الحسين عبد البصير يكتب: تمثال الجميلة "نفرتيتي"

4-2-2016 | 14:17

الحسين عبد البصير

 

عندما تزور المتحف المصرى فى العاصمة الألمانية برلين، فأنت، دون شك، فى حضرة جميلة الجميلات والسيدة الأكثر شهرة الملكة نفرتيتى.


وتم تخصيص قاعة واحدة لها فحسب فى ذلك المتحف العريق حتى يعرض القائمون على ذلك المتحف الألمانى التمثال النصفى الشهير للملكة الجميلة حيث يشد الأنظار من كل مكان، ويلفت الانتباه من بعيد، ويأتى إليه كل الزائرين من كل حدب وصوب من شتى بقاع الأرض المعمورة حتى يطوفوا حوله عشقا للجمال، وحبا لتلك الملكة الفاتنة، واستعادة لتاريخ فترة زمنية مهمة وحقبة تاريخية ثرية من تاريخ مصر القديمة والشرق الأدنى القديم بل والإنسانية جمعاء قلما أن تكرر، حين اجتمعت السياسة مع الفكر والتغيير والثراء، وحين طغت على السطح أفكار دينية وفنية وأدبية وإنسانية لم تكن سائدة من قبل.

إنه عصر العمارنة، حين حكم مصر ملك جديد أحدث ثورات على كل الأصعدة التقليدية وقلب الأمور رأسا على عقب فى فترة زمنية قصيرة عادت بعدها الحياة فى مصر القديمة إلى مجراها الطبيعى وسابق عهدها بعد اختفاء ذلك الملك أو إقصائه وإنهاء زمنه وتاريخه إلى غير رجعة من قبل كارهيه ومعارضيه من أنصار الملكية المصرية المستقرة وكهنة المعبودات الأخرى الذين قضى عليهم أخناتون وأزاحهم عنوة من المشهد السياسى فى مصر القديمة.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الآثار التى تركها عصر العمارنة على معاصريه ولاحقيه لم تختف كلية من المشهد كما كان يظن هؤلاء الكارهون لتلك الحقبة الأكثر إشكالية وإثارة فى تاريخ مصر القديمة قاطبة بل امتدت تلك الآثار إلى ما بعد عهد الفرعون الموحد الملك أخناتون لفترة ليست بالقصيرة.

واحتلت العائلة الملكية مكانة متميزة ضمن دولة أخناتون ودعوته وقاموا بوظائف ومهام عديدة من أجل مساندة الفرعون.

غير أن الملك أخناتون كان هو القوة الدافعة وراء كل مظاهر التغيير فى عصر العمارنة. وتظهر العائلة الملكية فى عصر العمارنة فى الأعمال الفنية فى مناظر جديدة لم يعرفها الفن المصرى القديم من قبل ذلك العصر؛ فنرى العائلة الملكية فى مناظر تبكى وتحزن على وفاة إحدى بناتها أو حفيداتها.

وكذلك نرى الملك أخناتون والملكة نفرتيتى فى مشاهد حميمية تحدث بين زوج وزوجته لم نشاهدها من قبل فى مناظر الفن المصرى القديم.

وفى مناظر أخرى، نرى الملك والملكة مع بناتهما ورجال البلاط وحتى مع حيوانات الصحراء يحيون الشمس المشرقة التى تظهر على حافة الأفق الشرقية. وظهرت الملكة نفرتيتى وبناتها فى تماثيل فنية تعبر عن حسية واضحة تظهر معالم ومفاتن الجسد الأنثوى بشكل فنى لم يسبق له مثيل فى الفن المصرى القديم على الإطلاق.

أو أن نرى الملك والملكة وبعضا من بناتهما يجلسون فى جلسة عائلية جديدة على الفن المصرى القديم. هذه الأشياء كلها وغيرها الكثير أكدت على عظم دور أخناتون وعائلته فى نشر دعوته الدينية الجديدة.

ويعتبر تمثال الملكة الجميلة نفرتيتى النصفى المصنوع من الحجر الجيرى الملون بالحجم الطبيعى من أروع الأعمال الفنية فى مصر القديمة، بل يعد هذا العمل الفنى ليس له مثيل فى تاريخ الفن كله على الإطلاق. ويبلغ التمثال حوالى 47 سم ارتفاعا. وترتدى الملكة تاجها الأزرق المميز المقطوع من القمة الذى تعلوه حية الكوبرا التى كانت رمزا من الرموز الحامية للملكية المقدسة فى مصر القديمة.

ووجد هذا التمثال مع عدد من القطع الفنية الأخرى فى أتيليه الفنان المعروف تحوتمس فى تل العمارنة بواسطة البعثة الألمانية فى عام 1912. وحين وصل تمثال نفرتيتى إلى العاصمة الألمانية برلين أحدث حمى كبيرة اجتاحت المدينة منذ عام 1913 ولم تهدأ إلى وقتنا الحالى. ولقى تمثال نفرتيتى فى القرن العشرين اهتماما كبيرا من قبل زوار متحف برلين.

وتم الاهتمام بعصر العمارنة فى الأدب خصوصا الألمانى. وزاره وأعجب به الشاعر الألمانى الشهير راينر ماريا ريلكه.

وفى يوم 16 فبراير عام 1914، وبعد أن زارت معرض برلين، كتبت لو أندريه سالومه إلى الشاعر ريلكه تقول له فيه إن كثيرا من تماثيل الملك أخناتون تشبه الشاعر ريلكه. ولم يكن ريلكه فقط الذى كان يشبه الملك أخناتون، بل شبه به كثيرون.

وما زالت فترة الملك أخناتون ودعوته تجذبان الكثيرين من جميع أنحاء العالم الذين يزورون مدينته ويتأملون تماثيله فى المتحف المصرى فى القاهرة أو فى برلين أو فى متحف فى العالم حيث توجد العديد من القطع الفنية التى تعود إلى عصر العمارنة الفريد.
----------

(*) د.الحسين عبد البصير، روائي وباحث، مدير منطقة آثار "الهرم".

مادة إعلانية

[x]