متشككون وصفوها بالمدسوسة.. "بوابة الأهرام" تتقصى حقيقة "أحلام" نجيب محفوظ

11-12-2015 | 11:25

نجيب محفوظ مع ابنتيه

 

محمد فايز جاد

يبدو أن الأديب العالمي نجيب محفوظ لا يحب أبدًا أن يصمت، يخشى أن ينساه الناس كما كان يقول دائمًا، وتأبى روحه المتمردة الغياب.


صاحب نوبل، الذي تحل اليوم 11 من ديسمبر ذكرى ميلاده، أبى أن يتوقف عن الكتابة، أو بالأحرى أن يتوقف عن الحياة، لتخرج لنا بعد تسعة أعوام على رحيله أحلام جديدة، وكأن محفوظ يبعث لنا برسالة من العالم الآخر ليخبرنا بأنه ما زال يحلم.

"أحلام فترة النقاهة"، التي أعلنت دار الشروق، صاحبة الحق في نشر أعماله، اكتشافها في سبتمبر الماضي، أثارت كعادة أعمال محفوظ ردود أفعال متباينة، لكن ردود الأفعال جاءت مختلفة هذه المرة، حيث خرجت بعض الأصوات لتشكك في نسبة هذه الأعمال لمحفوظ، قبل أن يقوم أحد الكتاب مؤخرًا باتهام دار الشروق اتهامًا صريحًا بـ"اختلاق الأحلام".

بنى المهاجمون آراءهم على عدة نقاط كان أبرزها أنه لم يعرف عن محفوظ أنه كان يحتفظ بأحلام لم تنشر، بالإضافة إلى ضخامة العدد المنشور حديثًا، الذي يتعدى مائتي حلم، كما أشار البعض إلى أن الأحلام التي كان يمليها محفوظ على سكرتيره، الحاج صبري، كانت موقعة بخط يده، أي خط يد محفوظ، وهو ما لا يتوفر في الأحلام الجديدة، التي نشرت الشروق مخطوطاتها في نهاية الكتاب.

كما دعم بعض المشككين موقفهم بأن الأحلام القديمة تنتهي عند الحلم 239، في حين تبدأ الأحلام الجديدة عند الرقم 200، بالإضافة إلى بعض الأخطاء الإملائية الفادحة، بحسب وصفهم، في المخطوطات.

ورغم أن المخطوطات قدمتها ابنتا محفوظ، بالإضافة إلى شهادة أصدقائه المقربين بأن الأعمال تعود له، فإن هذا الهجوم أثار حالة من البلبلة بين محبي محفوظ، الذين قابلوا أحلامه الجديدة بتشوق كبير.

"هذه الأحلام تعود للأستاذ بلا شك"..
هكذا قال زكي سالم صديق نجيب محفوظ لـ"بوابة الأهرام" حول رأيه في الهجوم على الأحلام الجديدة، مشيرًا إلى أن أي اختلاف في الترقيم هو أمر يعود للمراجعة والطباعة، ولا يدعو للشك حول مصداقية الأحلام.

نشرت "أحلام فترة النقاهة" في البداية مسلسلة في مجلة نصف الدنيا، وذلك بعد توقف محفوظ عن الكتابة لفترة بعد محاولة اغتياله عام 1994، الأمر الذي ترك أثرًا فادحًا على صحته، ولكن محفوظ آثر أن يعود ولو بكتابات بسيطة كانت هي الأحلام.

تقول أمل فوزي رئيس تحرير مجلة نصف الدنيا لـ"بوابة الأهرام" إن محفوظ كتب بخط يده مائة حلم تقريبًا، ثم توقف عن الكتابة بعد ذلك نظرًا للضرر الذي لحق بيده جراء حادثة محاولةالاغتيال، مشيرة إلى أن المخطوطات التي كتبها الحاج صبري بيده لم تحو أخطاء إملائية أو لغوية.

وعن مسألة توقف محفوظ عن الأحلام قالت فوزي: لم يكن لدينا علم بأن الأستاذ توقف عن تدوين الأحلام أو أن ما لدينا كان الدفعة الأخيرة من أحلامه.

"ضجة بلا داعي، ولا أدري لماذا هذا الموقف"..
بهذه الكلمات علقت سناء البيسي، رئيس تحرير مجلة نصف الدنيا في الفترة التي شهدت نشر أحلام محفوظ، على التشكيك في أحلام محفوظة مضيفة: استطعت أن أتعرف على نجيب محفوظ في هذه الكتابات، فشخصيته واضحة في هذه الأحلام التي يتحدث فيها عن أمه وعن زواجه وغيرها من الأحلام.

وأشارت البيسي إلى أن القول الفصل في نسبة هذه الأحلام لمحفوظ يعود للحاج صبري، سكرتير محفوظ، الذي كان ملازما له، حسب قولها، وهو الذي أكد أنه بالفعل كتب هذه الأحلام بعد أن أملاها عليه نجيب محفوظ، وشهد بذلك خلال فترة تقصي دار الشروق للحقيقة.

تنفي البيسي مسألة توقيع محفوظ على المخطوطات التي كتبها الحاج صبري، مؤكدة أن محفوظ لم يوقع أيا من الأحلام، وتذهب إلى أنه لم يكن توقف عن تدوين الأحلام قائلة: الحاج صبري أخبرنا أن هناك درجا مكتظا بالأحلام التي لم تنشر بعد.

هذه الشهادة تقودنا إلى شهادة الشاعر أحمد الشهاوي نائب رئيس تحرير مجلة نصف الدنيا، الذي كان موكلا بمهمة التواصل مع نجيب محفوظ وطلب الأعمال المطلوب نشرها.

من جانبه قال الشهاوي: أستبعد أن تدس ابنتاه كتابات ليست لوالدهما.

ويضيف الشهاوي: عندما كنت أهاتفه طالبا منه أحلاما جديدة للنشر في المجلة، التي كنت أصدر بها العدد وأضعها على الغلاف، كان يقول لي "أحتفظ بما لدي من كتابات وأقرر متى أرسلها حتى لا ينساني القراء".

يوضح الشهاوي أن أحلام نجيب محفوظ مرت بمرحلتين، وهما مرحلة تجريب اليد، حسب وصفه، تلك التي كتبها محفوظ بيده، والأخرى هي مرحلة الإملاء، حيث كان يملي أحلامه على سكرتيره الحاج صبري، وفي تلك المرحلة، يقول، كان خطه مرتعشا وملتبسا على من يقرأ المخطوط، وهو ما سبب لنا ارتباكا.

ويضيف الشهاوي أن محفوظ لم ينشر في نصف الدنيا أحلاما فقط، إنما نشر كذلك قصصا قصيرة قائلا: أذكر أن القصة الأولى التي نشرها لدينا كانت إحدى القصص الطوال، وكان ذلك بتاريخ 1990، وظل ينشر حتى 1994 قصصا طويلة، ثم بعد الحادث بدأ يتجه إلى الوجهة الأخرى في الكتابة.

وحول مسألة الأخطاء الإملائية في المخطوطات يقول: ما نشرناه من أحلام في "نصف الدنيا" أصابه بعض "العوار"، وهذه ليست مشكلتنا ولم نكن سببا فيها، فقد كانت الأحلام تأتينا فيها بعض المفردات التي لم نستطع قراءتها، فكنا نجتمع لتأويل الكلمة، أو نفسرها، أو نغيرها بكلمة أخرى، بعد الرجوع إلى نجيب محفوظ.

وأردف: للتاريخ، هناك مفردات كثيرة تم تغييرها في الأحلام التي نشرناها.

هذه "المعاناة" مع المخطوطات التي يتحدث عنها الشهاوي ربما تقدم تفسيرا لمشكلة المخطوطات الجديدة التي قدمتها الشروق، والتي بنى المهاجمون رأيهم عليها، مستندين على الأخطاء الموجودة ببعض الكلمات.

يرى الشهاوي أن ما نشر في "نصف الدنيا" لم يكن هو كل ما في جعبة محفوظ من أحلام قائلا: ما أعرفه شخصيا أن هناك أحلاما كانت لدى نجيب محفوظ.

ويضيف: كان محفوظ منذ يناير 1990 يرسل إلينا أصول ما يكتب، بعد ذلك صار يرسل صورا ضوئية للمخطوطات مع الحاج صبري، فلا أستبعد أن تكون هناك أحلام، ولكن مسألة العدد أمر لا أستطيع أن أفتي فيه.

وعن سبب عدم نشر المجلة لهذه الأحلام يقول: هاتفت زوجته فكانت تؤجل طلبي، ثم وسطت الحاج صبري فكانت ترجئ الأمر، بعد ذلك نفضت يدي.

ويتابع: أرادت أن تبيعها بمبلغ كبير، فعرضت الأمر على إدارة الأهرام فتم الرفض؛ لأن الأمر كان فيه "مبالغة".

شهادة الشهاوي، بجانب ترجيحها القوي لوجود الأحلام، تدفعنا في طريق احتمال آخر، وهو وجود قصص قصيرة لم تنشر لمحفوظ بعد، وذلك بناء على سياسته التي اعتمدت على الاحتفاظ ببعض كتابته لتكون بمثابة "مخزون" يستطيع أن يستغله للبقاء في الصورة، وهو الأمر الذي دفعه منذ شبابه لكتابة القصة في الأصل، حيث عرف أنه أنه لم يكن ميالا للقصة بقدر ميله للرواية، وإنما كتب القصة وراح ينشر بضع قصص في إحدى المجلات على فترات حتى يحقق نوعا من الاستمرارية.

ربما يحوي بيت نجيب محفوظ كنزا من الأعمال التي لم تنشر، التي يتحرق الجمهور شوقا للاطلاع على عمل واحد منها، ومن العبث أن يبقى مكتبه، بل وبيته بأكمله مكانا يكتنفه الغموض، وتحيط به التخرصات والتنبؤات، فمحفوظ جزء من تاريخ هذه الأمة، وأخشى ما يخشاه محبوه أن نصحو ذات صباح على خبر ضياع أو تبدد هذا الكنز لأي سبب ما.

الأكثر قراءة