خليل الجيزاوي يكتب لـ"بوابة الأهرام": أهمية الفعل الثقافي

25-10-2015 | 11:13

خليل الجيزاوي

 

ما أثر ما تنتجه الحركة الثقافية على الشارع المصري والعربي؟ وهل بالفعل تؤثر الحركة الثقافية ولها تأثير فاعل بين الناس البسطاء؟ أم لا تزال الدائرة تضيق وتضيق على مجموعة النخبة المثقفة وحدها؟


إن المُتابع المُنصف للشأن الثقافي يُصاب بالكثير من الإحباط والحسرة والألم وهو يرى ضعف الإقبال على الندوات في المحافل الأدبية، مثل نادي القصة بالقاهرة على سبيل المثال، وجمعية الأدباء، وندوات اتحاد كُتاب مصر، وحتى في الفعاليات الثقافية التي تقام على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام.

هذا الإقبال الضعيف من جمهور القراء والمتابعين للشأن الأدبي يدل على غياب تام للوعي الثقافي وأهميته وقيمته في الحياة بشكل عام، ويدل كذلك على غياب أو ضعف منظومة الإعلام الرسمي عند الإعلان عن مثل هذه الندوات؛ لأن عدم الإعلان عنها بوقت كاف، وفي وسائل مرئية ذات تأثير مشاهدة كبير في القنوات الفضائية ذات التأثير الأقوى والأكبر على جمهور المشاهدين، يجعل مثل هذه البرامج الثقافية لا فائدة منها.

وممّا يدعو للأسف أن تجد مواعيد إذاعة الكثير من البرامج الثقافية بالتليفزيون المصري تذاع بعد الثانية والثالثة فجرًا، ولم يسأل السيد المثقف الكبير وهو يوزع خريطة البرامج الثقافية نفسه سؤالا واحدًا: إلي من توجه مثل هذه البرامج في الساعات المتأخرة من الليل؟ أم أن إزاحة وزحزحة مواعيد إذاعة البرامج الثقافية إلي وقت مُتأخر هو ملء مساحات على شاشة التلفزيون فقط؟ أو لحساب برامج أخرى يعتقد السيد المثقف الكبير أن إذاعتها أهم بكثير من البرامج الثقافية..

والنتيجة المؤسفة أن معرفة البسطاء بالثقافة باتت مثل ثقافة الفيشار لا تسمن ولا تغني من شبع أو تسد جوعًا، اللهم إلا عددًا محدودًا جدًا من البرامج الثقافية، لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة التي يمكن مشاهدتها والاستفادة منها في أوقات ذروة المشاهدة.

إن الجماعة الثقافية هي التي تُشكل القوة الناعمة في بناء هذا الوطن، وهي التي تُسهم بشكل كبير في إعادة تشكيل الوجدان المصري، هكذا كان تأثير روايات عميد الرواية العربية نجيب محفوظ كبيرًا كبيرًا، بخاصة بعد تحويل معظم رواياته إلى أفلام سينمائية أو مسلسلات تليفزيونية شاهدها الملايين، ليس في مصر وحدها، بل في كل البلاد العربية، وكذلك كان تأثير شعر نزار قباني ، وروايات إحسان عبد القدوس ، وقصص الدكتور يوسف إدريس، ومن قبل كل هذا كانت أغاني سيدة الغناء العربي أم كلثوم تُعيد تشكيل وجدان وعواطف المستمعين والمشاهدين، بل تُعيد بناء حياة الملايين بناءً عاطفيًا واجتماعيًا في كل البلاد العربية.

هذا التأثير الكبير ـ تأثير الجماعة الثقافية ـ بات يتراجع كثيرًا خلال السنوات الأخيرة؛ لتغير الحالة المزاجية نظرًا للتغيير السريع واللاهث لتكنولوجيا العصر من سموات مفتوحة، ودخولنا عصر الإنترنت، وظهور شبكات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، توتير، الواتس آب) حتى بات العالم كله مثل قرية كونية صغيرة في يد محرك البحث بين يدي الشباب، وهكذا انكفأ معظم أفراد جيل الشباب بين غرف الشات، وودعوا آليات الثقافة التي ثقفت جيل الآباء والأجداد، وتحولت مقولة صراع الأجيال إلى القطيعة بين جيل الشباب وجيل الآباء والأجداد، وعندما تحاول أن تتدخل لتوجيه ثقافة أولادك تجد مقاومة كبيرة واعتراضًا هائلًا، وكأنك قادم من كوكب بعيد: ياااااااااه يابابا أنت قديم قوى!

والسؤال المشروع الآن: هل في الأفق بارقة أمل نحو التغيير؟ أو بصيص نور يُعيد تشكيل بناء جيل الشباب؟
أعتقد أن الأفق يحمل الكثير من رؤى التغيير، والكثير من آليات تفعيل العمل الثقافي.

وليسمح لي القارئ الكريم أن أطرح هذه الرؤية نحو أهمية الفعل الثقافي.

أولا: لابد من تفعيل بروتوكولات التعاون بين وزارة الثقافة وجميع الوزارات الخدمية، مثل وزارة التعليم، والشباب والرياضة، والتضامن الاجتماعي، والآثار، والاتصالات، والأوقاف، والتعليم العالي، تفعيلا حقيقيًا يُحول الأفكار الورقية إلى واقع معيش وملموس يشعر به الموطن من خلال تقديم خدمة ثقافية متميزة في كل مسجد وكنيسة ومركز شباب، وفي كل قصر ثقافة، وفي كل مدرسة أو معهد أو كلية أو جامعة في كل محافظات مصر، بشرط أن تتحول هذه المراكز إلي خلية نحل وشعلة نشاط على مدار العام كله، وعلى فترات صباحية ومسائية تتناسب مع ظروف وأحوال الناس المعيشية؛ لتصبح هذه الأندية والمراكز الشبابية والدينية، وقصور الثقافة، مراكز إشعاع حضارية وثقافية، وكأنها مسرح كبير تقام عليه وتقدم لهم كل الوجبات الثقافية المتنوعة والمتباينة لتشمل كل الفئات العمرية من أجيال شباب هذه الأمة.

ثانيًا: اعتبار مشروع القراءة للجميع مشروعًا قوميًا، تطبع منه آلاف الطبعات وملايين النسخ وتقدم نسخ هذه الكتب مجانًا وتوزع على جميع المراكز الثقافية والشبابية والدينية، وعند طرحها للبيع للجمهور تباع بأسعار رمزية جدًا (من جنيه واحد إلى خمسة جنيهات) باعتبار أن الكتاب الثقافي خدمة ثقافية وحق لكل مواطن، وهذا يتطلب من الحكومة إلغاء كافة الضرائب على مستلزمات الطباعة المستوردة من ورق وأحبار وماكينات، على اعتبار أن نشر الثقافة ونشر الكتاب المطبوع مثل الماء والهواء حق لكل مواطن كما قال الدكتور طه حسين: إن التعليم مثل الماء والهواء.

ثالثًا: الاهتمام بثقافة الطفل خلال السنوات الدراسية الأولى بخاصة مرحلة التعليم الأساسي (الابتدائية والإعدادية) وأن تعود حصص القراءة المفتوحة لكل السنوات الدراسية ودعوة الأدباء والشعراء ليشاركوا التلاميذ هذه الحصص حتى تكون الفائدة أعم وأشمل، وأن تكون حصة القراءة حصة أساسية ويقدر لها درجات أو أعمال سنة تُضاف للمجموع الكلي آخر العام؛ لتجد قبولا واهتمامًا من الطلبة والطالبات، وكذلك يُخصص لها سؤالا أو سؤالين في امتحان اللغة العربية آخر السنة، مثلا:

اكتب ملخصًا لكتاب قرأته في مكتبة المدرسة وأعجبت به، أو اذكر أسماء خمس روايات صدرت خلال هذا العام أو خمسة دواوين شعرية، أو خمس مسرحيات، أو خمسة كتب أطفال وهكذا.

وأخيرًا، إن أهمية الفعل الثقافي والحاجة إليه باتت حقيقة مؤكدة في ظل انتشار ظاهرة الإرهاب الأسود الذي انتشر في أرض خصبة نتيجة تراجع الفعل الثقافي، وتدني مستوى الخطاب بين الأجيال، وانتشار ظاهرة العنف، وتقليد الشباب للنماذج التي تقدمها الأفلام الهابطة التي تقدم خلطة الراقصة والمدمن والبلطجي، وهي النماذج التي انتشرت سريعًا عقب ثورة 25 يناير 2011، كل هذا يؤكد أهمية الفعل الثقافي ومدى الحاجة إليه، إذا خلصت النوايا نحو التغيير الحقيقي في محاولة جادة لإعادة بناء أجيال جديدة من الشباب.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]