حمدي البطران يكتب: انتحال أم سرقات أدبية؟

22-2-2016 | 11:47

حمدي البطران

 

انتحال أم سرقات؟ سؤال طرحه الكاتب محمد الدسوقي في كتاب ه "حدود التشابه.. شواهد الانتحال"، الذي نشرته دار الإسلام للطبع والنشر عام 2016.


يعالج ال كتاب ظاهرة الانتحال، أو ال كتاب ة في الموضوع نفسه. في الفن القصصي والروائي، من خلال تأثر أعمال روائية لبعض كبار ال كتاب في مصر والعالم, ب رواية لكاتب مصر.

بداية محمد الدسوقي هو كاتب قصصي وشاعر وناقد, عضو اتحاد كتُّاب مصر ونادي القلم الدولي, ترأس أمانة عدد من المؤتمرات الأدب ية, المشرف العام على صحيفة الفيروز، كتب للإذاعة المصرية الكثير من البرامج الإذاعية, صدرت له عدة كتب في ال رواية والقصة القصيرة والشعر, كما صدر له عدة كتب في النقد الأدب ي، وعدة كتب نقدية جادة.

تعالج الدارسة التي قدمها محمد الدسوقي , موضوعا في منتهي الخطورة, يتعلق بثلاثة كتاب , يعدون قامات هائلة وكبيرة في عالم الأدب , اثنان منهم مصريان, هما صبري موسي و بهاء طاهر ، والثالث هو البرازيل ي باولو كويلهو.

تتناول الدراسة بالبحث والتحليل أربع روايات هي " فساد الأمكنة " ل صبري موسى , و" أنا الملك جئت "، و" واحة الغروب " ل بهاء طاهر , و"السيميائي" لباولو كويلهو.

يرى الكاتب أن رواية " فساد الأمكنة " للكاتب المصري صبري موسى , قد تحولت إلى منجم هائل للأفكار الروائية, يأخذ منه القاصي والداني, دون أن يشير أحد من الذين أخذوا منها إلى حدوث هذا الأخذ من قريب أو بعيد.

ويرى أن كاتبها تأثر إلى حد بعيد ب رواية " فساد الأمكنة " ل صبري موسى . في البداية يوضح الكاتب أن صبري موسى قد نشر روايته المعروفة " فساد الأمكنة " لأول مرة مسلسلة بمجلة صباح الخير الأسبوعية، خلال عامي 1969،1970، ثم نشرت طبعتها الأولى في سلسلة ال كتاب الذهبي بالعدد (204)، الذي صدر في يوليو 1973.

وفي عام 1974 فازت " فساد الأمكنة " بجائزة الدولة التشجيعية لل رواية ، ثم فاز الكاتب عنها بوسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولى، وفازت فساد الأمكنة بعد ذلك بجائزة بيجاسوس الدولية، وترجمت إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان "أسود الصحراء"، ونشرت طبعتها الأولى عن دار هوتن مفلن الأمريكية في ولاية بوسطن عام 1980، وفي عام 1990 صدرت الترجمة الألمانية لهذه ال رواية في طبعة شعبية عن دار ريكلام الألمانية الشهيرة في لايبزج.

أما عن قصة بهاء طاهر " أنا الملك جئت ", فقد كتبها ضمن مجموعة قصص تحت العنوان نفسه، صدرت في عام 1984، ولم يكن بعد قد دخل عالم ال رواية ، الذي بدأ معه في العام التالي 1985 ب رواية شرق النخيل.

أما رواية "السيميائي" لباولو كويلهو فيقول الكاتب نفسه إنه زار القاهرة في عام 1987، ومشى في الصحراء، ولم يقل لنا لماذا زار الصحراء في مصر، ولم حدد صحراءً بعينها، وأنه التقى رجلا يدعى حسن تحدث معه، فقرر أن يكتب السيميائي.

ويرى محمد الدسوقي أن شخصية حسن هذا, هو أبو الحسن الشاذلي. وأنه قّرّر أن يكتب روايته السيميائي بعد المقابلة.

يحاول الكاتب في تلك الدراسة أن يوضح مدى تأثر رواية "السيميائي" لباولو كويلهو بأدبنا العربي، ويرى أن شهرة كاتبها أخذت طابعًا عالميًا، ولهذا لم تتشابه مع النسق العام لل رواية البرازيل ية الخالصة، فال رواية البرازيل ية رغم عدم شهرة كتاب ها في عالمنا العربي، فإنها بدأت الظهور في مطلع الستينيات من القرن الماضي، وظهرت أسماء مهمة من كبار كتاب ها، أمثال أنطونيو كايادو، وإيريكو فيرسيمو، وإيفان أنجلو، ممن شكّلوا أدبا برازيليا خالصا، فاهتموا بالغوص في أعماق الشخصية البرازيل ية، واعتمدوا على ما وراء الواقع، وأظهروا البرازيل بوجهها الحقيقي وهو ما لم يظهر في كتاب ة باولو كويلهو.

ولكن روايته تبين مدى تأثره بأدبنا في العصر الحاضر، وهي توحي بتأثرها بحكاية من حكايات السندباد في ألف ليلة وليلة ، وهي طريق سهلة على معظم الكتّاب في عصر تعددت فيه أساليب التناص وما شابهه، من اتجاهات مسموح فيها للكاتب بالتحاور، أو التجاور معها، على أن يكون هذا عبر منطق فني ومبرر إبداعي.

ويرى الكاتب أن السيمياء تعد نوعًا من التطور من العلم التطبيقي البحت إلى السحر والخرافات والتطلع إلى المستحيل، أو عالم الرموز أو الإشارات أو العلامات. أما الانتحال فهو النقل, ويراه الكاتب مرادفا للسرقة الأدب ية، وقد يقول قائل إن كل نص يتكون من خطابات أو نصوص أخرى سابقة, ويتقاطع معها بصورة ظاهرة أو خفية، ولا وجود لنص خال من نص آخر، ثم هذه رؤية نقدية قد أنجح فيها وقد لا أنجح، ولكنها بالضرورة ستكون إضافة لأنها حرّكت الراكد، وقلّبت الأرض.

ويرى محمد الدسوقي أن قارئ "السيميائي" سيلحظ الحضور القوي للتراث العربي في هذا المناخ من السلوك والعادات والتقاليد الذاتية، التي ظهرت في عالم رواية "السيميائي"، التي تتوغل، والتي رآها الكاتب وثيقة الصلة ب رواية فساد الأمكنة .

للقارئ الحق في إعادة القراءة ليرى إلى أي حد نجح الكاتب فيما زعمه، بخاصة أن كثيرا من المتخصصين قد أشادوا ب رواية "السيميائي"، واتفقوا على أنها تحمل قيمة إبداعية، كما أن أول مترجم لها إلى العربية، بهاء طاهر ، أّكد أن شيئا ما يربط بين هذه ال رواية وبين قصته " أنا الملك جئت "، التي سبقتها منشورة، ولم تترجم إلى أية لغة غير العربية، وهو ما دفع الكاتب للبحث بصورة أوسع عن مدى صحة ما يشير إليه المترجم، حتى اكتشف أنه بحاجة لقراءة مغايرة لل رواية ، وروايات أخرى قريبة منها، بناء وتمثيلا، وبخاصة رواية " واحة الغروب "، للمترجم نفسه، والصادرة في العام 2008، والتي حصلت على جائزة بوكر .aspx'> ال بوكر العالمية للكتّاب العرب.

وعلاقة هذه الروايات، أي "السيميائي" و" أنا الملك جئت " ومعها " واحة الغروب " بال رواية السابقة عليهم، بال رواية الأصل، " فساد الأمكنة "؛ إذ يبدو لنا أنها البذرة التي أنبتت كل هذه الفروع اليانعة.

يقوم محمد الدسوقي في كتاب ه بعقد مقارنات وجداول يقارن فيها بين شخصيات أربع روايات, اثنتان منها ل بهاء طاهر هما: " واحة الغروب ", و" أنا الملك جئت "، و رواية "السيميائي"، و" فساد الأمكنة "، يخلص فيه إلى أن الروايات الثلاث قد أخذت المسار والشخصيات نفسها، متأثرة ب رواية فساد الأمكنة .

وقد حاول من خلال دراسة مستفيضة لكل جوانب الأعمال الأربعة التي قام الكاتب بفحصها، وسجلها في موضوعات كتاب ه التي تناولت موضوعات: صحراء البحث عن الذات، حدود تشابه أم شواهد انتحال، عن الحلم والكنز والمرأة، في مسار السرد، الموقف الأدب ي، من البطل إلى الموقف، من صور الموقف.

وفي الختام يعرض ببيلوجرافيا عن أعمال ال كتاب الثلاثة الذين تناولهم في كتاب ه، ونرى أن الكاتب حاول السباحة والغوص في الروايات الأربع, دون أن يحسم موقفه منها, هل سرق بهاء الطاهر وباولو كويلهو أفكار رواية فساد الأمكنة لبهاء الطاهر؟ والجواب أنه أقترب كثيرا من المصطلح، وتلامس مع الشواهد والقرائن التي لا ترقى إلى مستوى الأدلة، أو بمعنى آخر لم يقدم دليلًا واحدًا قطعي الثبوت, بلغة أهل القانون, يمكن للقاضي أن يصدر على أساسة بإدانة الكاتبين المعروفين.

مادة إعلانية

[x]