المقهى الثقافي

رانيا الحسيني تكتب: عن "تولستوي" و"السادات" و"تراتيل السلام"

11-11-2015 | 20:15

رانيا الحسينى

"وقد جئت إليكم اليوم على قدمين ثابتتين لكي نبني حياة جديدة، لكي نقيم السلام وكلنا على هذه الأرض، أرض الله، كلنا - من مسلمين ومسيحيين ويهود - نعبد الله ولا نشرك به أحدا، وتعاليم الله ووصاياه هي حب وصدق وطهارة وسلام".


كانت هذه بعض كلمات الرئيس الراحل محمد أنور السادات أمام الكنيست الإسرائيلي، بعد انتصار أكتوبر 1973 وتحرير أراضي سيناء.

وفي ظل التحديات التي تواجه مصر هذه الأيام، بل الوطن العربي بأكمله، كان لابد لنا أن نطرح قضية الحرب والسلام.

لقد أضحت الحروب لا تعتمد بشكل كلي على المواجهة العسكرية، بل إن هناك ماهو أكثر ضراوة، وأعمق تاثيرا، بدءا من الحرب النفسية، والحصار الاقتصادي، الذي يبدأ بتهيئة الظروف والملابسات، التي تخضع بها الدولة للقوى العظمى، وهذا هو مضمون الحديث الدائر بين كل طبقات الشعب المصري، الذي يتابع بكل اهتمام تبعات حادث الطائرة الروسية، وكلنا يترقب حقيقة ما حدث وما يشير إليه الإعلام الأجنبي، من ضلوع الإرهاب في هذا الموضوع.
وقبل التحقق من النتائج بدأت دول الغرب في سحب رعاياها من مدينة شرم الشيخ "مدينة السلام".

وبعيدًا عن الحادث ومكنوناته، لم أستطع أن أنفصل عن واقع يحيط بي. لنتحدث سويا عن إحدى أعظم الروايات العالمية.

"الحرب والسلام" للكاتب الروسي العظيم تولستوي. إن تولستوي الذي عاش قرابة 82 عاما، لم يكن مجرد كاتب بل هو مفكر وفليسوف وثوري. إنه الباحث عن الحقيقة.

نشرت هذه الراوية لأول مرة عام 1865 وفيها يعكس لنا قصةالمجتمع الروسي في عهد نابليون بونابرت, وبالرغم من كل ماتناولته الراوية من تفاصيل للحرب، فإنها تحمل بين طياتها حب الحياة، الذي يعتبره تولستوي هو المعادل الموضوعي أمام مأساة الحرب.

ومابين سرد الوقائع والأحداث التاريخية عكس الكاتب مواقف مختلف فئات الشعب, وأولى اهتماما بالغا لدور الشعب من خلال إبراز دور المقاومة الشعبية، بخاصة بعد معركة بوردينو التي تمثل نقطة تحول في مجرى الحرب.

تتكون الراوية من 4 كتب تحوي 15 جزءا، أما عن الشخصيات فقد تنوعت مابين شخصيات تاريخية وأخرى تخدم سياق الراوية، ومن أهم الشخصيات نجد شخصية القائد الفرنسي نابليون بونابرت، ذلك الذي اعتبره الكاتب مجرد أداة لامعنى لها في يد التاريخ والجنرال الروسي كورتوزوف رمز الأرض الروسية، أما الأمير أندريه وبيير، ومع كل سطر يتوصل القارئ إلى أنهما جانب من شخصيه الكاتب نفسه.


احتوت الراوية على عدة مقالات تتحدث عن طبيعة الحرب بطريقة يتحدى بها تولستوي الكتابة التقليدية للراوية. تدور أحداث الراوية في مطلع القرن 19، وتعكس العديد من الأحداث الهامة في التاريخ الروسي أثناء احتلال فرنسا لروسيا، من أهمها حريق موسكو الذي نصل به لذروة الأحداث وللحبكة الدرامية, فبعد أن احترقت موسكو بالكامل، وساد الدمار كل أرجائها إيذانا بانتصار نابليون.

لكن تولستوي يفاجئنا بصورة القائد الفرنسي المنهار والحالة النفسية التي وصلت إليها قواته, فالخسارة الإنسانية التي تخلفها الحرب لايضاهيها أي انتصار، لهذا فليس غريبا أن تكون لغة الراوية هي الفرنسية فهذا ليس إلا انعكاسا للواقع؛ لأن الطبقات الأروستقراطية التي كان لها الدور البارز في الراويي كانت تتحدث الفرنسية، إلى جانب هدفها الرئيس بتصوير وتجسيد نابليون؛ فهناك دائما مقصد وراء استخدام الفرنسية لتوصيف المكر والخداع في حين كانت الروسية لغة الصدق والجدية. وبتوالي الأحداث نلمس فقر استخدامه للفرنسية في أواخر النص، وهذه إحدى طرقه الذكية لإظهار أن روسيا حررت نفسها من الهيمنة الفرنسية.

لقد هاجم تولستوي الحرب على لسان أبطاله؛ فهي بالنسبة له ظاهرة معادية للطبيعة الإنسانية، وبالرغم من أن هذه الراوية فيها الكثير من الأحداث الدرامية، بين قتل ودماء، فإن السلام يخترق نسيج الراوية، وهذا هو الذي دعا إليه هذا الفيلسوف العظيم بنبذ الحروب والصراعات، وعدم مقاومة الشر بالعنف.

وليس غريبا أن يكون إعجابه بالرسول، صلى الله عليه وسلم، لما وجد في رسالته من دعوة للحب والسلام "إن النبي محمد من عظام الرجال المصلحين، ويكفيه فخرا أن هدى أمه برمتها إلى الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام".

وتتوالى الأحداث بانسحاب نابليون في النهاية أمام برد روسيا القارس، بعدما تم استدراجه إلى العمق الروسي دون وجود إمدادات مناسبة مع اقتراب الشتاء, فظل شهرا في موسكو متوقعا استسلام القيادة الروسية، ولكن الإرادة والروح الروسية هما اللتان انتصرتا في النهاية.

لقد أراد تولستوي أن يقول لنا: إن حربا تقتل ملايين البشر لايمكن أن تكون إرادة فرد واحد.

وأخيرا نقول: وبالرغم من مرور قرابة قرن ونصف القرن على هذه الراوية، فإن تولستوي استطاع أن يخلق مابين أوراقه روحا كامنة، تنبض بالحياة، تنتظر كل من يقلب أوراق كل هذا الكتاب، وهو مايجب أن نستوعبه جيدا:

"يا أيتها الأم الثكلى، ويا أيتها الزوجة المترملة، ويا أيها الابن الذي فقد الأخ والأب. يا كل ضحايا الحروب، املأوا الأرض والفضاء بتراتيل السلام، املأوا الصدور والقلوب بآمال السلام، اجعلوا الأمل دستور عمل ونضال. وإرادة الشعوب هي من إرادة الله" (محمد أنور السادات).

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة