شريف الشافعي يكتب: أن ترتقبَ عامًا يحضرُ في غير موسم البرد

29-12-2015 | 18:26

"رادار متنقل".. زاوية يكتبها شريف الشافعي

 

الأيامُ التي تفلتُ من يدي

تذهبُ مع مياه الأمطار
ليتها تأخذ معها يدي
أريد أن أصافح جذر شجرة متعطشًا
أريد أن أحفر حفرة بحجمي
في أرض صغيرة
أفلتتْ من يد الأيام

* * *

لا تغضبي من هذا الكوكب
هو لم يغلق أمامكِ أبوابَ أحلامهِ
إلا لأنه لم يعد يتحمل
كابوسًا يتكرر كل صباح
اسمه: اليقظة

* * *

أيًّا كانت محطة الوصول
أفضّل أن يتحرك القطار مسرعًا
لا شأن لي برُعْبِ القضبانِ
أنا الذي لم أقتل عشبة بحذائي
ولم أدهسْ غير ظلّ صغير لطفولتي
حاولَ يائسًا أن يركب معي القطار

* * *

ترتجُّ الأرضُ بشدةٍ
فلا أشعر بشيءٍ

ينقبضُ قلبُ طفلٍ
فأقول:
"زلزال"

* * *

لا أتوقع جديدًا
الأطفال يلعبون في الطريق العام
الكرة التي يستكشفون تفاصيلها وهم يركلونها
ليست الكرة الأرضية
ولا جمجمة بشرية
لا أجد معنى لانتفاخها بالهواء
أكثر مما ينبغي
الطريق ضيق جدًّا
ومظلمٌ
مثل صدري الذي فيه لاعبة واحدة
لم يعد يعني لها شيئا
أنها - وحدها - تلعب بقلبي

* * *

لو كانَ طابعُ البريدِ بريئًا
لما التصَقَ هكذا بالتُّهمةِ

هو متورِّطٌ في الجريمةِ بالتأكيدِ
جريمة إفراغِ الرَّجُلِ من محتواهُ
برسالةٍ فارغةٍ
من امرأةٍ فارغةٍ

* * *

الذي يقتلني قتلاً
ليس أن ظلي خذلني،
وَلَمْ يعد بجانبي

الذي يقتلني قتلاً
أنه لَمْ يكن أصلاً ظلي

* * *

الأكثر إيلامًا
من ذكرياتي معها
أنها لم تعد لديها
ذكرياتٌ تؤلمها

* * *

قولوا ما تتمنون
عن البرد

سأصفه بكلمة واحدة
ترتجف

* * *

ساعةُ الحائطِ الرقميّة
تَحْرِمُنِي فكرةَ الإحساسِ
بحركةِ البندولِ

حياتي الرقميّةُ
تَحرمُنِي فكرةَ الإحساسِ
بتجمُّدِ الوقتِ

* * *

قدمٌ مرتبكةٌ
لا يمكنُ الاستغناءُ عنها ببساطةٍ
لأن الساقَ الخشبيّةَ لا ترتبكُ
إذا انغرستْ فيها المشاويرُ الصّدئةُ
والأيامُ المساميرُ

* * *

مجنونة
من تظنني أعِدُها أو أعدُ أحدًا بشيء

أنا راعي الطائرات الورقية،
ولا خيط في يدي..

أنا الطائرات الورقية،
ولا خيط في يد الأرض

* * *

قلتُ للساعةِ الرّمليّةِ:
"لا تُفرّطي في أصْفَرِكِ النّفيسِ..
الوقتُ أثْمَنُ ما يُمكنُ ادّخارهُ،
أيتها الحمقاءُ"

قالتْ باستهزاءٍ:
"بل أنتَ الأحمقُ بالتأكيدِ..
الأرضُ أحَقُّ بِذَهَبَها،
وَسُيولَةُ الزمنِ أوْلَى من تَجْميدِهِ"

* * *

قدمي الضعيفةُ
تبدو أكثرَ من قويّةٍ
عندما تدوسُ جيشَ النّملِ
قبل أن يزحفَ على ردائي

قدمي القويّةُ
تبدو بالغةَ الضّعفِ
عندما يصيبُها "التّنميلُ" من الداخلِ

* * *

"الأمُّ المعمرة"
ماتتْ

النعيُ في الجريدة
قصير جدُّا

اختصروه كثيرًا
لأسباب تتعلق بالنفقات

النعي القصير
بعدما اختصره أبناؤها الفقراء
لا يزال أطول بكثير
من حياتها

* * *

الذين يطوفون حول أحزانهم
يحجّون كل يوم
والأرض، ماذا ستفعل الأرض
حين يرجمونها بدموعهم؟

* * *

هذا زمنٌ
سيولته أقسى من تجمّده

* * *

بعض اللعب
حين تسقطُ من أيدينا
نحن الذين نتكسّر

* * *

رعاة الأشجار في حديقتي
قالوا للطيور الجائعة:
"أهلاً"

ضحكتي زلزلت المكان
الحديقة فكرة أحسبها طارتْ

* * *

الغائبون عني
صاروا كثيرين جدًّا
الشجرة التي بلا أوراق
ربما تعرف عددهم

سأسألها هذا الشتاء
عن أسماء أبنائها المفقودين

لا بأس أن أعرف أسماءهم
وأحفظها،
أنا الذي لم يعد لي اسمٌ
منذ صار الغائبون كثيرين جدًّا

* * *

السحاباتُ كلها صارت تمطر
في مناخاتٍ مصنوعةٍ

وهو في غرفةٍ بعيدةٍ
في بلدٍ بعيدٍ
لا يصدق غير وسادة فوق سريرهِ
تتمزق وهي تمطر قطنًا

* * *

ساعة الحائط
التي سئمتْ كل شيء
وتجمّد فيها الزمن
كسمكة ميتةٍ
أصلحها دوراننا المنتظم
حول المتاعب ذاتها

* * *

مهرجان للحزن
حضر المدعوون بكامل أناقتهم
متباهين بمناديلهم المكوية
انتظروا الموتَ طويلا ليفتتحوا البكاء
لكنه لم يحضر

وبعدما انصرف المهرجون كلهم
حضر الموتُ باكيًا

* * *

سأمشي على قدمٍ واحدةٍ
وأؤجّلُ الأخرى للرُّجوعِ

* * *
عقلي
أوّلُ رصاصةٍ استقرتْ في رأسي

* * *

هذه الشجرةُ
وهي تتكلمُ عن الموتِ
لم يكن الكلامُ يموتُ في فمها
لذلك لم أصدّقها
وحين تناثرتْ أوراقها ضحكتُ طويلاً
وأنا أسترجعُ ذلك الخريفَ
الذي نزلتْ فيه الحياةُ على هيئةِ جثةٍ
وراحتْ تمشي على الأرض صامتة

* * *

بحثًا عن مطرٍ أنقَى
عن قطرةٍ عذراءَ،
أتجاوَزُ السحابَ الهشَّ
صاعدًا
إلى حيث الماء فكرة في السَّماء

* * *

لا خوفَ من الموت كفكرة
الخوف من موتِ الفكرة

* * *

الجلبابُ الأخيرُ،
الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ "نتيجة الحائطِ"
أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ
حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الدوران
حول النقطة ذاتها


للتواصل:
thaqafa.ahramgate@gmail.com

مادة إعلانية

[x]