رانيا الحسيني تكتب: "دستوفيسكي" نموذجًا للإبداع الذي انتصر على المرض

3-10-2015 | 10:02

رانيا الحسيني

 

امتدت العلاقات المصرية الروسية عقودًا طويلة على مدار التاريخ، إﻻ أن النصيب الأكبر للتغطية الإعلامية كان للجانب السياسي بين البلدين، بخاصة أثناء الحقبة الناصرية؛ باعتبار الدب الروسي الشريك والراعي الأكبر للتسليح في الجيش المصري.


هي نظرة قاصرة أهملت جوانب أخرى أكثر تأثيرًا على حياة الشعوب؛ فالجانب الأدبي ﻻيقل أهمية عن الجانب السياسي، بل هو بمثابة بطاقة التعارف بين حضارتين تفصلهما آﻻف الأميال.

لهذا كان لزامًا علينا أن نسلط الضوء على الأدب الروسي، الذي هو ليس ببعيد عن مسامع مجتمعنا المصري؛ حيث قدمت السينما المصرية العديد من الأعمال الفنية المستوحاة من روائع الأدب الروسي، من أهمها فيلم "نهر الحب" لعمر الشريف وفاتن حمامة عن رواية "آنا كارنينا" لتولستوي؛ وأيضا رواية "الإخوة كرامازوف" للأديب العظيم دستوفيسكي؛ الذي نحن بصدد الحديث عنه.

هذه الرواية عرضت في السينما تحت اسم "الإخوة الأعداء"، علاوة على رائعته "الجريمة والعقاب"، التي عرضت في السينما المصرية بعنوان "سونيا والمجنون".

يأتي هذا المقال متزامنًا مع استعدادات المركز القومي للترجمة لطرح الطبعة الثانية لـ"مذكرات زوجة دستوفيسكي". هذا الكتاب هو تجسيد للسيرة الذاتية للأديب الروسي العالمي دستوفيسكي بقلم زوجته "آنا غريفورينا"، التي تروي بكل دقة قصة حياته الحافلة بالإبداع الممزوج بآﻻم المرض.

لقد نجحت هذه الزوجة الوفية في أن تلفت انتباه الجميع إلى جوانب مضيئة في حياة زوجها، التي تكاد تكون مجهولة لأحد القامات الروائية في تاريخ الأدب الروسي والعالمي؛ فدستوفيسكي هو أشهر مرضى الصرع، الذي عانى منه منذ نعومة أظافره.

لقد وقع اختيارنا على هذا الكاتب باعتباره نموذجًا رائعًا للتحدي والإصرار، وهو من خلق من محنته منحة ممزوجة بالإبداع. لم يستسلم ﻵﻻم المرض، ولم ينزو عن مجتمعه، ولم يتقوقع داخل حجرته، بل استطاع أن يترجم لنا تجربته المريرة مع هذا المرض من خلال أربع شخصيات لعبت كل منها دورًا محوريَا في أحداث روايتها.

ففي رواية"الأبله" نجح في التعمق داخل مشاعر مريض الصرع متجسدًا في شخصية "الأمير مشكين"، ثم شخصية "كيريلوف" في روايته الشياطين، وأيضا شخصية "سميردياكوف" في رائعته "الإخوة كرامازوف"، وأخيرًا "تيلي" في رواية "المهان والمجروح".

كما أشارت صفحات هذا الكتاب إلى التجربة القاسية التي مر بها دستوفيسكي بعد حكم الإعدام الذي صدر ضده من القيصر "نيقوﻻ الأول"؛ باعتباره أحد أعضاء الحركة الثورية، التي كانت تنادي بإلغاء الرق وتطبيق العدالة في المجتمع الروسي.

وبالرغم من إيقاف تنفيذ هذا الحكم الجائر، فإن تبعات التوتر النفسي لمريض الصرع تفاقمت في حالته. إﻻ أن ما اعتقده الكثيرون من أنها صفحة النهاية لهذا الشخص كانت نظرة ساذجة. إنها شخصية متشبثة بالحياة، اعتبرت أن الأقدار أتاحت لها فرصة جديدة ﻻستثمار كل لحظة قادمة في طريق التألق والإبداع، وهذا ما وصفه بيلنيسكي (أحد أبرز النقاد الروس):
"سيأتي على روسيا روائيون كثيرون وستنسى روسيا معظمهم، أما أنت فلن تنساك روسيا أبدًا، لأنك روائي عظيم المجد والشرف، الذي تعشق آلهة وحيه سكان الشقوق والأقبية، وتقول فيهم لأصحاب القصور الذهبية: هؤﻻء بشر مثلكم، هؤﻻء إخوانكم".

نسعد كثيرا بالتراجم التي تقدم لنا نماذج رائعة من الشعوب الأخرى؛ نماذج لمبدعين بحثوا عن الحقيقة الأصيلة للحياة، التي قد تصبح نقطة مضيئة تغير كثيرًا في حياة الآخر.

الأكثر قراءة