الأردني صبحي فحماوي يكتب: ماذا لو انقطع بث الإنترنت "من عندهم"؟

12-12-2015 | 11:04

صبحي فحماوي

 

المصيبة أننا نضع الآن كل بيضنا الثقافي والمعرفي والتوثيقي العربي والعلوم والفنون في سلة ميكروسوفت، المشكورة طبعاً لأنها نقلتنا من ظلام الجهل بما يدور في هذا الكون، إلى النور! لكن الخوف أن يكون هذا النور، هو الذي تحترق به الفراشة الهائمة حوله، والمبهورة به! وأين المشكلة في ذلك؟


إذا أردت أن تعرف المشكلة، فلتقرأ هذا الخبر الذي صدر في جريدة الأهرام يوم 31– 1- 2008: "أصيبت شبكة الإنترنت الدولية في مصر أمس بشلل جزئي بسبب قطع في كابلات الاتصالات البحرية للألياف الضوئية في البحر المتوسط‏،‏ ووصلت نسبة التعطل في مصر إلى 70 %، وبالإضافة إلى ذلك تأثرت المكالمات التليفونية مع أوروبا وأمريكا‏، كما تأثرت حركة التداول داخل البورصة المصرية‏.‏

ولم يتم بعد تحديد سبب القطع بطريقة نهائية‏.‏ وأكدت الشركات العالمية‏، التي تقوم بتقديم الخدمة‏،‏ أن التأثير شمل دولاً عربية كثيرة في المنطقة وخارجها بدرجات متفاوتة‏، حيث وصل الانقطاع في بعضها إلي صورة شبه كاملة لخدمات الإنترنت‏. وقامت الشركة المصرية للاتصالات بالاتصال مع الشركات العالمية المالكة لهذه الكابلات‏، لبدء إجراءات إصلاح العطل‏،‏ والانقطاع الذي ينتظر أن يأخذ عدة أيام حتى تعود الخدمة لمستواها الطبيعي‏".

إلى هنا انتهى الخبر. معنى ذلك أن هناك احتمالاً أن تنقطع عنا هذه الاتصالات في يوم من الأيام، سواء بسبب بريء، أو سبب متعمد، فالحروب المستقبلية، هي حروب إلكترونية ساحقة ماحقة ، دون قنابل نووية أو متفجرات، أو طائرات أباتشي تقتل الأبرياء، وعندما يكون كل شيء معتمداً على الإلكترونيات والإنترنت والاتصالات الفضائية ، المتمركزة هناك عند "الخواجة العولمي"، فيستطيع بضغطة زر "بريئة" أن يقول الخواجة لك : انتهى الدرس يا غبي.. طبعاً الغبي ليس أنت، وإنما الجمل العربي الذي تقوده هرة!

دعنا نفترض حسن النية، فنقول: إن العطل كان مفاجئاً وبريئاً.. طيب وتصليح العطل ليس عند العرب، بل هو عند "الخواجة العولمي".

كان في إذاعة (صوت العرب من القاهرة) أيام زمان ، برنامج فكاهي "للخواجة خريستو وأبو لمعة"، بعنوان (الصندوق). والبرنامج الفكاهي المعتمد على التبجح والتفاخر الكاذب ، يبدأ بأغنية تقول: "سرقوا الصندوق يا ابو لمعة"، فيرد عليهم أبو لمعة مغنياً: "لكن مفتاحه معايا".

لكن في حالتنا، حتى المفتاح ليس مع (أبو لمعة)، بل هو مع "الخواجة خريستو"! فلو وقعنا في سوء تفاهم مع "الخواجة خريستو"، وأخذ صندوق الإنترنت ومفتاحه معه، فكيف سنعمل العمليات الجراحية في المستشفيات العربية التي ستكون من خلال الكمبيوتر؟ وكيف ستطير الطائرات العربية ، التي تطير حالياً بالكمبيوتر ؟ وكيف نتعلم العلوم والفنون التي ستكون لاحقاً بلا مدارس ولا جامعات ، بل يتم التعليم كله بالكمبيوتر؟

المطلوب من جامعة الدول العربية "التي تعيش في القرن التاسع عشر"، أن تنتبه إلى هذه المأساة العربية الساحقة الماحقة، إذا تمت ، لا سمح الله . وأن تؤسس للعرب مركزاً، أو بؤرة تكنولوجية عربية مستقلة ، تستطيع أن تحمي الموروث الحضاري العربي من الاندثار تحت سنابك "الخواجة خريستو".

وهذا ليس كلامًا أو فعلاً جديدًا علينا، فليست تجربة انقطاع الاتصالات التي تمت سوى (بروفة) سيواجه شباب المستقبل كارثة لا مثيل لها، إذا استمروا في الاعتماد على "الخواجة"، في الذهاب بعيداً بهذه السلة، التي تحوي كل البيض الحضاري العربي!

ولنا في التاريخ عبرة، فحينما احتدم الصراع الروماني المصري على شواطىء إسكندرية كليوبترا عام250 تقريباً قبل الميلاد، تكرر حرق القياصرة (يوليوس قيصر، وأوكتافيوس قيصر، وحفيدهم أغوسطوس قيصر) الذي استوى على عرش مصر آنذاك، فأول إنجاز حققه ضد حضارة الشرق، كان إتمامه حرق ما لم يحرق من مكتبة الإسكندرية ، فأنهى بذلك آخر عصر من عصور الفراعنة، (البطالسة)..

الذي حصل أن حرق مكتبة الإسكندرية أنهى كل موروثات الحضارة الفرعونية والكنعانية والفارسية التي كانت مختبئة داخل أوراق كتب مكتبة الإسكندرية..انتهت حضارة الشرق ، وانتهت اللغة الهيروغليفية بتلك الضربة الساحقة الماحقة!

لا أريد الإطالة.. فلقد أوجعني قلبي وأنا أتخيل "ماذا لو سرق الخواجة خريستو الصندوق، ومفتاحه معاً؟".

الأكثر قراءة