شريف الشافعي يكتب: أمجد ريان.. "كلُّ إنسانٍ له ضوءٌ داخليٌّ"

5-1-2016 | 18:28

"رادار متنقل".. زاوية يكتبها شريف الشافعي

 

على مَنْ يتغلب الموتُ، إذا استأنسه مغامرٌ، أو روّضه مدرّبٌ، صار يتبادل معه لغة الإشارات والابتسامات؟ وعلى جانب قد يبدو مضادًّا، ماذا تعني الخطوات الواثقة، وكلُّ الحركات ليست إلا استعدادات لرحيلٍ وشيكٍ، في عالم يتساوى فيه وزنُ الحياة و"اللا شيء" على كَفَّتَي ميزانٍ؟


ثمة نجومٌ قد تسقط على الأرصفة، فهل جعلها هذا التهاوي "أرغفة خبز" للجائعين؟ وفي أشعة نجوم أخرى، لم تسقط بعد، يتعلق متعطشون لسماوات مفتوحة، فهل بهذا الفعل غادروا الهامش المغدور؟

إنها التساؤلات المتلاحقة، وإنها كذلك الدوائر الصغيرة المتتابعة، التي تكبر رويدًا رويدًا، ونقطةُ البداية حَجَرٌ ألقته يدٌ في الماء، فصنعت المركزَ المطمئنَّ، ولا اطمئنان بعد ذلك، فالأرواح ذاتها دوامات، والمُمْسِكُ بالمعنى الوحيد يعلم أن المعنى الذي يمسكه هو أنه "لا معنى لشيء".

في ديوان ه "كلُّ إنسانٍ له ضوءٌ داخليُّ" (" الدار "، القاهرة، 2015)، يورّط الشاعر أمجد ريان (63 عامًا) قارئه عادة في ملابسات شتى، ليس مهمًّا أن تحفل بما هو شعر ي على النحو المألوف، فالقصيدة الخفية التي يريدها الشاعر، لنفسه ولقارئه، هي دائمًا "الورطة كاملة" بحد ذاتها:
"الحذاءُ في قدمي
أثقلُ من أن يسير بي
حزينٌ بالغريزة
وَطَرْقُ الأبواب لن يؤدي لأية نتيجة،
وهي الورطة
تحيط بمن هم خلف الباب
ومن هم أمام الباب" (ص: 52)

هنا، المشاهد الشعرية المتحققة انتقالاتٌ من ورطة إلى ورطة، من مأزق إلى مأزق، من هباء إلى هباء. وإذا كانت فلسفة العُمق قادت الأقدمين إلى الإحساس بأن "كل شيء هباء"، كما يقول الشاعر في ثاني سطور ال ديوان (ص: 7)، فلم يبق غير تجربة ما تتحدث به لغة السطح، وهي التجربة التي يدرك جيدًا كل من يقدم عليها أنها خائبة بامتياز، لكن لا بأس من سعادة لحظية، تشبه تلك التي يحظى بها من يحكي عنهم ريان، ممن "يخطفون اللقمة من أفواه آكليها" (ص: 12)، ولا بأس من معرفةٍ لا تثبتُ لحظة واحدة في ذاكرة:
"أسحب باب الشقة
لينغلق ورائي بلطف
ولساني يلهج بالفكرة الجديدة:
ظلننا طويلاً نبحث في فلسفة العمق،
وقد آن الأوان لنعرف
أن للسطح فلسفة لا تقلّ نبلاً" (ص: 13)

الشاعر مؤمن بالقريب، بل بالأقرب، فلا شيء غير متوقع، ولا شيء خارج النطاق. العالم بأسره حجرة ذات جدران، وربما صندوق بغطاء. البداية معلومة، والنهاية معلومة. ما تتشكك الذات الشاعرة فيه، وما تتساءل الروح عنه، هو ذلك الموضع بعد النهاية. هو الـ"هناك"، الذي يسكن فيه حاليًا الرفيق الشاعر "حلمي سالم"، الذي لم تعصمه قصيدته من أن يموت ميتة خاطفة، ميتة ربما "لا تليق بشاعر كبير"، كما يقول ريان، ويستطرد مخاطبًا حلمي سالم:
"أنا عندما يأتيني الموت
سأكون أكثر خيبة منك
سأكون ممددًا
بجسد هشّ مهزول
وسيأتي الموت
شبحًا أبيض يمسك بمنجل طويل
فيقطف الروح بلحظة واحدة
ثم يعطي العالم ظهره
متجهًا إلى مكان لا يعرفه أحد" (ص: 44)

وفي حين أن "تكرار الحياة يفقدنا الدهشة، ويفقدنا كل شيء" (ص: 63)، يظل هذا الموت هو أحد الكائنات التي تعيش على "السطح"، وأحد التجليات النبيلة لفلسفة الوضوح والقُرب. الهرب منه أضحوكة كبرى، واللعب معه ورطة لطيفة، مضحكة بقدر:
"يتابعني الموت في هذه الأيام
ضبطته أكثر من مرة
يراقبني من خلف فتحة باب الحجرة" (ص: 87)

الشاعر يهدر القيمة دائمًا، في مواضع يتوقع العقلاء حضور القيمة بها، ويهدر قيمة العقل ذاته "العقل ينشطر الآن/ بالتأكيد لم أعد أفهم/ هل نحن عقلاء بالفعل؟" (صفحات متفرقة من ال ديوان )، كما يهدر قيمة الوقت متسائلاً: "هل يخبرني أحد: لماذا نضبط الساعة؟". وعلى الرغم من ذلك: "يظل عقرب الساعة يدور حول نفسه، وتظل الأرض تدور حول نفسها، ويظل الإنسان يشاكس حتى الموت" (ص: 61).

والشاعر، اليائس من إمكانية حضور الضوء إليه في منفاه المعتم، خلف الجدران الأسمنتية الصماء، التي هي بلا قلب، وبغير عيون، لا يود التجمد صامتًا، بل يريد أن يحكي ويحكي. هو لديه الكثير ليقوله، عن أشياء لا تنتهي، يستشعرها وهو يضل طريقه كاشفًا "الطبقات الداخلية للمعنى" (ص: 55). أما "الكشّاف" الهادي في رحلة الغوص هذه، فهو أن " كل إنسان له ضوء داخلي "، فمستحيل أن يأتي شعاعٌ من الخارج، وما من ثقب في جدار. ويبقى "السؤال الجوهري"، الذي أشعلته شمعة الرؤية الداخلية الاستبطانية:
"في داخلي سؤال جوهري:
متى نمتلك صفاءنا الحقيقي؟" (ص: 64)

ويبدو أن هذا الاستشراف، المستوحى من الضوء الداخلي، ينقلب إلى إعمال ذهني مجرد إذا زادت كثافة الإضاءة، حيث يكاد يخبو ما هو شعر ي وتصويري، ويحضر الوعي مُزِيحًا جماليات المشهد وتلقائيته، وورطات الحيرة والتخبط، التي راهن عليها الشاعر، بحدة قاسية تخدش الصورة، لكنها لا تجرحها، لندرة هذه المقاطع، من قبيل:
"كان عليّ أن أدرك
منذ البداية
أن المستقبل
موجود في الماضي
وفي الحاضر
وكان عليّ أن أدرك
أن الحدود تتلاشى
بين الملموس والمعنوي/
المستقبلُ له معنى أساسي:
أن الشكل الواحد
يمكن أن يوحي بمعانٍ لا نهاية لها" (ص: 78)

ومن مثل هذا البناء الميكانيكي أيضًا، ما رواه الشاعر عن علاقته بالقصيدة، وموضع المجاز في تجربته الشعرية، فيما يبدو سردًا حكائيًّا، ألبوماتيًّا، أو نقلاً فوتوغرافيًّا للواقع، كما هو، بأمانة ربما أرادها الشاعر، وأصرّ عليها، انتصارًا للتقرير في مواجهة المجاز. أما "الشعرية"، و"التخييل"، و"البراءة"، و"الصدمة"، وسواها من عناصر "قصيدة التوريط"، التي اتكأ الشاعر عليها بامتداد صفحات ال ديوان الـتسعين، فلعلها أبت أن تسكن في مثل هذه السطور "المؤلَّفة تأليفًا مَسْطَريًّا":
"أنا في بداياتي
تخيلت أن المجاز هو العمق
وبعد مرور أعوام طويلة شاقة
اكتشفت أن المجاز الشعري
يمكن أن يكون محض تخريف وموت" (ص: 71)

"كلُّ إنسانٍ له ضوءٌ داخليُّ"، ديوان يفتح الشهية، استثنائيًّا، للشّعر، مثلما أنه يفتح نوافذ، غير نمطية، تُغيِّر الطقس.

للتواصل:
thaqafa.ahramgate@gmail.com

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مادة إعلانية

[x]