باحث أثري: أرض الشام كانت مقدسة ومباركة لدى المصريين القدامى.. وفرعون الخروج ليس عربيًّا

3-5-2016 | 18:00

جانب من المعابد المقدسة للمصريين القدامي

 

قنا - محمود الدسوقي

قال الدكتور أحمد عوض، الباحث في العمارة المصرية القديمة والفلك، في تصريحات لـ"بوابة الأهرام" اليوم الثلاثاء، إن كافة المصادر الأثرية القديمة تثبت أن أراضي الشام كانت أراضٍ مقدسة في العقيدة الدينية المصرية القديمة، وسميت "تا نتر" أي "أرض الإله"، لافتًا إلى أن الصراع بين قوم سيدنا موسى، عليه الصلاة والسلام، وفرعون مصر، كان صراع سيادة على الأرض المقدسة دينيًا لدى طرفي الصراع، حسب قوله.



وأضاف أن المصادر الأثرية أثبتت سيادة المصري القديم على أراضي الشام في غالب عصور مصر القديمة، عكس فترة سيطرة الهكسوس التي شحتّ من المصادر الأثرية التي تثبت اهتمامهم السياسي أو العقائدي بأراضي الشام.

وأوضح عوض أن ما أثير من خلال دراسات قامت بثها وسائل إعلامية عربية تجزم أن فرعون الخروج كان عربيًا من الهكسوس، وليس مصريًا "ليس صحيحًا بالمرة"، مضيفًا أن الدكتور حازم الببلاوي، رئيس وزراء مصر الأسبق رد في مقال له، منشور في جريدة "الأهرام"، في يناير من عام 2013م على الآراء الإسرائيلية، التي تطالب الدولة المصرية بتعويضها ماديًا عن ما تركه أجدادهم من مساكن ومتاع إبان خروجهم من مصر القديمة، استنادًا على الرواية المشتركة بين الديانات السماوية الثلاثة.


وقد جاء الرد المصري على لسان الببلاوي بأن أجداد اليهود قبيل خروجهم قد سلبوا من جيرانهم المصريين زينة من الذهب تقدر بوزن عجلهم الذهبي الذي عبدوه لاحقًا؛ وذلك استنادًا إلى نفس الرواية الدينية، وعليها يكون فارق التعويضات هنا لصالح الدولة المصرية وليس لصالح إسرائيل.

ولكن مع طرح فرضية أن فرعون موسى من الهكسوس نذهب بتلك الإشكالية التاريخية والسياسية إلى نقطة البداية، بخاصة في مسألة التعويضات التاريخية تلك، ومنها نفتح أبواب الجدل عن أحقية ما سلبه اليهود القدامى من جيرانهم، فهل هي حقوق مصرية أم أنها حقوق لقبائل الهكسوس؟ لذا وجب الرد على ذلك الطرح من خلال بعض المفاهيم الثابتة التي وردت في القرآن الكريم، والتي تتوافق أيضًا مع ما ورد في الكتب السماوية الأخرى.

يوضح الباحث الأثري أنه جاء في سورة "غافر"، الآية "36"، أن فرعون طلب بناء "صرح" له حتى يصعد إليه ويتطلع إلى "أسباب السماء"، بحثًا عن إله موسى، وقد جاء في التفاسير أن معنى "أسباب السماء" يقصد بها "أبواب السماء"، وما يوصل إليه منها، وقد جاءت هنا معاني الآية الكريمة متوافقة تمامًا مع الوظيفة المعمارية واللاهوتية للصروح، بناء على المفاهيم الدينية للمصري القديم، فالصرح يمثل بوابة الأفق التي تشرق الشمس وتغرب من بين بوابته الرئيسة؛ لذا تتصدر واجهات المعابد المصرية القديمة كناية عن ذلك التمثيل الرمزي.


وأكد أنه تم توجيه أغلب صروح المعابد في مصر القديمة نحو مشرق الشمس أو مغاربها في أيام أعياد بعينها على مدار السنة، أما البقية الأخرى من الصروح فقد وجهت نحو الموطن الرمزي لشروق الشمس، سواء على الآتجاه الجنوب شرقي للسماء، أو نحو موقع ما يطلق عليها "أرض الإله"، وذلك طبقًا لما جاء في النصوص الدينية المصرية القديمة، وعليها تقترن المكانة اللاهوتية للصرح مع المكانة اللاهوتية للشمس، بصفتها تجسيدًا سماويًا للمعبود الخالق في العقيدة المصرية القديمة، وهي لم تكن موجودة في العقائد العربية ومنها الهكسوس.

وتدل الشواهد الأثرية على أن الصروح قد بنيت من الطوب اللبن المحروق، وهو ما جاء متوافقًا مع ما ورد بالقرآن الكريم في سورة "القصص" الآية "38"، وقد استخدمت أسطح تلك الصروح كمراصد فلكية يعرف منها حركة السنوية واليومية للشمس والنجوم، بخاصة مع حاجة الكهنة لمعرفة ساعات الليل، التي كانوا يحددونها عن طريق حركة النجوم في المساء، وذلك نظرًا لما يترتب عليها من أمور دينية؛ لذا نصبت طبقة من الكهنة العالمين بحركة الأجرام السماوية وعلوم الفلك لمثل هذه المهام الغاية في الأهمية، بخاصة في المعبد الرئيس بمدينة "إيونو" "هليوبوليس" الحالية، وكان يسمى كبير الكهنة هناك "كبير الرائين"، أي "كبير الفلكيين".

وأضاف: اقترنت علوم الفلك بديانة مصر القديمة بشكل مباشر، وتعد من الأسرار المقدسة للكهنوت المصري القديم المحرم تداولها خارج أسوار معابد مصر القديمة، وهو ما ينتفي معه معرفة الهكسوس لأي من تلك الأسرار المقدسة، بخاصة أن الهكسوس كانوا من القبائل المحاربة البعيدة تمامُا عن المعارف الحياتية ولم يتركوا أيًا من الشواهد الأثرية في ذلك الصدد.


ويوضح عوض أنه ورد في سورة "يوسف" الآية "44" عدم قدرة الملأ المحيط بالملك تفسير حلمه المتكرر وإتيانهم بسيدنا "يوسف" ليفسر ذلك الحلم، وهو ما يأتي نقيضًا للأهمية اللاهوتية البالغة للأحلام في الديانة المصرية القديمة، وقدرة الملأ المحيط بفرعون الخروج من تفسير حلمه وتحذيره من نبؤة هلاكه، وعليها يتأكد عدم معرفة الهكسوس بالأسرار المقدسة الخاصة بتفسير الأحلام، وهو ما يؤكد بدوره عدم معرفتهم بالعلوم الكهنوتية، بخاصة الفلك وأسراره الدينية، فالأحلام في المفاهيم الدينية المصرية القديمة تعد رسائل مقدسة ترسل كوحي إلهي من المعبودات مباشرة إلى النائم، كما أن مفهوم النوم نفسه يعد ترحالًا روحيًا للنائم إلى عالم المعبودات المقدس، وقد ظهر ارتباط الأحلام بالوحي الإلهي في صورة ما يُعرف باسم "النوم في المعبد"، ومما يؤكد أهمية الأحلام في مصر القديم ما سجلته الآثار عن حلم الملك "تحتمس الرابع"، الذي على أثر تفسيره تولى "تحتمس الرابع" عرش البلاد دون شرعية وراثية.

جاء في القرآن الكريم أن عصا سيدنا موسى تحولت أمام فرعون إلى ثعبان جبار، وهو ما يعد تحديًا للقدرة الإلهية التي نسبها فرعون لنفسه، وقد جاء اختيار تحول العصا إلى ثعبان دون غيره من الدواب المفترسة الأخرى متوافقًا بشكل مذهل مع ما ورد في الديانة المصرية القديمة، فقد ورد في النصوص الأثرية أن المعبود الخالق في الديانة المصرية القديمة يصارع ثعبانًا ضخمًا سُمّي "أبوفيس"، وهذا الصراع يحدث بشكل يومي كل شروق وحين ينتصر المعبود الخالق على الثعبان تستطيع الشمس أن تشرق على عالم البشر ويعم منها الخير والعدل.


يؤكد الباحث الأثري أنه جاءت معجزة سيدنا موسى على نفس السياق السابق، بتحول عصاه إلى ثعبان جبار يواجه فرعون على الملأ، تحديًا للقدرة الإلهية التي يدعيها فرعون لنفسه بصفته إلهًا، وذلك بناء على الثوابت الدينية التي وضعها هو على نفسه وليس ما جاء به سيدنا موسى، وهو ما يبتعد بدوره كليًا عن عقائد الهكسوس، مضيفًا أن قيام بني إسرائيل بعبادة تمثال على هيئة "عجل" صنع من الذهب الذي سلبوه من مصر جاءت متوافقة تمامًا مع الهيئة الشائعة للمعبود الخالق في الديانة المصرية القديمة إبان الدولة الحديثة.

ورد في المصادر الأثرية، أن المعبود الخالق يولد بشكل يومي على هيئة "عجل" ذهبي ما يلبث أن ينمو أثناء النهار حتى يصبح ثورًا فيلقح بقرة السماء ليتمم بذلك عملية ولادتها قرص الشمس إبان الشروق اليومي، ومن ثم يُعد ذلك دليلًا على تزامن حدث خروج "بني إسرائيل" مع فترة الدولة الحديثة بعد تحرر من غزو الهكسوس من مصر القديمة.

ويوضح عوض، أنه في المصادر الأثرية المنسوبة للأسرة الثامنة عشرة ذكر اسما مسئولين ممن تقلدوا بعض الأمور المهمة في القصر الملكي، وهما "رع موسى" و"سبك موسى"، وهو ما يدل على شيوع اسم "موسى" بين الطبقة العليا الحاكمة في فترة محددة إبان مولد الدولة الحديثة، فقد كان من الطبيعي آنذاك اختلاط أبناء تلك الطبقة العليا في المؤسسات التعليمية سواء كانوا من الأمراء أو أبناء كبار المسئولين، وهي المؤسسات التي تعرف باسم "بيت الحياة".

ويؤكد أن كافة التفاصيل التاريخية لحدث خروج "بني إسرائيل" من مصر القديمة جاءت متوافقة زمانيًا مع المفاهيم الحضارية السائدة إبان الدولة الحديثة، أي بعد تحرر مصر القديمة من غزو قبائل الهكسوس لها، وأن تلك الحقيقة لا تشين حضارة مصر القديمة ولا تضيرها أيضًا، فما اقترفه "فرعون الخروج" من آثام هو وملؤوه قد نالوا عليها عقاب الموت غرقًا، بالإضافة إلى ما عانوه آنذاك من الضربات التسع التي عوقبوا بها قبيل خروج "بني إسرائيل" من مصر القديمة.

وحذر الباحث الأثري من أن للدولة الإسرائيلية "اهتمامًا بالغًا بالأبحاث التاريخية والأثرية التي تبحث في حدث خروج أجدادهم من مصر القديمة، كما أن لها رؤية دينية وسياسية لهذا الحدث فمنه تُدّعم مزاعم شرعية إقامة دولتهم على أرض "فلسطين" بسند وجودهم التاريخي على تلك البقعة العربية".