||||Specified argument was out of the range of valid values. Parameter name: startIndex أحمد طوسون يكتب لـ بوابة الأهرام : تسيير العمل.. وأزمة الثقافة المصرية - بوابة الأهرام بوابة الأهرام

أحمد طوسون يكتب لـ"بوابة الأهرام": تسيير العمل.. وأزمة الثقافة المصرية

4-8-2015 | 13:05

أحمد طوسون

 

نحن نعيش في أجواء الأزمة.. اتهامات هنا ووعيد هناك، حرب ضروس يخوضها فريقان لم تطلق صفارة بدايتها اليوم، ولا ترتبط بشخص وزير الثقافة الحالي د.عبدالواحد النبوي، أو بشخص د.أحمد مجاهد رئيس هيئة الكتاب السابق الذي انتهى انتدابه الشهر الماضي ولم يجدد له الوزير.

جذور الأزمة نبتت أثناء تولي فاروق حسني وزارة الثقافة فترة حكم مبارك، الفترة التي رسخت لمنطق التوريث في كافة قطاعات الدولة، وصنعت منه مناخا عاما.

ولعله من نافلة القول إن مفهوم التوريث لا يقتصر على الأهل والأبناء، وإنما يمتد إلى جماعات المصالح التي تربت في حضن المؤسسات وصارت المؤثر الأكبر في صناعة القرار بما تشكله من قوى ضغط.

نال فاروق حسني القسط الأكبر من انتقاداتنا إبان توليه حقيبة الثقافة رغم إنجازاته الواضحة في البنية التحتية من مبان ومتاحف ومضاعفة ميزانيات الثقافة، بزعم أنه أهمل بناء الإنسان.. ومن الإنصاف الآن أن نعترف أن تلك المسئولية لا يتحملها وزير الثقافة وحده، بقدر ما هي مسئولية وإرادة دولة بكافة مؤسساتها، لكن الجرم الأكبر الذي ارتكبه فاروق حسني (بإرادته أو بإرادة الدولة) هو الترسيخ لمبدأ التسيير الوظيفي للعمل وأبدية المنصب العام، وما تولد عن ذلك من غياب الكفاءات الإدارية الجديدة، وأن تتفشى الشيخوخة في مفاصل الجهاز الإداري للمؤسسة.

.. على التوازي، نجحت مؤسسة الثقافة في استقطاب عدد من مثقفي النخبة للدوران في فلكها فيما عرف بتدجين المثقف.. الظاهرة التي وصفها فاروق حسني نفسه بالحظيرة الثقافية.. لكن هذه الحظيرة لم تعتد بكثير من المثقفين خارج العاصمة استهانة بدورهم أو اكتفاءً بما صوره الفريق الستيني وتلامذته من قدرتهم على صدارة المشهد في كل حالاته وإن تغيرت الآليات وتطورت، دون رصد لفوران الثقافة بعيدا عن العاصمة في العقود الثلاثة الأخيرة وهو ما تبدى تجليه الأوضح في مؤتمر أدباء مصر، والذي أعتقد بعض منظري ثقافة الحظيرة أنه الامتداد الطبيعي للحظيرة الثقافية المناسب لأدباء الأقاليم بعيدا عن الحظيرة الأم الكائنة بساحة الأوبرا.

وتغافل هؤلاء أن المؤتمر العام صنيعة الأدباء ولم يكن صنيعة المؤسسة، وأن طبيعة الآليات الديمقراطية لاختيار أعضائه كفلت له نوعا من التغيير وتجدد الدماء الذي لا نلحظه في كيانات أخرى كلجان المجلس الأعلى للثقافة على سبيل المثال.

ربما انتبهت الدولة مؤخرا للثقب الكبير في مفهوم الحظيرة الثقافية وبخاصة عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير التي تجلت مشاهده في استقطاب عدد كبير من أدباء الأقاليم من قبل وزير ثقافة الإخوان علاء عبدالعزيز في أزمة الثقافة إبان فترة حكم الإخوان.

نجحت النخبة الثقافية في الوقوف ضد علاء عبدالعزيز وأخونة الثقافة ليس بسبب قوتها، وهو ما يعرفه أولي الشأن وإنما بسبب المناخ العام الذي لم يقبل بأخونة الدولة المصرية العريقة وهو ما تجلى واضحا في ثورة 30 يونيو.

الانتباه لحقيقة الثقب وضرورة علاجه دفع الدولة إلى تغييرات يقف أقطاب نخب فاروق حسني وجماعات المصالح ضدها دون وعي بخطورة المشهد الأحادي الذي يحرصون على عدم المساس به.

الأزمة الثقافية لا تمثل خطورة على الثقافة وحدها وإنما خطورتها تمتد لكافة مناحي الحياة.. فلن ننشد تغييرا حقيقيا للوطن إن لم يحدث على المستوى الثقافى أولا.

ولعل أول وأهم الأمراض التي تتفشى ثقافيا الحديث عن تسيير العمل على أنه ضرب من ضروب الإنجاز، والتغافل عن السلبيات الواضحة في جسد المؤسسة الثقافية..

فعلى سبيل المثال تمارس هيئة قصور الثقافة ندواتها ومؤتمراتها بنمطية أفقدت حتى المشاركين في أنشطتها حماسهم الذي كان نظرا لعدم وجود آليات أو رؤى جديدة للأنشطة تتناسب مع العصر وتصل إلى المستهدفين بالخدمة الثقافية، كما أن لجان المجلس الأعلى للثقافة باتت مكلمة لا أكثر لتفريغ طاقات أعضائها دون المشاركة الحقيقية في وضع ورسم الاستراتيجيات الثقافية.

والوضع نفسه بالنسبة لهيئة الكتاب، فرغم التطور الهائل في الطباعة تصدمك إصدارات الهيئة من حيث التصميم والإخراج الفني والجمالي لشكل الكتاب بما لا يليق بالمؤسسة الأكبر للنشر في دولة بحجم مصر ودورها الثقافي بالمنطقة.

والمؤلم للنفس رغم انتقاداتنا للقيادات السابقة وقت وجودها في مناصبها إلا أننا صرنا نترحم على أيام سمير سرحان، وحسين مهران، وجابر عصفور أثناء قيادتهم لهيئات وزارة الثقافة الثلاث.

الأصوات الزاعقة التي تنتفض الآن تفتقد للمصداقية لأنها لم تقترب من قريب أو بعيد من مشاكل مصر الثقافية، ولأنها كانت وما زالت وستظل مؤيدة للجمود وتصلب الشرايين الذي أصاب المؤسسة الثقافية.

أزمة الثقافة الحقيقية في ظني أن المؤسسة الثقافية بهيئاتها صارت مؤسسة تسيير عمل لا أكثر، وصار هذا النهج منجزها الأكبر حتى تراجع الدور الثقافي المصري وافتقدت لرؤية جديدة تناسب العصر، ولصناعة ثقافة تناسب قدر مصر ومكانتها.