ماهية القصيدة و"بيان ضد الحرب" في العدد الأول من مجلة "الحوزة الشعرية"

19-12-2015 | 11:17

العدد الأول من مجلة "الحوزة الشعرية"

 

بوابة الأهرام

صدر العدد الأول من "الحوزة الشعرية" (شتاء 2015)، في بغداد، عن دار ميزوبوتاميا، وهي مجلة متخصّصة بال شعر والشعريات العربية والعالمية، يحررها العراقي شاكر لعيبي، ويسهم في التحرير والتنسيق: رشيد وَحْتِي (المغرب)، خالدة حامد (العراق)، شريف رزق (مصر)، إسكندر حبش (لبنان)، عبد الوهاب الملوح (تونس)، حسن ناظم (العراق)، تحسين الخطيب (الأردن).


يتضمن العدد الحالي المواد التالية: مارتن هيدغر.. هولدرلين وماهيّة الشعر، ترجمة: خالدة حامد. ياَنِيسْ ريِتْسوُسْ: أيروتيكا [1981]، ترجمة وتقديم: رشيد وَحْتِي. أناستاسيس فيستونايتس: فن الشعر، ترجمة عاشور الطويبي. زكريا محمد: الليلة القصوى لأبي العلاء المعرّي. روبرت بلاي: حُكمت بألف عام من البهجة، شعر ، ترجمة وتقديم: محمد عيد براهيم. شاكر لعيبي (تقديم ودراسة وإعداد): في الشعريات الآسيوية: قوانين الجمال اليابانية والصينية والهندية. مختارات من قصيدة النثر العالمية، اختارها وترجمها عن الإنجليزية: تحسين الخطيب. شريف رزق: شِعريَّةُ النَّثرشِعْريِّ، تَدَاخُلاتُ الشِّعرِ وَالنَّثرِ وَتَشَكُّلاتُ النَّصِّ الجَامِعِ. عبد الزهرة زكي: تخطيطات شاكر حسن آل سعيد على ديوان (اليد تكتشف).

ومن مواد العدد كذلك: فولفغانغ بورشرت: هناك حل واحد فقط "بيان ضدّ الحرب"، ترجمها عن الألمانية: إبراهيم أبو هشهش. آراجون: أصِلُ حيثما أكون غريباً (قصيدة)، ترجمة: شاكر لعيبي. إيمي سيزير: كرّاس العودة إلى الوطن (مقاطع)، ترجمة: جمال الجلاصي. كوليت : أغنية الراقصة [نص أيروتيكيّ]، ترجمة عبد الوهاب الملوح. قصائد من ال شعر الياباني الحديث، ترجمها عن الإنجليزية: سلام دواي. علي حسن الفواز: الشعراء وافتضاح السياسة. فرانك ستاريك: ثلاث قصائد، ترجمها عن الهولندية: صلاح حسن. عبد الوهاب الملوح: إنها في الخارج الذي هو داخلنا. عواد ناصر: كلام في ال شعر وحوزته. د.مازن أكثم سليمان: طبقات الرُّؤيا في قصيدة (السُّيول تجتاح سلميَة) للشّاعر السُّوري علي الجندي. الشاعرة السويدية آن - ماري بيريلوند تتحدث عن معنى القصيدة، حوار: سلام صادق. محمد مظلوم: الإحماض والحشيشيِّات واللغة السرِّية، لحظةُ «صَفِيّ الدِّين الحلِّي» وَرَاهِننا. جايم سابينز: طيور تائهة، ترجمها عن الإنجليزية: صالح الخنيزي. خلدون عبد اللطيف: القاتلُ الشعري ومقتولُه. فرناندو بيسوا: عشر قصائد، ترجمها عن البرتغالية وقدّم لها: إسكندر حبش. في الثّناءِ على الشاعرِ ومترجمِه، بأصواتٍ ثلاثة، ترجمة: خالدة حامد.

مما جاء في افتتاحية العدد بقلم الشاعر العراقيّ شاكر لعيبي تحت عنوان "هل (أسئلة الشعر) بالأمس هي أسئلته اليوم؟": "لا يبدو لنا ممكناً معالجة هذا الموضوع العريض هنا إلا بسلسلة ومتواليات من الأسئلة، مع تمهيد ضروريّ يزعم أن الشروط العامة التي كان يشتغل ال شعر فيها بالأمس ليست الشروط الحالية على كل صعيد. هل ممكن أن يُبرهِن الشعرُ الرفيع عن نفسه مهما طال الأمر وتحت أيّ ظرف، كما يُقْنع البعض أنفسهم؟

لماذا لا يُؤسّس أحد اليوم ل مجلة شعرية إشكالية، لا تبحث عن المشاكل؟ لمَ لا تفرّق ثقافتنا العربية بين (الباحث عن الإشكاليات) و(الباحث عن المشاكل)، وخلطتْ يشكل مُدوّخ بينهما. بل أن بعضهم تعمّد التخليط بشأن الإشكاليات وقاربها بالمشاكل؟. وشتّان بين مُشرِّق ومُغرِّبِ.

عن أيّ حداثة نتحدّث؟ ولماذا تتوقف الحداثة فجأة، وتصاب حداثة بعضهم بسكتة قلبية، حالما نتقدّم لمواضيع بعينها وأشكال أدبية معروفة وأعراف أدبية مستقرّة ونمسّ الثوابت المغروسة غرساً، وحالما يُعالج الجسد الآدميّ وتمثيلاته البصرية والسمعية والشعرية. أيّ حداثة هذه؟ وأيّ نوع من المثقف هذا الذي يختلط في ذهنه الهاجس الجنسيّ مثلاً، مع المتطلبات الجمالية، ولا يفرّق بين الوعي الدينيّ والشروط الشعرية، أو لا تتضح له حدود الشروط الاستمنائية وشروط الكتابة الأيروتيكية؟

أي حداثة يا تُرى؟ هل الحداثة ممارسة شكلانية، تلفيقية؟ هل هي صالحة أم غير صالحة (للمتلقي العربيّ)؟. أليس من الواجب مراجعة عيادة سيغموند فرويد، ومساءلته: في الحقل الشعريّ، هل علينا تثبيت الأب أم قتل الأب؟.
ألم تغدو قصيدة النثر الآن "مؤسسة" مُتَهَيْكِلة، ذات قوانين صارمة وقواعد ثابتة، وتتأصل بأصول لا ينبغي الخروج عليها كما ينصح الناصحون؟

هل ال شعر استعارة، ثيمة، مناخ، موضوع، كناية، رمز، سرد، وأيّ نوع من السرد، وما الفارق بين سرديته والسرد في الرواية؟

من هو يا تُرى المتلقّي العربيّ للشعر، ووفق أيّ نسق جماليّ يشتغل: عموديّ، شعر موزون حر، قصيدة النثر؟
هل نحن في أزمة شعر، أم أزمة قراءة الشعر؟ أليست مشكلة التلقي محفوفة، في السياق العربيّ، بجميع المعضلات التي لا تتصل مباشرة بال ثقافة ، ولا بال شعر بالأحرى؟

ألسنا أمام أزمة نقدية مُصِرّة على أسماء بعينها تعتبرها رفيعة ولا تقرأ لسواها إلا عرَضاً، لسبب إعلاميّ، دعائيّ، معروف منذ الثمانينيات في الأقلّ؟

لكننا في حقيقة الأمر نعاني، منذ الخمسينيات حتى اليوم جموداً مستعصياً مُتَمَحْوراً على أسماء شعرية بعينها (ثلاثة، أربعة، خمسة..) ثابتة، ثم أسماء بعينها ثابتة أيضاً لجميع الحقب اللاحقة، حيث كل حقبة تتشبث، حقاً وباطلاً، بأسماء شعرية محدودة؟

ألا تعترف ال ثقافة العربية، نظريا، بالمجهول والمنسيّ والمهمّش، لكنها لا تشتغل عملياً عليه إلا نادراً، في الحقل الشعريّ والتشكيليّ والنقديّ وعموم ال ثقافة ، لأن الاشتغال على العُرْفيّ والمتوطّن والمشهور (يُسمّى متكرّساً) أسْهل وأكْذَب ويَسْمح بوضع قناع العارف؟

لماذا تغيب في جُلّ البلدان العربية مجلة مكرّسة للشعر؟. أليس من السهل إنشاء مجلة تعادِل (الكشكول) لكن من الصعب تأسيس مجلة تقوم على (مشروع) ذي أسئلة وإشكاليات مرسومة، حتى لو لم يتفق الجميع عليها؟. أليس الكشكول سهلاً، بينما المشروع أقلّ سهولة؟".

ويستطرد لعيبي: "ألا يتوجب أن نهتمّ بـ "حيتان ال شعر المعاصر" أيضاً، ونسعى لتقديم رؤية صادقة عن التالي: لماذا لم يتوقف النقد العربيّ عن الإشارة والكتابة عنهم هم وحدهم، ودعوتهم هم وحدهم، والترجمة لهم هم وحدهم، رغم أن المنابر الثقافية التي شغلوها طيلة أكثر من ربع قرن هي التي ساهمتْ مباشرة في صنع (الهالة البيزنطيّة) على رؤوس بعضهم، دون إنكار مواهبهم وشعريّتهم ومساهماتهم؟. لماذا يتملّق القارئ للهالة وللصوت الأنثويّ العاري؟. وهل من مثيل لهذه الظواهر في الثقافات العالمية؟.

لماذا يمنحك الوسط والنقد، عندما تكون محرّراً صحفياً، ناشراً أدبياً، رئيس تحرير لمجلةٍ تَمْنَحُ مكافأة نقدية،.. الخ، أهمية استثنائية لعلها تفرّط أحياناً بقيمتك الشعرية الحقيقية، رغم أن التنكّر لهذه القيمة هو أمر غير مُنْصِف من جهة أخرى. ألم تتأسّس معايير نقدية، وتُكتب الأطاريح وتُقام الترجمات، وفق شروط مثل الشروط الموصوفة هنا؟. أم نحن أمام وَهْمٍ صافٍ، ونعبّر عن هواجس شخصية تنطلق من نوازع سايكولوجية لا مقام لها من الإعراب؟.
لماذا تخلّط ثقافتنا بين الشهرة والقيمة؟. أم أنها لا تفعل؟.
أسئلة ال شعر بالأمس ليست أسئلته اليوم.

من هنا انبثقت مجلة (الحوزة الشعرية)، المتخصّصة بال شعر والشعرية حصراً، وما يرتبط بذلك من دراسات ونصوص شعرية مترجمة، ودراسات نقدية جادة وأصلية عن ال شعر والشعريات، العربية والعالمية. من السهل تجميع مواد تتعلق بالشعر، وإقامة مجلة تزعم أنها تهتمّ بالشعر. لا قيمة فعلية لذلك دون تأطير المواد في سياق وسؤال وإشكال. الإشكال لا يعنى التورط بعدم الرضا عن أي مُنْجَز طُرّاً، ولا ذمّ أي راهن على الإطلاق، ولا تقديم ترجمات وامتداح مبدعيها بالمجان، دون إعلامنا وإنْ باختصار: مَنْ وفي أيّ سياق كُتبت القصيدة وكتب الشاعر.

الإشكال لا يعني قول البداهة، بل مساءلتها في أحيان كثيرة. وهذا كله ما ستسعى إليه ال مجلة في أعدادها القادمة.

جميع مَنْ كتب عن إشكاليات ال شعر الداخلية، وما يَحفّ به من مشكلات ثانوية، كتب بصوت مُنْفرِد وفي منابر متفرّقة. وهذا، حسب رأينا، قد شتّت الانتباه عن الإشكاليات رغم الأهمية القصوى لتلك الأصوات المفردة، وهي كثيرة. كما أن من أقام منابر ومجلاتٍ لمعضلات ال شعر قد أقامها في العالم العربيّ لصالحه ولتكوين معجبين به شخصياً، في أحيان كثيرة.

فوائد العمل المشترك أنها تضع على طاولة واحدة المُوزَّع والمُشتَّت، ولا تستهدف تكوين نواة من المعجبين بشخص المشرف على هذا المشروع بحالٍ من الأحوال".

وعن مفهوم الحوزة، يضيف لعيبي: "لا ترنّ مفردة الحوزة بتردّدات المعنى وظلالها نفسها في الذاكرات العراقية، والقاموسية، والتونسية – المغاربية ثم المصرية. فقد ارتبط مصطلح الحوزة العلمية أو الدينية عند العراقيين بحاضرة النجف ومراجعه الثقافية والروحية. من هنا أيضاً (وليس فقط) هذا الاستخدام الطرفويّ: (الحوزة الشعرية) الذي يسعى لتثبيت مرجعيات روحية دنيويّة، شعريّة، احتجاجاً على اكتظاظ العالم العربيّ بالروائح الدينية عموماً، والسلفية خصوصاً، مع احترامنا لدور الحوزة في تاريخ العراق الثقافيّ.

في القاموس العربيّ يتضح معنى الحوزة وأنت تقرأ: حَوْز الدار وحَيْزها: ما انضمّ إِليها من المَرافِقِ والمنافع. وكل ناحية على حِدَةٍ حَيِّز، بتشديد الياء، وفي الحديث: "فَحَمَى حَوْزَة الإِسلام" أَي حدوده ونواحيه. وفلان مانع لحَوْزَته أَي لما في حَيّزه.

والحَوْزة، فَعْلَةٌ، منه سُمّيت بها الناحية. والتَّحَوُّز: من الحَوزة، وهي الجانب كالتَّنَحِّي من الناحية. والحَوْز موضع يَحُوزه الرجل يَتَّخِذُ حواليه مُسَنَّاةً، والجمع أَحْواز، وهو يَحْمِي حَوْزته أَي ما يليه ويَحُوزه. والحَوْزة الناحية. وحَوْزة المرأَة: فَرْجها؛ وقالت امرأَة: (فَظَلْتُ أَحْثي التُّرْبَ في وجهِه عَني، وأَحْمِي حَوْزَةَ الغائب).

في الذاكرة الثقافية التونسية تتطابق مفردة الأحواز (حوزة)، واسعة الاستخدام، مع القاموس العربيّ: النواحي، وأنت تقرأ كل يوم في المحطة: (قطارات الأحواز). إنها لا تحيل قَطّ إلى النكهة العراقية للمفردة.

نحن إذنْ في الحيّز الشعريّ، مع ظلال ولُويْنات، وفي طرفةٍ مرفوعة بجدية كاملة إلى مصافٍ قاسٍ لا يسعنا فيه إما الذهاب إلى حوزة الشعر، أو القبول بحوزة أقلّ بهاءً.

مجلة (الحوزة الشعرية) مكرّسة للمكتوين بنار الشعر، ويعتبرونه عملهم الوجوديّ الأول، ولا يطلبون سواه".

مادة إعلانية

[x]