كابا ونقفى وقبرص وكايمن.. الخيوط الرئيسية لمعرفة ثروة جمال وعلاء الحقيقية

2-4-2011 | 19:47

 

سلمى الورداني - سلمى حسين

عند البحث عن تفاصيل شركات أبناء مبارك، تشير دائما مفاتيح البحث التقليدية إلى نهاية واحدة: المعلومات غير متاحة. إلا أن تجميع الخيوط عبر بحث حثيث يصل بنا إلى أسماء عديدة بعينها ودائما إلى شركة واحدة.


كانت جريدة الأهرام في 28 فبراير الماضي قد كشفت عن قائمة بحسابات بنكية لجمال مبارك، وتلقى النائب العام تقريرا بأن جمال أودع مبالغ معتبرة في هذه الحسابات لم يكن معلنا عنها من قبل.
وقد أيدت المحكمة قرارا بتجميد ثروات الرئيس السابق وعائلته. ولكن بمقارنة مثل تلك التقارير الصحفية التي تتحدث عن عشرات الملايين مع ما يعتقد أنه المقدار الفعلي للثروة، يثور الفضول حول أين تختبئ الثروة؟

الشبكة معقدة ومنتشرة ومتعددة الأشكال، من عقارات وأصول إلى أسهم وصناديق استثمار، بل وحسابات باسماء مزيفة، حسبما صرح به سفير مصر الحالي في الإمارات، واصفا حسابات العائلة الرئاسية السابقة هناك.
تمسك بوابة الأهرام بأحد الخيوط التي دائما دائما ما تنتهي عند المجموعة المالية المصرية- هيرمس، بنك الاستثمار الأكبر في مصر.

داخل المغارة.. النظرة الأولى
تبدأ القصة عندما ترك جمال مبارك مصر ليعمل في بنك أوف أمريكا، فرع لندن في نهاية الثمانينيات. وفي 1996، يقرر جمال أن يستقيل من البنك برفقة أحد زملائه، وليد كابا، ليؤسسا معا بنك استثمار صغيرا "مدينفست المحدود" Medinvest ltd. برأسمال قدره 54 مليون دولار.
المكتب الرئيسي في لندن وله مكتب آخر صغير في القاهرة، وذلك وفقا لمقابلة صحفية أجريت في 1999مع الابن الأصغر لمبارك، بوصفه رئيسا لمدينفست.

"بدأنا في مجال تمويل الشركات، خاصة المتعلقة بالشرق الأوسط وإفريقيا". ويستطرد جمال لمجلة أخبار الاستثمار العالمي World Investment News ليصف عمله المتعلق بشركة الاستثمار الخاص: المجموعة المالية المصرية (إي إف جي ) للاستثمار الخاص المباشر:
"لقد توسعنا خلال العامين الماضيين وأسسنا مكتبا في مصر. منذ عام ونصف، أسسنا صندوقا للاستثمار المباشر ليستثمر في مصر فقط. وكان هذا هو نشاطنا الرئيسي في مصر. وكانت قاعدتنا الاستثمارية (أي عملاء الصندوق) من مصر ومنطقة الخليج. ولدينا شركاء معنا في إدارة صندوق إي إف جي للاستثمار المباشر". ينتهي كلام مبارك الابن ليبدأ خيط آخر.
فقد تبين بحسب ما نشر مؤخرا في جريدة يو إس إيه توداي أن مَدينفست هي شركة مملوكة لصندوق آخر مقره قبرص: هو صندوق استثمار بوليون. وبوليون تدير عدة صناديق.
وفي أوائل 2003، قامت بوليون بالاشتراك مع المجموعة المالية- هيرمس بتأسيس صندوق الاستثمار المباشر المشترك (EHPE). "وتبلغ حصة بوليون في هذا الصندوق 35%.
ويدير الصندوق أصولا تبلغ قيمتها 919 مليون دولار. ويستثمر في البترول والغاز والأسمنت والأغذية والماشية"، حسبما يوضح الموقع الإلكتروني لهيرمس.

وفي بيان وزعه بنك الاستثمار الأكبر في مصر، تبين أن جمال يملك حصة في بوليون وهو ما لا يظهر من بيانات السجل القبرصي.
ولكن في المقابل يظهر من السجل القبرصي أن علاء عضو في مجلس إدارة بوليون منذ 1996. أي أن الشقيقين شريكان منذ بدء جمال عمله الخاص.
وفي مقابلة تليفزيونية، في مارس 2010، ذكر جمال مبارك أنه كان عضوا في مجلس
إدارة هيرمس.
وعندما حاولت بوابة الأهرام التأكد من المدة التي بقي فيها جمال عضوا بمجلس الإدارة، ردت مديرة العلاقات العامة بالشركة، هبة الحمزاوي عبر البريد الإلكتروني بأنه "لم يكن أبدا عضوا فيه".
وبالتأكيد يفتح التعارض بين حديث جمال مبارك نفسه وإنكار الشركة مجالا للشك.

نفي يشبه الإثبات
وينفي البيان الصحفي الموزع من بنك الاستثمار أن جمال مبارك شريك في أي من الصناديق التي تملكها الشركة، سواء خارج أو داخل مصر.
وتؤكد "الشركة القابضة إي إف جي هيرمس أن علاقتها بجمال مبارك تقتصر على حصة 18% في إحدى الشركات التابعة، وهي تحديدا: إي إف جي للاستثمار المباشر. ويذكر البيان أن تلك "العلاقة بدأت - وأعلن عنها في حينها- منذ 1997، قبل أن يبدأ السيد مبارك مشروعه السياسي".
وتزيد الشركة من إقصاء نفسها عن العائلة برمتها: "لا تدير المجموعة المالية المصرية –هيرمس أي أموال أو محافظ مالية لعائلة الرئيس السابق. كما أنها ليست لديها روابط مباشرة أو غير مباشرة شخصية أو مالية بالرئيس ولا بعائلته، لا في مصر ولا في العالم كله".
وعندما سألت بوابة الأهرام عن حصة علاء مبارك بما أنه شريك في بوليون، كما يتضح من السجل القبرصي، أي منطقيا هو أيضا شريك غير مباشر في صندوق الاستثمار المباشر التابع لهم، رفض بنك الاستثمار الإفصاح أو التعليق مكتفيا بهذا البيان الذي يجيب "عن معظم الأسئلة" بحسب الرد الذي أرسلته الحمزاوي إلى البوابة عبر البريد الإلكتروني.
وبالرغم من محاولة بنك الاستثمار النأي عن العائلة، فإن هناك علاقة إضافية تربط جمال مبارك بشركة إي إف جي هيرمس القابضة: فصندوق الاستثمار المشترك بينهما يديره صديق جمال وشريكه

المقرب: وليد كابا
هو أردني يحمل الجنسية البريطانية، ولا توجد معلومات منشورة وافية عن سيرته الذاتية. ولكن المؤكد أنه كان زميلا لجمال في بنك أوف أمريكا في لندن، واستقالا معا في 1996، كي يبدآ مشروعهما الخاص: مدينفست. واليوم يدير أحد أقرباء وليد الشركة في لندن، وهو سعيد كابا.
الأهم هو ما يوضحه موقع المجموعة المالية- هيرمس أن وليد كابا "عضو غير تنفيذي في مجلس إدارة إي إف جي هيرمس، وهو حاليا يعمل كمدير في صندوق الاستثمار المباشر إي إف جي هيرمس" (يشارك به كل من هيرمس وبوليون).

ولما نادى علي بابا: افتح يا سمسم..
تمر سنوات قليلة ويدخل جمال مبارك عالم السياسة فتحقق استثماراته أرباحا فلكية.
في عام 2000 يدخل جمال المعترك السياسي عبر انضمامه إلى الحزب الوطني الحاكم. وفي 2002 يصبح أمينا للجنة السياسات وينضم معه العديد من رجال الأعمال ودعاة السوق الحرة، مثل أحمد عز ورشيد محمد رشيد ويوسف بطرس غالي (كلهم قيد التحقيق في اتهامات فساد) بالإضافة إلى محمود محيي الدين.
في فبراير 2001، تنشئ بوليون صندوقا جديدا في قبرص: الصندوق الدولي للأوراق المالية.
وتوضح الوثائق المسجلة لدى البنك المركزي القبرصي أنه صندوق دولي يستثمر في محفظة متنوعة من الأسهم العالمية والسندات.

ولمرة جديدة يظهر اسما علاء مبارك ووليد كابا.
فوفقا للسجلات القبرصية، تدير بوليون هذا الصندوق ويجلس في مجلس إدارته علاء مبارك ووليد كابا. الحد الأدنى للاستثمار في الصندوق 250 ألف دولار، والحد الأقصى مفتوح.
وفي ديسمبر 2004، افتتح عاطف عبيد رئيس الوزراء وقتها وأحمد نظيف بصفته وزيرا للاتصالات صندوق استثمار التنمية التكنولوجية 1 (TDF1) وهو أول صندوق مخاطر في مجال الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة لتمويل مشروعات تكنولوجية جديدة.
وهنا أيضا يظهر صندوق الاستثمار المباشر (EHPE) كمدير للصندوق. وفي نفس الإطار يظهر أيضا صندوق آخر، IDEAVELOPERS.
وبعد بضعة أشهر من تولي حكومة نظيف المشجعة للقطاع الخاص في أواخر 2004، والتي ضمت خمسة من رجال الأعمال من أصدقاء وشركاء أبناء مبارك، تم تأسيس صندوق جديد: حورس للغذاء والصناعات الغذائية ذى المشاركة المحدودة Horus Food & Agribusiness Limited Partnership
الصندوق أيضا تأسس في قبرص برأسمال مبدئي مليونى دولار.

ومن مديرى الصندوق ومستشاريه نخبة من كبار الأسماء في إي إف جي هيرمس، بالإضافة إلى وليد كابا: محمد تيمور، الرئيس الحالي لشركة فاروس للأوراق المالية (وقد كان وقتها -وهو الأهم- رئيس وأحد مؤسسي إي إف جي هيرمس)، حسين هيكل الرئيس التنفيذي الحالي وأخيرا وليس آخرا جمال مبارك.
وشهد عام 2005 بداية عصر جديد من الخصخصة، والتي استفاد منها صندوقا حورس 2 وحورس 3.
والصندوقان تديرهما EHPE، والذي يوضح موقعها النشاط الآتي: فمن 2005-2007،
اشترى حورس 2 حصصا في كل من: السويس للأسمنت وهي أكبر شركة أسمنت مصرية، والبنك الوطني للتنمية ليحقق أرباحا طائلة من إعادة بيعها بعد ذلك.
كما اشترى حورس 3 حصة في شركة أموك (الإسكندرية للزيوت المعدنية) حين طرحت حصة منها للخصخصة عن طريق البورصة، ليعيد بيعها في 2008.

ويستثمر حاليا حورس 3 في إنتاج البترول في الصحراء الغربية، من خلال شركة صحارى شمال البحرية المحدودة والتي تتطلب وفقا لشروط الحكومة المصرية أن تكون الحكومة شريكا فيها كما تتطلب تصريحا من وزارة البترول.
وحورس 3 هو شراكة محدودة معفاة (من الضرائب) تأسس في جزيرة كايمن.
ويملك حورس 3 حصة في شركة طلعت مصطفي بحسب موقع إي إف جي هيرمس، حتى نهاية 2010.
يذكر أن شركة طلعت مصطفي –وهي إجمالا صاحبة أكبر حصيلة من قطع الأراضي في مصر- إدينت من قبل القضاء في 2010 بمخالفة قانون المناقصات فيما يتعلق بأرض "مدينتي"، والتي أخذتها بالأمر المباشر وبدون مقابل مادي.
ورغم أن المحكمة ألزمتها برد الأرض، إلا أن الحكم لم ينفذ حتى الآن.

من جاور المبارك تشمله البركة
وفي يونيو 2005، يظهر في الصورة شريك جديد للأخوين مبارك: عارف نقفي.
هو نائب رئيس مجلس إدارة و الرئيس التنفيذي لأبراج كابيتال والتي يقع مقرها في دبي.
نقفي من أصل باكستاني، وقد سبق تصنيفه ضمن الـ 50 شخصية الأكثر تأثيرا في عالم الاستثمار المباشر في 2006-2007 بحسب مؤسسة الاستثمار المباشر الدولي اللندنيةPrivate Equity International.
وتضم الشركة التي يديرها، في مجلس إدارتها أسماء من أهم العائلات المالكة والحاكمة في دول عربية.
في 2006، ألقى عارف نقفي كلمة عن شركته- أبراج كابيتال- أمام المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس"، كاشفا عن شراكة بين شركته وآل مبارك وشركائهم.
ها هي الصورة التي رسمتها كلمة نقفي بكل وضوح : حجم النمو والتنوع الأسطوري الذي حققته صناديق حورس.
يحتفي نقفي حينها قائلا: "في 1997، أطلقنا أول صندوق استثمار مباشر بـ54 مليون دولار، حورس1، والذي أعقبه صندوق الشرق الأوسط للتكنولوجيا بـ29,5 مليون دولار، وصندوق تكنولوجيا الأردن في عام 2000".
يقول نقفي:" في 2003، تأسس تحالف إستراتيجي مع (بنك الاستثمار المصري) CIIC لإدارة ما قيمته 321 مليون دولار وقتها، وكان ذلك أكبر صندوق استثمار مباشر في مصر".
CIIC كانت شركة تابعة للبنك التجاري الدولي، وكان يعمل بها وقتها ياسر الملواني والذي انتقل بعدها إلى إي إف جي هيرمس، إبان تأسيس صندوق الاستثمار المباشر الذي يشارك به جمال مبارك).
ويستكمل نقفي حديثه السردي:" في 2004، أسست أبراج كابيتال (صندوق التنمية التكنولوجية1) بقيمة تقرب من 10 ملايين دولار، أعقبه صندوق حورس2 بقيمة 155 مليون دولار في 2005 وحورس للغذاء وصناعة الغذاء في 2006.
في 2006، جمعنا الأموال لتأسيس حورس3، أكبر صناديقنا حتى تاريخه، والتي بلغت 575 مليون دولار. ثم كان آخر صناديقنا (صندوق التنمية التكنولوجية2) في 2008 بحجم 215 مليون جنيه مصري (حوالي 40 مليون دولار).

وإجمالا –الحديث مازال على لسان نقفي- بنهاية يونيو 2010 ومن خلال حورس 1،2،3 وحورس للغذاء، استثمرنا 524 مليون دولار في 35 شركة بعنا حصصنا (تخارجنا من) 25 شركة، محققين دخلا إجماليا 327 مليون دولار، وهو ما أثمر عن أرباح تبلغ 146 مليون دولار".
وهو ما يعني أن جمال مبارك حصل على نصيبه من تلك الأرباح كشريك في الشركة الأم (EHPE).
والخلاصة هي أن جمال مبارك قبل أن يلعب أدوارا سياسية كان يملك حصة في شركة مقرها قبرص، وهي بوليون، وهي الشركة الأم لاستثمارات في شركات وصناديق أخرى.
حقق بعض هذه الاستثمارات أرباحا بعد انخراط جمال في السياسة كرئيس لأمانة السياسات في الحزب الحاكم الذي يرأسه والده لمدة ثلاثين عاما قضاها على رأس السلطات جميعها في مصر.

وما الخطأ في ذلك؟
أليست كل تلك الأصول غير مشروعة؟ أليس الزواج بين البيزنس والحكم خروجا عن القانون؟ سألت بوابة الأهرام تلك الأسئلة لأحد القانونيين عضو لجنة استعادة ثروات مصر، والتي تشكلت أثناء ثورة 25 يناير لتتبع واستعادة الثروة التي تجمعت من مصر واختبأت في الخارج.
بينما يمنع القانون الوزراء ورئيس الدولة من تملك شركات خاصة لا يذكر صراحة أو يجرم أن يفعل ذلك ابن الرئيس، حتى ولو كان مشتبكا في عالم السياسة.
"القانون لا يمنع بوضوح كل من يعتلي وظيفة رسمية من القيام بأعمال خاصة–باستثناء الوزراء والرئيس"، بحسب حسام عيسى الخبير القانوني وأستاذ القانون بجامعة عين شمس. "إلا أنه من السهل إثبات أنه جمع تلك المليارات عبر طرق غير مشروعة".
ويتساءل عيسى بغضب: "كيف لمسئول كبير في الحزب الوطني أن يحقق كل تلك الأرباح؟ الإجابة ليست صعبة: عن طريق استغلال نفوذه كابن الرئيس".

الفساد.. لماذا يرتبط بقبرص؟
تزداد الشكوك حول مدى مشروعية الثروة التي كسبها أبناء مبارك حين يثور السؤال: لماذا ينشئون شركاتهم في جزر سيئة السمعة بعيدة عن الرقابة؟
لقد كانت قبرص، (وأيضا كايمن) قبلة الشريكين جمال وعلاء لأنها تحولت خلال العقدين الماضيين إلى ملاذ آمن لعمليات غسل الأموال والشركات المؤسسة خارج بلادها من قبل هؤلاء الذين يتهربون من دفع الضرائب في بلادهم، بحسب دراسة بعنوان "قبرص والاتجار بالبشر"، للأكاديمي جون كوفاس نشرت في 2010.
تبحث دراسة كوفاس في أسباب ما أصبح معلوما بالضرورة من أن النقود تأتي إلى قبرص لتتخفي كالشبح، وتخلص إلى أن هذا الوضع أفاد القبرصيين:"الكميات الكبيرة من أموال الفساد في جزيرة أفروديت رفعت من مستوى معيشة السكان، وذلك كلما أغرقت الجزيرة بأموال تأتيها من الدول العربية القريبة".
وقد قدرت المؤسسة الأمريكية "الاستقامة المالية العالمية" بأن حجم "التدفقات غير الشرعية" من الدول النامية زاد بنسبة تقارب 20 % خلال عام واحد، لتبلغ 857 مليار دولار في 2009.
ويبلغ نصيب مصر من هذه الأموال المهربة حوالي 6,4 مليار دولار خلال عام واحد هو 2009.. وهو مبلغ أكبر من الإنفاق الحكومي السنوي على التعليم ويساوي دخل قناة السويس في عام ونصف.
اليوم، تفتح الثورات أبوابا تجعل من الممكن محاكمة كل ما يشتبه فيه بأنه فساد بالرغم مما قام به بعض السياسيين من ليً القوانين لتحمي مصالحهم.
(شارك في التغطية: باسم أبو العباس ومايكل جن).

الأكثر قراءة