"الرافعي" حكاية أديب موسوعي وشاعر ثائر.. صاحب "الابتدائية" و"معجزة الأدب"

10-5-2016 | 19:36

مصطفى أفندي صادق الرافعي

 

محمد الإشعابي

"ولدنا الأديب الفاضل مصطفى أفندي صادق الرافعي ، زاده الله أدبًا.. لله ما أثمر أدبك، ولله ما ضَمِن لي قلبُكَ، لا أقارضك ثناء بثناء؛ فليس ذلك شأن الآباء مع الأبناء، ولكني أَعُدك من خُلَّص الأولياء، وأُقدِّم صفك على صف الأقرباء.. وأسأل اللهَ أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق الباطل، وأن يُقيمَك في الأواخر مقامَ حَسَّانٍ في الأوائل، والسلام".


رسالة كتبها واحد من أبرز المجددين في الفقه الإسلامي في العصر الحديث وأحد دعاة الإصلاح وأعلام النهضة العربية الإسلامية، الإمام محمد عبده، إلى واحد قلما أطلقت عليه صفات مثلما حظي هو، الأديب الموسوعي والشاعر مصطفي صادق الرافعي ، الذي تحل ذكرى وفاته الـ79 اليوم 10 من مايو.

"معجزة الأدب العربي" و"الموسوعة العالمية للشعر العربي"، هكذا لقب " الرافعي "، لما قدم من ذخر ثقافي طوال حياته القصيرة التي لم تتجاوز 57 عاما، ورغم قصرها، فإنه سبق كثيرين من ذويه من الأدباء والشعراء، دفعه "الوزن والقافية" إلى التخلي عن الشعر العربي الفصيح واتجه إلى ماهو أطوع وحر -على حسب قوله- إلى الكتابة النثرية، التي أبدع فيها وتجلت إبداعاته في كتاباته التي أثنى عليها كثيرون، أمثال الإمام محمد عبده، مصطفي كامل، محمد رشيد رضا، عباس العقاد، شكيب رسلان، أحمد محمد شاكر.

"إن في الشعر العربى قيودًا لا تتيح له أن ينظم بالشعر كل ما يريد أن يعبر به عن نفسه"، وهذه القيود هي الوزن والقافية، هذه المقولة تبدو بمثابة ثورة شخصية قادها " الرافعي " ضد الشعر العربي الذي يقيده في التغول في بحور التعبير عما يجول في خاطره، فقرر أن يثور عليه، وكانت وقفته ضد قيود الشعر التقليدية أول وقفة عرفها الأدب العربي في تاريخه الطويل، وأهميتها تتجلى في أنها كانت في حوالي سنة 1910 وقبل ظهور معظم الدعوات الأدبية الأخرى التي دعت إلى تحرير الشعر العربي جزئيًا أو كليًا من الوزن والقافية.

دخل " الرافعي " في صدام طفيف مع الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، حيث كتب كتابه الشهير "تحت راية القرآن" يتحدث خلاله عن إعجاز القرآن الكريم، رد خلاله على كتاب "حسين" المعروف بعنوان "في الشعر الجاهلي".

كتابه "وحي القلم" كان بمثابة إبداع آخر، فمن خلاله احترف مجال المقال، ووصل من خلاله إلى مكانة أدبية رفيعة في الأدب العربي المعاصر، وكان ذلك في الجزء الأخير من حياته، فالكتاب مجموعة مقالات جمعها في هذا الكتاب، أبدع خلاله إبداعا عجيبا.

إرادته الحديدية برزت من خلال قدرته على تحدي الصعاب، فرغم أنه فقد سمعه وهو في سن صغيرة بعد إصابته بمرض "التيفود"، فإن ذلك لم يزده إلا عزيمة وإصرارا على الوجود وسط العمالقة، وأخذ نفسه بالجد والاجتهاد، وتعلم على يد والده الذي كان يعمل قاضيا في ذلك الوقت، في مسقط رأس " الرافعي " في بهتيم بالقليوبية.

شبيه العملاق "العقاد" فهو لم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية، ويشبه طه حسين فقدْ فقدَ سمعه مثلما فقد "حسين" بصره، ويبدو أن هؤلاء العمالقة لا يوقفهم عن تحقيق ذاتهم وإرادتهم سوى "الموت" لاغير.

مؤلفاته عديدة منها: ديوان الرافعي ، ديوان النظرات، ملكة الإنشاء، تاريخ آداب العرب، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، حديث القمر، المساكين، نشيده "اسلمي يا مصر"، الذي أهداه إلى الراحل سعد زغلول، رسائل الأحزان، السحاب الأحمر، تحت راية القرآن، على السفود، أوراق الورد، رسالة الحج، وحي القلم، رسائل الرافعي ، موعظة الشباب، رواية حسام الدين الأندلسي، السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية، كما ألّف الرافعي النشيد الوطني التونسي بعد إضافة بيتين للشاعر أبو القاسم الشابي وهو النشيد المعروف بحماة الحمى.

مولده في مطلع يناير 1880، تزامن مع دخول مصر معتركا سياسيا خطيرا وإحتلال بريطانيا لمصر بعد هذا المولد بعامين، فكانت تتطلب جيل قادرعلي مواجهة أعباء هذا الواقع الصعب، ويبدو أن الرافعي نجح في أن يكون واحدا من هؤلاء.

وفاته في مايو 1937، رغم أنها كانت حزينة علي محبيه ومتابعيه، إلا أنها على الجانب الآخر بداية البشرى لتحرر بلاده التي ناضل من أجلها طويلا، فكانت بمثابة بداية النهاية لكتابة شهادة وفاة الملكية المصرية وتولي أبنائها قيادتها، فتزامن ذاك العام مع تولي الملك فاروق قيادة البلاد خلفا لأبيه الملك فؤاد الأول، ويعد آخر من تولى من أبناء الملكية، فلم يلبث الطفل أحمد فؤاد الأول أن يجلس علي كرسي العرش حتى نجح أبناؤها في اقتناص الفرصة، لتتحرر مصر وتعود في أحضان أبنائها من جديد.

يظل " الرافعي " الأديب والشاعر الناثر المبدع، صاحب الذوقِ الرقيق، والفهمِ الدقيق، الغواص على جواهر المعاني، الضارب على أوتار مثالثها والمثاني، كما قال محمد رشيد رضا، وصدق العقاد حين قال "إن للرافعي أسلوباً جزلاً، وإن له من بلاغة الإنشاء ما يسلكه في الطبقة الأولى من كُتَّاب العربية المنشئين".

وتبقي كلمات " الرافعي " لنعيش معها: ولقد يكون في الدنيا ما يُغني الواحد من الناس عن أهل الأرض كافّة.. ولكن الدنيا بما وسعت لا يمكن أبدا أن تغني محبا عن الواحد الذي يحبه! هذا الواحد له حساب عجيب غير حساب العقل.. فإن الواحد في الحساب العقلي أول العدد.. أما في الحساب القلبي فهو أول العدد وآخره.. ليس بعده آخـِـر إذ ليس معه آخـَر".

مادة إعلانية

[x]