الزهر لن يلعب أبدًا

11-3-2016 | 22:20

 
من فرط التأثر، وهول الذكريات السيئة، والحظ المنحوس، تبرق عيناه بدمعات فاترة حائرة، وتستحضر تقاسيم وجهه مشهدًا جنائزيًا، وتسري في جسده القابع على كرسي من الخيزران المنجد قشعريرة، وبذهن خاشع يحرك رأسه الحزين مع فتاة لولبية تتغنج راقصة على صوت مطرب الأشجان المشبوب، إذ يتأوه صارخًا من أحشائه متمنيًا " آه لو لعبت يا زهر ".


تختلط الأضواء بألوانها الزاعقة وصوت مطرب "الزهر"، وأحاديث الرقاعة والضحكات الماجنة وزجاجات "استيلا" الباردة والجو المعبأ بالدخان، وتتساقط نقوده حول الجسد اللولبي، وتحلق أحلامه في حقبة "ما بعد لعب الزهر" مع من تبتهل قلوبهم جميعًا بصالة الملهى مع الشادي بـ " آه لو لعبت يا زهر ".

بين النية و الحلم "رحلة".. القوة المادية ترسم خطًا واقعيًا بين هاتين النقطتين المعنويتين، تقول القاعدة: "إذا خلصت النوايا صلحت الأعمال" وتحقق مراد البشر من متاع الدنيا، لكن ثمة أدوات ووسائل لنقل "المراد" من خيال الحالم إلى واقع العالم.

لو أردت اقتناء سيارة فارهة، وأودعت هذه الأمنية بداخلك، فستبقى سيارتك "نية مركونة" محلها العقل، حتى تدخر من النقود ما يمنحك القوة للمسير إلى صاحب المعرض لتطلب مفتاح السيارة، التي لن تأتي إلى جراج بيتك من تلقاء نفسها، ولن يهديها لك أحد، كما لم تمطرها السماء على سطح بيتك لتنزلق إلى المرآب.

يتحور الحلم في طور الكسل والتواكل إلى حقد وانتكاسة.. مأزق يتورط فيه الحالمون بـ"الزهر" أن يلعب من دون أن ينالوا حظهم من الشقاء في سبيل الحلم .. في هذا الطور يطلق الحقد سهامًا إلى صدور أولي النعم وينتهج صاحب الحلم الكسول سلوك الأنعام رفسًا ونطحًا.

الزهر يلعب على الطاولة فقط، وفي أوقات اللهو وسهرات الملاهي الليلية وميكانيكا الإيقاع، وفي بوستات مواقع التواصل، وعلى صاج التوك توك، وصناديق سيارات الأجرة، هذا ما لا يراه الباحثون عن الحظ بأنامل لا تجيد سوى رمي النرد وصياغة "بوست" حزين في دفء يكفيها شر الارتعاد من لسعات البرد، أو الاحتراق تحت لهيب الشمس.

"لعب الزهر" ظاهرة.. خطاب جميل منمق وجدت فيه الرغبات المكبوتة وأحلام الصعود والثراء السريع في كلماته الشجية ضالتها المنشودة، حتى استشرت الحالة للتحول إلى "مزاج عام" يفرض نفسه على لغة وتعاملات الحياة اليومية، فكان من له ومن ليس له من الأمر شيء يحلم بأن يلعب الزهر، دون أن يدري "كيف ولماذا وأين" يلعب؟.

الزهر في "طور التحور" سحر وشعوذة.. لماذا؟
يريد الإنسان الثقيل جنة من نخيل وأعناب تأتي إلى مقعده الوثير زاحفة طاغية على كل قوانين الطبيعة لتخر ساجدة بين يديه طالبة حيازته.. ماذا وإلا يكون الزهر قد فشل أن يلعب، وعندئذ يسقط في يده، ويسأل صاحب الزهر تلك الزهرة النضرة: لماذا أينعتِ؟ فتقول: لأن هناك يدًا تشققت في تهذيب تربتي وتنسيق عودي وتنظيف بشرتي فصرت زهرة من دون زهر ولا لعب".

للتعس الباحث عن السعادة في ضربة حظ أو لعبة زهر.. ماذا قدمت يداك لجلب الحظ؟
الحياة فرص، والفرص أنت من تصنعها.. اليد التي ترمي الزهر هي ذاتها من تصنع الإرادة.. إذن فهو العمل ولا شيء آخر.. السعي إلى تحقيق حلمك الذي هو ذاتك يحتاج إلى قدمين واثقتين لا موثوقتين، ويدين ماهرتين لا ناعمتين، وعقل طامح غير متكلس.. هنا فقط يمكن للزهر أن يلعب لك لا بك.

عندما تبدأ الرحلة بين ما تريد ونقطة الوصول إلى الشيء الذي تريد ستكون على موعد مع عقبات لن تقوى على اجتيازها وأنت جالس إلى الطاولة، أو تستمع إلى تلك المرثية إذ تندب حظك وتتمنى لك وضعًا أفضل وأنت في موضعك لا تبارحه.
إذن فما المطلوب؟

تحلل من ثقافة الحظ ولا تتمنى أن يلعب لك الزهر، فتلك القطعة المسدسة تصلح للتسالي لا لتحقيق الأماني.. ثق في قدراتك، والتمس نموذجًا للنجاح وخارطة للوصول ترشد قدميك الساعيتين ويديك الجناحين وعقلك النابه.

في جلسته الآنسة بالطرب والحسناوات والكحوليات، كان باكيًا عندما أسرته كلمات " آه لو لعبت يا زهر "، بينما تحصي الراقصة ما يجمعه الشاب المكلف بـ "أستكة المصاري" من تحت قدميها، وصاحب الحظ التعس يغيب في ثمالة أثقلت رأسه قبل أن يحملوه إلى سيارته وقد أفرغ ما في جيوبه وأمعائه القلقة من هول الديون.. لعن الرجل "أبو الفقر والعوزة والحوجة للأندال"، وطلب من سائقه أغنيته المفضلة.
انطلقت السيارة تشدو مع أول خيط للنهار " آه لو لعبت يا زهر ".

مقالات اخري للكاتب

سمو الأمين.. عفوًا يا صاحب الجباية

أمين الشرطة ظاهرة استفحلت في ظل تدهور الفكر الأمني وتراخي عدد غير قليل من الضباط الذين يركنون إلى "قعدة المكاتب" ويأنفون العمل الميداني، ويعهدون به إلى الأمين الذي بات يمثل للمواطن "رمز الداخلية"، وكلمة السر في المنظومة الأمنية.

رسالة من عاصمة الضباب

أعلنت شركة مصر للطيران عن وصول رحلتها القادمة من مطار هيثرو، وأعلنت العيون المنتظرة عن فرحتها بعودة الغائبين بدموع الشوق، واشتعلت صالة الوصول بحرارة اللقاءات وأحضان ما بعد الغياب.

مادة إعلانية

[x]