بدأت بـ "دعاء الكروان"..فاتن حمامة أول من فتش عن قضايا المرأة المصرية بوعي عبر مراحل زمنية مختلفة

18-1-2015 | 05:36

فاتن حمامة

 

سارة نعمة الله

من الصعب أن تصبح رمزاً وجزء لا يتجزأ من كيان مجتمع.. بل على الأرجح أن تكون أنت نصفه الذي يكمله، ومن التحدي أن تكون على قدر المسئولية التي حملتك مهنتك أياها فلا تبحث عن السطحى بل تدخل وتتعمق في قاع المجتمع حتى تأتي بما لا يدركه العقل في وقت كانت فيه محدودية الأفكار والأفق هى السائد.


تلك هى سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة ، التي استحقت عن جدارة، وحق أصيل هذا اللقب.. النجمة الكبيرة التي كانت وستظل جزءاً من كيان المرأة المصرية ببساطتها ..أناقتها ..فرحتها..والامها..كفاحها وتحديها لأصعب الظروف.

"فاتن..الفاتنة" استطاعت أن تفتن القلوب وتستحوذ عليها وتكون هي السيدة الأولى التي ظلت حلماً لفنانات جيلها وأجيال تلتها بعد ذلك، بل كانت رمزاً لكل امرأة مصرية عبرت عنها في قضايا معاصرة شديدة التعمق عقب مراحل زمنية مختلفة.

أدوار وبصمات في حياتها الفنانة الكبيرة، كانت فيها مشاكل المرأة عنوان رئيسياً لأعمالها، كانتالبداية بواحد من كلاسيكيات السينما المصرية " دعاء الكروان " والذي وضع يده على واحدة من أعمق القضايا وأدقها في مرحلة الخمسينات ومطلع الستينيات من القرن الماضي، حيث جسدت فاتن واحدة من مظالم فتايات القرى وكيف يمكن بسبب الجهل وقلة المال أن يقعن فريسة في يد "ولي النعمة"، نقلت الراحلة مشاعر مزدوجة على الشاشة تمزج بين عقل المرأة الذي يريد الانتقام للأخذ بثأر شقيقته، وقلب الفتاة التي تحاول مقاومة مشاعرها تجاه عدوها.

تستكمل النجمة الكبيرة مشوارها الفني بواحد من أهم أفلام سينما المرأة في مرحلة الستينات، بل أنه يعد دعوة صريحة من أجل التغيير في عقل كل فتاة مصرية وذلك من خلال فيلم " الباب المفتوح " الذي رصد تحولات "البنوتة" الصغيرة صاحبة الفكر السطحي والتي كان لا يشغل بالها إلا الارتباط بأبن خالتها الذي تكتشف خيانته فيما بعد، لتنقلب حياتها رأساً على عقب حيث تدخل الجامعة، وتبدأ أفكارها السياسية والإجتماعية في التغيير لتدخل في صراع جديد في الاختيار بين العقل الذي يظهر أمامها في صورة الأستاذ الجامعي الذي يجسد دوره الفنان الراحل محمود مرسي، والقلب الذي يظهر من ناحية آخرى في صورة صديق شقيقها وهو الراحل صالح سليم والذي يكون سبباً في ثورتها الفكرية والسياسية والعاطفية أيضاً بعد ذلك.

مأساة جديدة تجسدها سيدة الشاشة، لتضع يدها على واحدة من أهم مشكلات القرن الماضي والمستمرة حتى وقتنا الحالي، وهو فيلم " أريد حلاً " الذي كان نموذج واضحاً ومعبراً لمعاناة عدد كبير من السيدات المصريات في المحاكم المصرية بحثاً عن فرصة للخلاص من حياتهن الزوجية، وكان فاتن حمامة كانت تتنبأ بتيار جديد في المجتمع ستكون نسبته الغالبة حيث أن عدد قضايا الطلاق بالمحاكم المصرية تبلغ الالاف.

قضية آخرى تقتحمها سيدة الشاشة، وتدق ناقوس الخطر عليها من خلال فيلمها "أفواهوأرانب" الفيلم الذي جسد مأساة الأسرة صاحبة التعداد السكاني الكبير، والتي كانت الخالة التي تجسد دورها فاتن حمامة تحاول أن تسد احتياجتها وتوفر لها قوتها بل أن الظلم يصل إلى أنها كادت أن تخسر حبها من حبيبها الذي جسد دوره الفنان محمود يس بسبب تزويجها غياباً من رجل مزواج من أجل المال أيضاً.

تدخل النجمة الكبيرة مرحلة الثمانيات بقضايا أكثر تفاعلاً مع المرأة المصرية، لترصد تارة أحوال السيدة المطلقة وما يفرضه عليها المجتمع من سياج أدبي وأخلاقي ونظرة قاسية تلازمها طوال الوقت وذلك من خلال فيلمها "ولا عزاء للسيدات"، وأيضاً فيلم "ليلة القبض على فاطمة" الذي جسد معاناة سيدة كافحت من أجل تربية شقيقها الذي سيكون سبباً فيما بعد بإيداعها في مستشفي المجانين، وهما اثنان من أخطر القضايا التي انتشرت في المجتمع في الأونة الأخيرة.

تختتم النجمة الكبيرة تاريخها السينمائي، بقضية أنثوية جديدة من خلال فيلمها "أرض الأحلام" في التسعينات من القرن الماضي، تجسد خلاله دور السيدة التي تخطط للهجرة لأبنها لكنها تفقدجواز سفرها وتعقد أن ساحر ما يجسد دوره يحيي الفخراني هو الذي يخفيه عنها، وخلال رحلتها بالبحث عنه تكتشف كثير من الأشياء التي تجعلها تنحي فكرة السفر من بالها، وهي قضية تجسد حياة كثير من السيدات تحديداً خلال الحقبة التي قدم بها الفيلم حيث ازدياد ظاهرة الهجرة بين الشباب. ولعل دور السيدة المتقدمة العمر الذي قدمته من خلال هذا الفيلم هو تعبير أقرب لشخص هذا النموذج في المجتمع "بخلقه الضيق، وغياب كثير من الأفكار التي تبهج روحه".

المرأة لدي فاتن حمامة كانت الشخص المسئول أيضاً في الدراما، فرغم أن النجمة الكبيرة لم تقدم سوى عملين فقط إلا أنهم كانوا الأكثر تأثيراً في تاريخ الدراما العربية، فالأول هو صوت الضمير "ضمير أبلة حكمت" المعلمة الفاضلة وناظرة المدرسة التي تقف بجانب التلاميذ والمدرسين وسطاً حرباً ضخمة تحاول بعض الزميلات شنها ضدها، وهو النموذج الذي أفتقده كثيراً مجتمعنا الحالي.

وتظهر أخيراً فاتن في الألفية الجديدة بمسلسل "وجه القمر" ودور الإعلامية صاحبة الرؤى الفكرية المستنيرة، والتى رغم نضالها للحق تقع في مأزق اخفاء حقيقة أن زوجها السابق يعيش على قيد الحياة بعد معرفتها بالأمر عن ابنائها، ولعله كان دور يلقي بظلاله أيضاً على كواليس الإعلام وصناعة برامج التوك شو التي نعيشها حالياً.

البصمات النسائية المتعددة في مشوار فاتن حمامة لا تعد ولا تحصي، كانت دوماً وستظل صاحبة المراحل والانتقالات الهامةفي حياة كل سيدة مصرية عاشت مع أعمالها وتأثرت بها كنموذجبين لنضوج المرأة والفنانة الواعية.

مادة إعلانية

[x]