية، عن نظر قضية معروفة إعلاميًا بـ"خلايا اللجان النوعية".

ولعل ما قالته محكمة استئناف القاهرة في حيثيات حكمها بقبول رد شحاتة عن نظر قضية "خلية أوسيم"، بأن القاضي شحاتة "فقد الحيدة والنزاهة بشكل يثير شبهات حول حكمه" أعقبته تساؤلات عن خروق في معصوبة العدالة لأحكام شحاتة.

ومنذ بدء المحاكمات ولم تؤيد محكمة النقض أحكامًا لدائرة شحاتة وقررت إعادة عدد كبير منها للمحاكمة أمام دائرة مغايرة.

وطالت تصريحات ومواقف القاضي عددًا كبيرًا من المتهمين الذين أصدر بحقهم شحاتة أحكامًا قضائية، ما جعل محكمة الاستئناف تنحيه جانبًا عن قضيتين، ما يطرح تساؤلات عن مدي صلاحيته لنظر قضايا في ظل إعلان رأيه الشخصي والسياسي، وحول حجم التصدعات التي قد تنتج عن الأمر وتؤثر في صورة نزاهة أحكامه القضائية، التي طالما تجسدت صورتها على أروقة المحاكم، بتلك السيدة معصوبة العينين، لا ترى من يقف أمام منصة القضاء وتحمل في يدها ميزان العدل متساوي الأطراف.

وكانت الشرارة الأولى، لأزمة المستشار شحاتة في أواخر ديسمبر لعام 2014، بظهور حساب على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" للقاضي شحاتة، تداوله النشطاء، يسب جماعة الإخوان المسلمين ويصفهم "بالإرهابيين والقتلة والجواسيس" ويهاجم النخبة السياسية والنشطاء مثل، محمد البرادعي، وعمرو حمزاوي، وحسن نافعة ويتهمهم بأنهم "خونة وعملاء لأمريكا"، ويهاجم شباب 6 أبريل ويصفهم بأنهم "في مزبلة التاريخ".

ولكن خرج شحاتة على أحد القنوات الفضائية ونفى أنه يمتلك حسابًا على "فيسبوك" وأن علاقته بالهاتف للمكالمات فقط، وأغُلق الحساب بعدها مباشرة.

وتنص المادة 73 من قانون السلطة القضائية على أنه "يحظر علي المحاكم إبداء الآراء السياسية وكذلك علي القضاة الاشتغال بالعمل السياسي ولا يجوز لهم الترشيح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية إلا بعد تقديم استقالتهم".

وتفاقمت الأزمة مرة أخري عقب التصريحات التي أدلى بها المستشار شحاتة، لصحيفة "الوطن" الخاصة، في ديسمبر الماضي، وأحدثت جدلاً واسعاً، حينما وصف ثورة 25 يناير بـ"25 خساير" واتهم الثورة بتدمير أخلاق المصريين، مستبعدا حدوث ثورة ثالثة بزعم أن التاريخ لن يعود للوراء، وأبدى شحاتة خلال الحوار سعادته بلقب قاضى الإعدامات، ونفى وجود تعذيب في السجون المصرية، وقال "إنه لم يشارك في الإشراف على الانتخابات البرلمانية فى جولة الإعادة بالمرحلة الثانية بسبب تلقيه اتصالاً من المستشار عمر مروان المتحدث باسم اللجنة العليا، بأن هناك تقارير أمنية تؤكد وجود خطورة على حياته"، وأنه لم يحصل على مستحقاته المالية من اللجنة مرددا "كلوا علىَّ فلوسى".

وتطرق شحاتة في حواره إلى إعلانه تأييد الرئيس السيسى قائلا إن "السيسى يبذل أقصى جهد لدفع البلد إلى الأمام وهناك قوى داخلية وخارجية تحاول تعطيله".

كما أعلن شحاتة حبه للإعلامي أحمد موسى بزعم أن "قلبه على البلد" ووصف توفيق عكاشة بـ«المُسلى» وتامر أمين بـ«المتلون»، وشريف عامربـ«البرادعاوى الغتت»، وأنه يكره منى الشاذلى"، ووصف شحاتة التيارات السياسة بالغباء السياسى، وحركة 6 أبريل بـ"6 أبليس".

ويحظر قانون السلطة القضائية علي القاضي أن يتحدث في السياسية وأشياء تتعلق بقضايا ينظرها أو متداولة أمام دائرة أخرى، وإذا حدث ذلك فقد خالف القانون مخالفة صريحة، وقد تصل العقوبة بالإحالة للصلاحية أو التأديب حسب ما تسفر عنه التحقيقات في هذا الشأن.

وأباح القانون للمتقاضى حفاظًا على تحقيق العدالة أن يتقدم بشكوى ضد رئيس المحكمة في حالة أنه يشعر بأن الحكم به نوع من الميل أو الهوى، ومن حق المتقاضى أن يتقدم بشكواه للتفتيش القضائي أو المجلس الأعلى للقضاء مباشرة، ضد قاضى الجنايات، ولكن قاضى محكمة الجنح تتولى محاسبته هيئة التفتيش القضائي بوزارة العدل.

ويعد حكم محكمة الاستئناف الصادر مطلع يناير الماضي، بقبول طلب رد شحاتة عن نظر قضية "خلية أوسيم"، أول انتصار للمتقاضين على شحاتة، وشككت الحيثيات فى عقيدة القاضى وقالت "إن القاضى أى ناجى شحاتة، فقد الحيدة بما يثير عدم اطمئنان المتهمين إليه، وأن حكمه لن يصدر عن حق وإنما سيصدر بتحيز، وأنه أدلى بحديث إلى صحيفة "الوطن" المستقلة نفى فيه وجود تعذيب بالسجون، الأمر الذي يعد إفصاحًا عن توجهه خاصة أن المتهم -مقدم طلب الرد- تعرض بالفعل للتعذيب داخل سجن الأمن المركزي".

وقبول طلب الرد المقدم ضد القاضي يؤثر على حياته المهنية وتاريخه القضائي بشكل عام ويحدث ذلك بشكل نادر جدا، إذا رأت محكمة الاستئناف أن القاضي خرج عن الحياد.

وسجل شحاتة رقمًا غير مسبوق في عدد أحكام الإعدام، حيث أصدر أحكامًا بإعدام نحو 204 متهمين، وقرابة 274 حكما بالمؤبد، وأكثر من ٦٠ حكما بالسجن بأحكام متفاوتة، بمجموع أحكام وصل نحو 7395 سنة سجن، وذلك بحق 534 شخصًا في أبرز 5 قضايا تولاها منذ توليه رئاسة دائرة الإرهاب، وهى "مذبحة كرداسة"، و"غرفة عمليات رابعة" و"أحداث مجلس الوزراء" و"خلية الماريوت".

وشهدت جلسات شحاتة حالات شد وجذب خلال إجراءات المحاكمة لم يسلم دفاع المتهمين منها، ففى نوفمبر لعام 2014 أحال شحاتة خالد علي المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، إلى نيابة المعادي للتحقيق معه بدعوى ما "أثاره بمحضر الجلسة والسلوك تجاه القاضي"، أثناء نظر قضية" أحداث مجلس الوزراء.

وفى ذات الشهر، أخلت نيابة المعادى سبيل المحامية راجية عمران عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، عقب سماع أقوالها في بلاغ شحاتة ضدها يتهمها فيه بـ"التشويح بيديها له".

وتنظر محكمة استئناف القاهرة دعاوى أخرى لرد شحاتة.

ويقول رئيس الاستئناف الأسبق المستشار رفعت السيد، إن القانون والأعراف القضائية تلزم كل القضاة، بعدم إبداء أراء سياسية، والقاضي لا يبدى أي رأى محل خلاف والأصل أنه محايد فيلجأ المختلفين له ليحكم بينهم وإذا أبدي رأيه فقد حيدته، ولكن من حقه التحدث في الأدبيات والمسائل القانونية ولا جرم عليه".

ولفت السيد إلى أن الأصل في القاضي لا يتصل بوسائل الإعلام إلا بموافقة من مجلس الأعلى القضاء المسبق فإن خرج على ذلك كان عرضة للمساءلة التأديبية كما أن القضاة محظور عليهم الترشح لانتخابات الأندية الرياضة حتى لا يكون عرضة للتنكيل به.

وقال السيد إن أي شخص إصابة الضرر من جراء هذه التصريحات من حقه أن يتقدم لمجلس القضاء الأعلى يبين فيها ما أصابه من ضرر وإذا كانت الشكوى جدية فمجلس القضاء الأعلى يتخذ الإجراءات القانونية المتبعة.

وعن درجات العقوبات قال "العقوبات بالنسبة لقاضى الجنايات تبدأ بالتنبيه على القاضي أو التخطي في الترقية وتنتهى بالعزل".

وقال مصدر قضائي بالمجلس الأعلى للقضاء، فى تصريح لـ"بوابة الأهرام" المجلس تلقى بالفعل شكوتين اثنين، من محامي يدعى طه عبد الجليل، ومستشار آخر بمحكمة النقض يتهمان فيهما شحاتة بمخالفة قانون السلطة القضائية والانخراط في أمور سياسية".

وأكد المصدر على أن الشكويين مازالتا محل فحص من قبل المجلس ولم يصدر بشأنهما أية قرارات، ورأى أن قبول طلب رد شحاتة يعد عقابا في حد ذاته.

والمجلس الأعلى للقضاء، هو الجهة القضائية الوحيدة التي تملك الموافقة على محاسبة القاضي، والسماح بالتحقيق معه أو رفع الحصانة حسب ما تملكه من أوراق ومستندات، وقد رسم القانون الطريق الصواب للمحاسبة التي تبدأ بشكوى من الطرف المتضرر أو من وزارة العدل والنيابة العامة تطلب خلالها التحقيق مع القاضي في الوقائع المنسوبة له.

وأطلق نشطاء ورواد مواقع التواصل الاجتماع "فيسبوك وتويتر"، في وقت سابق حملة تطالب بوقف شحاتة، ولم يوضح النشطاء من المخاطَب في عبارتهم "أوقفوا ناجي شحاتة" ووضعوا صورة لشحاتة داخل دائرة سوداء وعليها خط أحمر.

وشن النشطاء هجومًا حادًا على شحاتة، للتنديد بإفراطه في إصدار أحكام الإعدام والمؤبد.

وناجى شحاتة يشغل حاليًا منصب رئيس الدائرة الخامسة بمحكمة جنايات الجيزة المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب وأحداث العنف والتجمهر منذ يوليو 2013، وظهر بقوة عقب هذا التاريخ بأحكامه المثيرة للجدل.

وتخرج ناجي شحاتة في كلية الحقوق بجامعة القاهرة في العام 1972، ثم أصبح ضابطا بقوات الصاعقة في الجيش المصري حتى 1978، وعُيّن مديرا لنيابة الأحوال الشخصية، ثم التحق في العام 1979 بسلك القضاء بمحاكم شمال وجنوب القاهرة، ثم أصبح رئيسا لمحكمة استئناف أسيوط.

ومن أشهر القضايا التي نظرها شحاتة في عهد نظام مبارك هي قضية "السويركي" الذي اتهم بالجمع بين كثير من الزوجات وكان عضوا بالمحكمة التي تابعت قضية "تنظيم الشوقيين" بالفيوم.

ويحظى شحاتة بموكب من الحراسة الخاصة يعد الأكبر لأي قاض في تاريخ القضاء المصري، ويفوق في ذلك موكب تأمين النائب العام ووزير العدل، ويشبه تأمين رئيس الوزراء.