حسين عبد البصير يكتب: أصداء عصر العمارنة

27-1-2016 | 12:31

حسين عبد البصير

 

تعتبر العمارنة، أو تل العمارنة، واسمها القديم "آخت آتون" ويعنى "أفق قرص الشمس"، هى عاصمة مصر فى عهد الملك أخناتون ومركز ديانة الدولة الجديدة التى قدمت فى ذلك العصر. ويوجد مكانها الحالى فى منطقة تل العمارنة فى شرق نهر النيل فى محافظة المنيا فى مصر الوسطى.


وكان الملك أخناتون قد ترك عاصمة مصر العريقة طيبة (مدينة الأقصر الحالية فى صعيد مصر) وأنشأ عاصمته الجديدة "آخت آتون" فى بقعة جديدة طاهرة لم يدنسها وجود أى قوم أو عبادة أى إله من قبل. وهجرت المدينة فى بداية عهد الملك توت عنخ آمون بعد حوالى خمسة عشر عاما من تأسيسها.

ولم يعرف سبب اختيار الملك أخناتون لهذا الخليج الواسع على الضفة الشرقية لنهر النيل غير أن مظهر الأرض هناك يشبه علامة الأفق الهيروغليفية بشكل كبير وواضح. وحددت حدود مدينة أخناتون بسلسلة من اللوحات كانت محيطة بالمنطقة على ضفتى النهر.

وعلى قصر عمر تلك المدينة، فإن أعمال الحفائر الأثرية بها أنتجت عددا من الروائع الفنية لعل من أشهرها تماثيل العائلة الملكية للملك أخناتون والملكة نفرتيتى وبناتهما ويعد التمثال النصفى للملكة نفرتيتى من أبرز تلك الأمثلة الفنية رائعة الجودة.

وضمت المدينة عددا من القصور والمبانى الملكية مثل القصر الشمالى والقصر الكبير ونافذة التجليات والمعابد مثل معبد آتون الكبير المعروف بـ"بر-آتون-إم-آخت-آتون" (أى "معبد آتون فى آخت آتون")، والبيوت مثل بيت النحات تحوتمس والوزير نخت وغيرهما، والمقابر مثل مقبرة أخناتون التى وجد بها بعض البقايا من التابوت الجرانيتى للملك وصندوق الأوانى الكانوبية الخاصة بحفظ أحشاء الملك الداخلية، والمبانى الحكومية والورش ومراسم الفنانين مثل مرسم الفنان تحوتمس، وقرية العمال التى تقع إلى الشرق من مركز المدينة.

وكانت الحياة فى مدينة تل العمارنة عامرة بالحياة والعديد من الأنشطة من قبل الملك وعائلته وحاشيته وكبار رجال دولته وكثير من الأفراد كما تظهر ذلك الأعمال الفنية القادمة من تلك الفترة القصيرة والثرية فى الوقت ذاته.

وعلى عكس ما يشاع لم يقم أخناتون بتأسيس دولة دينية على الإطلاق. ومن المعلوم لعلماء المصريات أن الدولة الدينية الوحيدة التى قامت فى مصر القديمة كانت فى عصر الأسرة الحادية والعشرين، عندما استغل كهنة الإله آمون فى مدينة طيبة ضعف السلطة المركزية بعد نهاية الدولة الحديثة، وقفزوا على السلطة، وأسسوا تلك الأسرة التى حكمها كهنة آمون من الجنوب فى حكم ثيوقراطى لم يكن مقبولا من الجميع وسرعان ما انتهى بتأسيس الملك شاشانق الأول للأسرة الثانية والعشرين محققا عظمة الأجداد من ملوك الدولة الحديثة.

ولم تستمر دولة أخناتون طويلا بسبب كثير من الأخطاء الكارثية الكبرى التى حاول الملك أخناتون القيام بها مثل محاولته الدوؤب تغيير الهوية الحضارية للدولة المصرية المتسامحة والتى تقبل التعدد بامتياز، وكذلك محاولته إقصاء كل ما ومن هو ضده، وأيضا زلزلة ثوابت الدولة المصرية العريقة، وإهمال سياسة مصر الخارجية وممالكها المهمة فى بلاد الشرق الأدنى القديم، والاكتفاء بالدعوة الدينية لمعبوده الجديد والتجديدات الفنية واللغوية والأدبية التى لم تمس عمق المجتمع ولم يتقبلها كلية، فضلا عن التغيير الفوقى الذى أراد فرضه على الجميع فى وقت زمنى قصير..

..علاوة على عدم الاهتمام بالتراث المصرى الحضارى العريق الممتد فى الشخصية المصرية لآلاف السنين قبل بزوغ دعوته الدينية القائمة على الأحادية ونفى المعبودات الأخرى وكهنتها المتنفذين، وعدم الالتفات إلى طبيعة الثقافة المصرية وكذلك الشخصية المصرية وفهم مكوناتها ومكنوناتها، فكانت نهايته المأوسوية دون رجعة.

ونظرا لأنه كان أيضا هو الوسيط الوحيد بين معبوده آتون والشعب، فانتهت الدولة بانتهائه، وغابت الدعوة بغيابه. وانقلب المنافقون الذين ذهبوا معه إلى مدينته الجديدة بعد رحيله ولعنوه ولعنوا دعوته وهجروا مدينته وأطلقوا عليه "الملك المهرطق" و"المارق من تل العمارنة".

ولم يبق من عصر العمارنة إلا أصداء العمارنة التى ما نزال نراها ماثلة أمامنا كذكرى على حكم لم يعمر سياسيا طويلا غير أنه ترك آثارا تشهد على أهمية الفترة دينيا وفنيا ولغويا وأدبيا. ويكفى أن نلقى نظرة على تمثال الجميلة نفرتيتى كى ندرك روعة الفن وصدق الإيمان بالدعوة من قبل قلة من بعض مؤيدى الملك أخناتون وتوظيف الفن فى خدمة الديانة الآتونية والملك أخناتون وعائلته الملكية ودعوته الدينية وفلسفته فى الحكم ونظرته للدين والحياة. إنه عصر العمارنة الفريد بكل ما له وعليه.

مادة إعلانية

[x]