في ذكرى ميلاده.. "بوابة الأهرام" تنشر نصوصًا جديدة للراحل مصطفى الأسمر بعنوان "حكايات عن القطط"

25-6-2015 | 17:30

مصطفى الأسمر

 

بوابة الأهرام

"حكايات عن القطط"، نصوص غير منشورة من قبل للقاص والروائي الراحل مصطفى الأسمر (25 يونيو 1935 – 11 أكتوبر 2012)، تنشرها "بوابة الأهرام" للمرة الأولى في الذكرى الثمانين لميلاده.


(القط الأول)

لأن عمله كان مؤذنا فقد كان يصعد مئذنة الجامع خمس مرات يوميا تباعا لكي يؤذن لصلاة فجر يوم جديد وتنتهي مساء ليرفع أذان العشاء، كان سعيدا وحريصا على أداء هذا الفرض الديني الذي يقربه من الخالق راجيا أن يكون في ميزان حسناته وهو سعيد بكل كلمة ينطق بها لسانه.

أجمع سكان الحارة التي بها الجامع وكذلك الحارات المجاورة بل سكان الشارع الرئيسي أنه يمتلك صوتا جميلا نورانيا وهو يرفعه بالأذان، وكان من عادته أن يتحرك بين المقامات بيسر فيأتي المصلون على الصوت، قال الشيوخ الكبار سنا إنهم صلوا بهذا الجامع وهم أطفال وإنه لم تكن له مئذنة بل كان الأذان يرفع من المؤذن وهو واقف بجوار بابه، وإن الجدود أخبروهم أن المؤذن الذي يرفع الأذان وهو واقف لصق الباب كان جده مؤذنا، وإن ابنه ورث هذا العمل عن أبيه عندما أصبح للجامع مئذنة من طابق واحد، واليوم أصبحت المئذنة من طابقين وكان هو يصعد إلى الطابق الثاني أيام الجمع وفى المواسم وفى أيام رمضان.

وقد عرف عنه المصلون أنه كان شغوفا بأمرين أولهما إقامة الأذان في مواقيته، والثاني حبه لباقي المخلوقات وبالأخص للقطط، وفى فجر يوم كان برده شديدا ومطره غزيرا حتى لقد صنع المطر حبات من البرد فرشت أرض المئذنة، لفت انتباهه وهو يدعو الناس قائلا: الصلاة خير من النوم، لفافة سوداء بركن من أركان أرض المئذنة فاتجه إليها ليستوثق ما هي؟

وإذ اقترب منها تأكد أنها قطة صغيرة سوداء لا شيطان متنكر أو عفريت، فالعفاريت لا تظهر أبدا إن أُذن للفجر، فقال لنفسه: علىَّ أن آخذ هذه القطة معي إلى البيت بعد أداء الصلاة، كان القط الأسود الصغير ثابتا في مكانه منكمشا على نفسه فقال لنفسه: بعد الصلاة سأحضر كرتونة من الورق أضعه فيها وأذهب به إلى البيت، استسلمت القطة له وماءت بصوت خفيض كأنها تشكره وتطلب منه ألا يتخلى عنها، وإذ وصل البيت كان أول شيء فعله أن بحث عن طعام يصلح لها فلم يجد غير بقايا لبن فوضع به خبزا وقال للقط بصوت مسموع:
ـ في الصباح عندما تشرق الشمس سأذهب إلى سوق السمك وأشترى لك سمكا.

أكل القط ما قدمه له باستمتاع وهو يتأمل محاولته ابتلاع اللقيمات، ثم تأكد وهو يراقبه أن لونه ليس أسود كما توهم بل أنه يميل إلى الأحمر من بداية رأسه، لكن ذيله كان أخضر في خضار الزرع الصابح، أما أطرافه الأربعة فكانت صفراء، وإذ شبع القط لجأ إلى جواره وتكور على نفسه ونام، عندما حل ميعاد الظهر نزل المؤذن من بيته متجها إلى الجامع ولما كان القط مستيقظا فقد تبعه فلم يعترض، سارا معا فاضطر المؤذن أن يبطأ من خطاه مراعاة للقط، وإذ وصل إلى الجامع اتجه صاعدا مئذنته، فصعد القط وراءه والتزم ركنا من أركان المئذنة لم يبرحه حتى أتم المؤذن أذانه، فنزل والقط يتبعه لكن عندما دخل المسجد التزم القط مكانا بجوار بابه الخارجي ولم يدخل، فاستحسن المؤذن هذا وعرف أنه لن يسبب له أي مشاكل مع بعض المصلين الذين لا يحبون قططا تطأ المسجد حتى وإن كانت صغيرة.

وإذ انتهت صلاة الظهر وخرج المؤذن من الجامع وسار عائدا إلى البيت تبعه القط فأظهرت شمس الظهيرة جمال لونه وكان كل من يقابل المؤذن يسأله:
ـ من أين حصلت عليه أهو لك أم لأحد أحفادك الصغار؟
فكان يقول لهم:
ـ أنا محظوظ، لقد التقيت به عندما صعدت إلى مئذنة المسجد لأؤذن لصلاة الفجر فلاحظت أن بأرض المئذنة شيئا لم أره من قبل، فقلت لنفسي هذا الجو العاصف قد أتى للمئذنة بشيء من الأشياء التي طيرتها الريح فاستقرت عليها، دققت النظر فرأيت أن هذا الشيء قطا صغيرا فانتويت أن أخذه معي لأذهب به إلى البيت بعد انتهائي من صلاة الفجر، وإذ أديت الصلاة صعدت ثانية إلى المئذنة واتجهت نحو القط، وإذ اقتربت منه تعلق القط بي فحملته لأذهب به إلى البيت لإحساسي أنه جائع وعطشان وأنه بحاجة إلى طعام وشراب.

قابله بالطريق أكثر من واحد وسألوه:
ـ أهذا القط للبيع؟
ـ لا.
عرض الكثير منهم أن يمنحوه ثمنه فتجاهل عرضهم، وإذ اقترب واحد من الراغبين في شرائه منه وامتدت يده نحوه فنفش القط الصغير شعره فبان جمال لونه فسأله أحدهم:
ـ لماذا ترفض بيعه؟
ـ لأنه ليس للبيع فهو هدية.
ـ ومن هو الذي أهداه لك؟
ـ هو الله رب العالمين.

فصمتوا، فأصبح هذا القط الغريب اللون مشهورا في الحارة كلها، بل لقد وصلت شهرته إلى الحارات الأخرى وأيضا إلى أحياء المدينة قاطبة، فابتدأ الناس يتوافدون على هذه الحارة لمشاهدة هذا القط الغريب، والقط كلما مر عليه يوم ظهرت للعيون جمال ألوانه حتى فشل الجميع في تحديد أي الألوان يكون لونه، والقط في كل يوم وهو يسير بجوار المؤذن يأتي بحركات تثير دهشة الناس، حركات يعجز حتى الإنسان أن يؤديها، فاقترح البعض على المؤذن أن يتجه به إلى سيرك العاصمة الكبير ليعرضه عليهم فيضموه إليه ويحصل هو فيه على ثمن كبير لا يحلم طول عمره به فرفض.

أصبح القط واحدا من أفراد أسرة المؤذن وأصبحت هناك أعمال لا يقوم بها سواه، منها على سبيل المثال لا الحصر أنه يذهب في الصباح الباكر وقبل استيقاظ الجميع إلى كشك العيش معلقا على ظهره مخلة بها ثمن الأرغفة التي سيشتريها فيلتزم بالطابور الطويل، حدث هذا بعد أن عرف المؤذن البائع عليه ليعود بالأرغفة إلى البيت، ذات يوم حاول البائع استغفاله في رغيفين فلم يبرح القط مكانه حتى أخذهما منه، ولم يقتصر الأمر على عيش الصباح الباكر بل تعداه إلى الذهاب إلى الفرن لشوي "الشبار" أو الحصول على العسل والطحينة من البقال أو مصاحبة حفيد من أحفاد المؤذن لشراء ما يلزمه، والقط في كل يوم يزداد جمالا حتى إذا سمع بأمره مدير السيرك القومي أتى إلى الحارة لمشاهدته بنفسه واتخاذ قرار بشأنه، وعندما شاهده عرض على الفور على المؤذن أن يطلب منه أي ثمن يريده على ألا يعود إلى السيرك إلا وهو معه، لكن المؤذن لم يرفض العرض فقط بل رفض أيضا ما عرضه عليه بأنه سيكون معه موظفا في سيرك الدولة الرسمي بأجر شهري ثابت ، فأجابه المؤذن بكلمة واحدة:
ـ لا.

ولما فشلت كل محاولات مدير السيرك مع المؤذن دس المدير على الحارة العديد من رجاله ليأتوا بالقط قسرا ففشلوا جميعا، لم يتخلف القط عن المؤذن في أي صلاة لا فجرا ولا عشاء، وذات صباح لم ير أهل البيت العيش أمامهم على "الطبلية" ولا العسل الأسود والجبن، ولما بحثوا عن القط لم يجدوه فسألوا كبيرهم المؤذن فلم يجبهم بل لزم الصمت والتزم البيت مريضا لم يغادره إلا عندما غسلوه وكفنوه وذهبوا به إلى القبر، قال واحد من مشيعي الجنازة:
ـ لقد رأيت القط بعيني ولا يمكن أن أكذب عيني.

سأله البعض:
ـ ربما تخيلت هذا؟
ـ بل رأيته حزينا يسير خلف النعش في الصف الأول من صفوف المشيعين وهو يبكي.
09/11/2010

(القط الثاني)

أجمع كل من تصادف ورأوه وهو يسير في شوارع المدينة وأزقتها أنه قط غير مألوف وأنه لا يشبهه قط آخر أبدا فقط اختلفوا في تحديد لونه، فبعضهم قال:
ـ هو اللون الأسود.
وبعضهم قال:
ـ بل هو اللون الرمادي الفاتح.
بينما أكد غيرهم أن لونه من الصعب تحديده وقالوا:
ـ هو لون خاص به قاصر عليه هو وحده.

ودللوا على صدقهم قائلين:
ـ إن من يراه في بداية النهار وقت الشروق سيكون لونه مختلفا عنه في الظهيرة، أيضا غير لونه قبل الغروب.

أما عندما يحل الظلام فلا يمكن لأحد على الإطلاق التحدث عن لونه وكان السبب بسيطا جدا ومنطقيا جدا لأنه كان يختفي تماما عن العيون فلم يره أحد ولا لمرة واحدة، وهكذا أصبح هذا القط منذ أن ظهر هو حديث المدينة وشغلها الشاغل، إن تحدث اثنان مع بعضهما فعنه، أو تناقشت مجموعة فيما بينها فعنه، والقط يسمع كلام الجميع ويفهمه، لكنه بالرغم من فهمه لا يقدر على الرد عليهم بمثل كلامهم فإن تكلم جاء كلامه غير مفهوم حتى للقطط أمثاله فلا هو بموائهم ولكنه بصوت لا شبيه له أبدا، فكر القط أن يدع أهل المدينة يرونه ليلا كما يرونه نهارا ليألفوه ليلا كما ألفوه نهارا، فتخير مكانا يمر به الكثير من الناس في جميع الأوقات والتزم جانب من جوانبه حتى إذا أقبلت ثلة منهم أو فردا واحدا أطلق صوته غير المعروف، وكان حريصا أن يكون الصوت لينا مستكينا لكن كان الجميع يرتعبون ويفرون من المكان.

حتى أصبح أغلب الناس يتجنبون المرور بهذا المكان إن أقبل المساء فأغلقت المتاجر أبوابها بعد غروب الشمس مباشرة بل لم يعد أحد من الناس يغادر بيته الكائن بهذا المكان وعندها قال القط لنفسه بكلام بشري:
ـ عليَّ أن أكون رحيما بخلق الله، فلا أظهر لهم أبدا سواء كانوا جماعات أو فردا واحدا عندما يحل المساء وتغيب الشمس، وأن يقتصر ظهوري لهم على ساعات النهار.

وبالرغم من هذا فقد كان الناس كل الناس يتجنبون السير في الشوارع التي اعتاد القط أن يسير فيها فإن تصادف والتقوا به في شارع من الشوارع لزموا جانبا من الطريق ووقفوا فيه لا يتحركون حتى يمر هو بسلام وإن تجرأ البعض فحيوه إما باليد أو باللسان أو بالاثنين معا.

وذات صباح باكر جدا عقب شروق الشمس جابت مكبرات الصوت أرجاء المدينة كلها محملة فوق عربات حكومية تعلن نبأ هاما، وهو أن السيد رئيس مجلس الوزراء وبصحبته بعض الوزراء سيصلون إلى المدينة قبل الظهر وذلك لافتتاح بعض المشروعات التي أًُنجزت ووضع حجر الأساس لمشروعات استثمارية جديدة ستوفر فرص العمل لأبناء المدينة فتغنيهم عن شراء السلع المستوردة التي كان لا يقدر على شرائها إلا كبار الأثرياء.

فكر القط فيما يجب عليه أن يفعله إن تصادف والتقى بالسيد رئيس مجلس الوزراء ومن معه من السادة الوزراء، ثم انتقل بالتفكير إلى أن من واجبه أن يسعى سعيا للقاء به مهما كلفه الأمر وصادفته من صعوبات، ويطلعه على ما بأهل المدينة من أمور لا يجب أن يطلع عليها سواه .. مبكرا خرج الناس إلى الشوارع التي قيل إن الموكب سيمر بها وقد كتموا خوفهم في صدورهم وليشاركوا في كل مظاهر التكريم والاحترام والتصفيق أيضا، فقال القط لنفسه بصوت مسموع:
ـ عندما أرى الموكب سأظهر فجأة لأرى ماذا عليَّ أن أفعل.

ظهر الموكب فظهر القط وراقبهما أهل المدينة، فاضل القط بين أن ينهشه بأسنانه أو يمزق ثيابه الفاخرة بمخالبه، لكنه لسبب ما تراجع عن مفاضلته وهو يتخيل ما سيحدث لرئيس المجلس إن فعل؟ فلربما مات رعبا أو أصيب لسانه بعطب لا يقدر بعدها على الكلام مع المواطنين ورؤساء تحرير الصحف الأجنبية والمحلية.

ولما انشغل القط بهذا الأمر تردد في اتخاذ قراره وكان كلما تقدم نحو العربة ليقفز إليها تراجع حتى بعدت العربة التي تقل السيد رئيس مجلس الوزراء كثيرا عنه وأصبح اللحاق بها عسيرا، ولم يدر القط أيهنئ نفسه على تراجعه أم يلومها على تردده، ولكن ما أراحه أنه كان يريد أن يطلق ضحكة من أفواه أهل المدينة ليخرجهم من الرعب الذي يعيشون فيه ولو لمرة واحدة كلما رأوا رئيس المجلس، فهو يخاف كما يخافون بل وأكثر فانتوى القط أن يفعل ذلك قبل أن يدركه الموت.

صبيحة اليوم التالي لزيارة رئيس مجلس الوزراء اختفى القط عن الأنظار ولم يظهر له أثر في أي شارع من شوارع المدينة بل لم تكن هناك مؤشرات تدل على أنه بالمدينة، وبعد أذان الظهر ظللت سحابة سوداء سماء المدينة فحجبت ضوء الشمس ولم يمر وقت طويل حتى عم المدينة ظلام دامس فما استطاع أحد أن يرى حتى ذراعه، ولا ضوء لمصباح من مصابيح الشارع منير، وإذ ابتدأ الناس يتخبطون في بعضهم البعض استحسنوا أن يعودوا إلى بيوتهم طلبا للنجاة، فخلت شوارع المدينة من أهلها ثم انهمر عليهم مطر غزير وصاحبه رعد شديد وبرق خاطف فامتلأت قلوب الناس بالخوف، وعلى غير توقع سمع الناس صوت القط، ولأن صوته كان مميزا معروفا لا يشبهه صوت أبدا تأكدوا أنه ما يزال بالمدينة وأنه يسير الآن بين شوارعها وعلى غير المتوقع أحسوا بالطمأنينة فخرجوا إلى الشوارع، خاضوا في برك الماء الناتجة عن المطر، وهم يتحدثون مع بعضهم البعض فريق منهم قال:
ـ إن القط ضاق بوحدته وافتقد البيت والزوجة والأبناء فغاب عنهم وعاد بمن ستشاركه حياته ويستقر معها.

وبعضهم قال وأكدوا وأقسموا أنهم رأوه يصعد إلى مئذنة الجامع الرئيسي التي يصل ارتفاعها زهاء المائة متر كي يناجى الله ويطلب منه أن يصرف عن هذه المدينة كل سوء.

أقوال كثيرة وكثيرة وكثيرة لم يستطع أحد أبدا حصرها، ولما لم يظهر القط اتفق أهل المدينة كلهم أن يقيموا له نصبا تذكاريا فاختاروا أكبر ميدان في المدينة لإقامته، وأسندوا إلى مجموعة من أمهر الفنانين تصميم تمثال له.
20/11/2010