خالد أبو النجا: "عيون الحرامية" أضاف للقضية الإنسانية.. وسيناء تعيش أوضاعًا تشبه نكسة 1967

20-11-2014 | 20:56

خالد ابو النجا

 

حوار- سارة نعمة الله

من الصعب أن تشاهد فنانًا يقنعك في كل مرة تشاهده بها، يجذبك بأدائه الخاص الذي يأتي بعد مرحلة نضج فني ووعي وتركيز في الاختيارات، بل الأصعب هو أنك تراه مميزًا في كل دور يقدمه من بين 3 أدوار يشارك بها في حدث فني واحد، فقد تختلف مع الأحداث أو تفاصيل الإخراج وعناصر الصورة، لكن الآراء تجتمع على أداء النجم المثقف.


خالد أبوالنجا الفنان الذي شارك في فعاليات الدورة الـ 36 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي بثلاث أفلام، هما "من ألف إلى باء" كضيف شرف، و"ديكور"، والفلسطيني "عيون الحرامية" والذي حصل من خلاله على جائزة أفضل ممثل في المسابقة الرسمية.

لم يلبث خالد أن عبر عن رأيه السياسي تجاه أوضاع الدولة إلا وانقلب الجميع عليه واتهموه بالخيانة العظمي، حتى زملاءه في الوسط أغلبهم رفض انتقاده لشخص الرئيس في الوقت الذي كان يقوم فيه بواجب وطني آخر وهو حضور فعاليات المهرجان والمشاركة في مشاهدة الأفلام والندوات، بل إنه النجم الوحيد الذي كنا نفخر بوجوده بعد أن هجر الفنانون جميعًا المهرجان.

النجم المثقف قرر إغلاق الملف وعدم الحديث به، وترك الأمر لمحاميه الشخصي ليرد على كل من تطاول عليه بالقانون، واستكمالًا لتوضيح رأيه السياسي كتب خالد تويتة حيا فيها ضباط وجنود الشرطة، والجيش لما قاموا به من خطط تأمينية خلال حفل ختام المهرجان، لكنه أعلن حزنه عندما تسأل أحدهم قائلًا: "هو أستاذ خالد ليه ضدنا!" بحسب وصفه.

الحديث مع خالد أبوالنجا لا يمكن أن ينتهي لما يمتلكه من ثقافة ووعي فني بمهنته، ورؤية لأوضاع سياسية بالبلاد يتفق أو يختلف معه فيها البعض، "بوابة الأهرام" قابلت النجم في لقاء حدثنا من خلاله عن فوزه بالجائزة، وأدواره في الأعمال الثلاثة التي شارك بها وتفاصيل آخرى في هذا الحوار...

- ماذا تمثل لك جائزة أفضل ممثل من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن دورك بفيلم "عيون الحرامية"؟

هذه الجائزة عزيزة جدًا على قلبي لعدة أسباب، أولاً لأنها عن فيلم فلسطيني وليس مصري كالمعتاد، كما أن "عيون الحرامية" مرشح لجائزة أفضل فيلم أجنبي في مسابقة الأوسكار، هذا بالإضافة إلى أن موضوع الفيلم يسمو إلى التركيز على الحالة الإنسانية للقضية الفلسطينية بجانب أن هذه الجائزة من لجنة دولية للمهرجان تأتي بعد تعديل الوائح والجوائز لتكون متماشية مع مهرجان دولي فئة "أ".

- باعتبار أن الجائزة عن فيلم فلسطيني فهل تهديها أيضًا للمخرجة نجوى نجار التي تحمل جنسية الدولة؟

بالتأكيد، كما أنني أريد أن أوجه لها شكر خاص على ثقتها بي كممثل ولفهمي لسيناريو الفيلم الذي يرتقي بالقضية الفلسطينية من الصراع السياسي إلى الإنساني، وليس هذا فقط بل أني أعتبر الجائزة أيضاً لفريق العمل الذي لعب دوراً هاماً بداية من الفنانة سعاد ماسي واجتهادها ونجاحها في أول أدوارها، وإلى الأطفال ملك وأمير، وإلى الفنان خالد حوارني وجميع طاقم الممثلين معانا، وأيضًا المنتج هاني قرط والذي كان لديه مثابرة في استخراج التصاريح لي أنا وسعاد ماسي، ولجميع فريق العمل العربي والأجنبي.

- أراك في دورة المهرجان هذا العام شديد الحرص على حضور عروض أفلامك أكثر من مرة خلال الفعاليات؟

صحيح أنا حضرت أكثر من عرض لأفلامي، لأني أرى أن الجزء الذي أنضج فيه ليس في تصوير للعمل ولكن في حضوري الفيلم مع الجمهور ومتابعة ردود أفعالهم.

- كيف كان لأهل فلسطين دور في نجاح "عيون الحرامية"؟

دور الأهالى في فلسطين لا ينتهي، فقد ساندونا ودعمونا كثيرًا وأشكر تحديداً أهالي مدينة "نابلس" والذين شعرنا بفرحتهم بوجودنا في التصوير بأرضهم كأبطال عرب على أرضهم، فقد وقفوا بجانبنا كثيرًا، كما أن هناك عائلة قامت باستضافتى بـ "نابلس" فأنا لم أشعر خلال تواجدي هناك إلا أنني في بلدي.


- "عيون الحرامية" يرصد واحدة من أهم قضايا فلسطين في الوقت الحالى وهي قطع الماء عن الأهالي..تعتقد أن الفيلم أضاف لقضية الاحتلال؟

الفيلم لم يضيف شيئاً للقضية الفسطينية لكنه أضاف للمعني الإنساني، وهو ما جعل سيناريو العمل مميزاً بمعني أنه خرج من قضية المواطن الفلسطينى الذي يعيش تحت وطأة الاحتلال إلى معني أرقي يصب في الإنسانية من خلال شخص خرج من سجنه بعد عشر سنوات ويبحث عن ابنته وهذه هي الأزمة التي تحاصره طوال الأحداث، كما أن الفيلم يلقي بظلاله على حالة المجتمع، والتي جعلته يتساءل عما إذا كان الطريق الذي سلكه في المقاومة كان صحيحاً أم لا، وعبقرية السينما هنا عندما تكون المشاعر الإنسانية هي لغة حوارنا، مما يجعلنا نحن كعرب أو أشخاص أمريكية أو عدو صهيوني محتل يشعر بقساوة ومرارة الأمر، وهو ما يعني أننا نقدم شىء يكسر حاجز السياسة والتفرقة، والتعبئة العقلية لأفراد ضد أفراد.

- هل من الممكن أن يكون رصد المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني بالسينما جزء من تغيير ثقافة جنود الاحتلال؟
دعيني أقول لكى شيء هام في هذه المسألة، خلال تصويرى بفلسطين وجدت أن أغلب جنود الاحتلال على الحدود تحديداً في مواقع الاشتباك والذين يأتون من جنسيات بولندية وغيرها، يكونوا حديثي المجىء لإسرائيل بمعنى أنهم لم يمكثوا بالدولة الغاشمة سنوات طويلة، وعندما سألت في هذا الأمر علمت بأن هذا يعود إلى أن الضباط القدامى بعد فترة يشعرون بمرارة وقسوة الأمر فيبدأون في التراخي إلى حدما مع الفلسطنيين في الحواجز، وسيناريو "عيون الحرامية" حاول أن يوصل الحالة الإنسانية لشخص تحت الاحتلال لأخوه الإنسان "المشاهد"، وهذه هي عبقرية السينما الحقيقية.


- هناك مخاوف من المخرجة نجوي نجار من خروج الفيلم من مسابقة الأوسكار..هل لديك نفس المخاوف؟

الفيلم به جزء إنساني، وأعود لأؤكد أن هذا كان هدفنا منذ البداية، وأعتقد أن ذلك من الممكن أن يعطيه حظ أفضل في مسابقة الأوسكار.

- دور الضابط السوري الذي قدمته كضيف شرف بفليم "من ألف إلى باء" الإماراتي يعكس كثير من الأوضاع السلبية للدولة؟

الفيلم هو كوميديا ساخرة من بداية الأحداث إلى أن نصطدم بالواقع الأليم، من خلال المشهد الذي أظهر فيه مع الممثل الفلسطيني علي سليمان، والذي سعدت بالعمل معه، وما تبعه من عمق في الأحداث بعد ذلك أحدثت تحول لأبطاله، وأردنا من خلاله الإشارة إلى أن الجميع رافض للوضع من خلال حديث الضابط مع البطل السوري، والذي يعمل تحت قيادته ضابط يريد أن يفعل بهم أي شىء ..يضحك "كنافة زى ما كان بيقول في الفيلم"، والمشهد في النهاية غير مبني على شيء حقيقي لكن نوعا من إحساسنا العام من قراءتنا للوضع الحالي.

ومن خلال جملتي الحوارية "يقدر أبوك يخرجنى من هون" يفاجئ الضابط أن الابن منشق عن والده الدبلوماسي، وأنه حتى الأمل الأخير في القفز من القارب معدوم، وهي لحظة تعكس أيضًا انكسار الإنسان الذي يحمل الأسلحة والدروع في إشارة للنظام، ويتضح فيها الإنسان الذي يرفض أوضاع الجنون المحيطة به، مما جعل المشهد إنسانيا أكثر من كونه سياسيا.

- ما بين التأييد والرفض تتأرجح الآراء المصرية الآن حول الجيش المصري فالبعض يرى هناك تقصيرا لتكرار الحوادث الإرهابية وآخرون يرون العكس..كيف تري المشهد؟

دعينى أقول في البداية: إنني أذهب إلى سيناء كثيراً، وأري نقاط التفتيش فيها سهلة الاصطياد للغاية، فنحن نعيش أوضاع تشبه ما حدث في نكسة 1967 بخصوص مسألة التحقيق فيما كان يحدث من انفلات أمنى وحماية البلاد، وقد قمنا بعمل تفويض ض للإرهاب منذ اكثر من عام لكن ماذا حدث بعدها؟، فمن لا يستطيع حماية الدولة وتأمينها ضد العدو الغبي المتأسلم "يرحل"، وحل الإرهاب لا يتمثل بتهجير الأهالي من منزلها، لأن هذا من أبسط حقوقها.

- دور "شريف" بفيلم "ديكور" به كثير التفاصيل والتعبير الراقي عندما يستخدم الفنان لغة التعبير بالملامح الجسدية كالوجه أكثر من الحوار.. حدثني أكثر عن الشخصية؟

في الحقيقة أن دور "شريف" أعتبره تحدٍ لي بمعنى أن كل مشهد فيه وكأننى أبدأ في تصوير فيلم جديد مما يجعلنى أريد اقناع الجمهور وجذبه في كل مرة، سواء إذا كان الرجل المتزوج من "مها" أو من "شهيرة" فكل حالة تفاصيلها لم تحكى بالأحداث ولكن بعد فترة تصبح هذه التفاصيل لا أهمية لها لدى الجمهور بعدما أصبح يعي بمفهوم "اللعبة"، وهو ما يتطلب مني أن أكون مقنع بالدور لأن هذه هي الحالة الإنسانية التي نعيشها، والتحدي الحقيقي كان في أن يصل المشاهد في النهاية لرسالة العمل وهو "الاختيار".

- هل أصبحنا مسيين عن غير إرادتنا باعتبار أن السياسة تدخلت في كل شيء حتى في عملك أنت كفنان؟

بعد ثورات الربيع العربي، بالفعل أصبحنا مسيين وكلنا يعبر عن أرائه فلا نستطيع أن نفصلها عن حياتنا، باختصار "مفيش حاجة هنعملها بصدق إلا لما تكون لابسة في السياسة"، ومثلًا في فيلم "ديكور" ليس له علاقة بالسياسة مباشرة إلا أنه يرصد لحظة هامة نعيش فيها وهو ذكاء عبقري من المؤلف والمخرج، وحتى فيلم "فيلا 69" حيث فكرة الرجل الذي يري نفسه على المسار الصحيح رغم كبر سنه ونفاجىء أنه عندما يأتي إليه أبن أخته ويطلب مساعدته لمقابلة صديقته، تدب فيه الحياة لنكتشف أن ساعدتنا الحقيقة تكمن في مساعدة الآخرين في إشارة لحكم مرسي وما حدث به من إقصاء وقتها وأنه أمر أحبطنا جميعًا.



- إلى أي مدي أرهقتك شخصية الفلسطينى "طارق" في تنفيذها على الشاشة؟
الإرهاق أو الصعوبة في دوري تكمن في التركيز على الجانب الإنساني، وعندما بدأت في تصوير فيلم "عيون الحرامية" طان فور انتهائي من دوري بفيلم "فيلا 69" والذي كنت أقدم من خلاله دور رجل عجوز "مآتب"، وكنت أريد أن أخرج من هذه الشخصية على جميع المستويات، والحقيقة ما ساعدني في تقديم شخصية "طارق" أنني كنت منذ سنوات سأقدم دور شخص مسجون لكنه لم ينفذ مما ساهم في اثقال وعيي بدوري اكثر خصوصًا، أنك عندما تقرأي كتاب عن مسجون لفترة طويلة تجديهم يتغيرون في شخصياتهم ويكون لديهم حوار داخلي، حتى أنهم ممكن يحركوا أجسادهم في مكان صغير، وهنا أذكر مثلاً أن مخرجة الفيلم نجوي نجار وضعت هذه التفصيلة بالاعتبار وجعلت بطل الفيلم عندما يجلس في غرفته "يفضل رايح جاي كالمعتاد عليه المسجون في سجنه". كما أن المسجون تكون علاقته بالناس صعبة حيث يكون لديه عالمه الخاص لذلك كنت راسم "كاركتر" معين لشخصية طارق أنه لا يستطيع مثلاً التقرب من الناس بسهولة، كما أنه لديه حلمًا في البحث عن ابنته، وهذا الدور حضرت له كثيرا وكان تحديا بالنسبة لي لأكون ممثلا شاطرا لأنه رصد للحالة الإنسانية.

- أصبحت أفلامك في الفترة الأخيرة تحمل فلسفة خاصة.. تعتقد أن ذلك أصبح الاتجاه السائد بالسينما بعد الثورة؟

ليست فلسفة بقدر كونها عمقا ما نبحث عنه في الأحداث، وفي النهاية الذي يحسم الأمر هو الجمهور في هذه المسألة، فمثلاً في فيلم "ديكور" الاراء انتهت إلى أن الجمهور وصلته فكرة أن قصة الفيلم تدور حول "الاختيار" وليس عن "مريضة نفسية"، وأراء آخرى مثلاً رأت في فيلم "69" أننا نتحدث عن "الإقصاء" وليس شخصا فقد حياته وهنا تخلق حالة الفلسفة في الأعمال السينمائية.

- السنوات الأخيرة من مشوارك الفني تحمل أعمالك قدرا كبيرا من النضج، إذا عاد بك الزمن هل كنت ستتراجع عن تقديم أفلام معينة؟

لم تتغير فكرتي في اختيار أفلامي منذ بداياتى وحتى هذه اللحظة، فما أبحث عنه هو المصداقية في تقديم العمل، "يعني أنا مثلاً نفسي أعمل دورا كوميديا" لاحقًا كما أن فيلم "ديكور" به كوميديا سوداء، ربما أكون نضجت إلى حد كبير لكن لم تتغير طريقتي في الاختيار، وأى عمل يعرض علي أحاول أن أفتح الباب دائمًا مع الكاتب والمخرج للتحاور.

- ذكرت في إحدى نداوتك أن هناك ممثلا عربيا قال: إنه يرفض تقديم "القبلات" بأعماله وأنه يحافظ على ما يحمله من صفة أنه ممثل عربي.. فكيف تنظر إلى الأمر؟

الحقيقة أننى أتعجب كثيرًا ممن يتحدثون بهذه الطريقة في هذا القرن، فإذا فتح الفنان الباب "وكشف نفسه كإنسان" يستطيع أن يكون ممثلا جيدا لكن إذا قال على دور هذا أقبله وهذا أرفضه وقتها يغلق الباب أمام إمكانياته الحقيقة، ولذلك أتعجب من وجود فنان يقول "أنا عالمي ولكنى أحمل إرثي العربي معي" فهذا يعني أنه لا يمكن أن يكون إيرانيا مثلاً أو مسيحيا عربيا فهو يعكس المنطق الحقيقي للواقع التمثيلي فمبادئ التمثيل هي نسيان الشخصية التى يقدمها النجم في عمله.

- ولماذا ربط فكرة "حذر التجول في أحداث فيلم "ديكور" بحياة الأبطال؟
سبب بسيط يؤكد أن أحداث العمل تحدث في وقتنا الحاضر، بمعني أنهم صحيح يشاهدون أعمال "الأبيض والأسود" إلا أنهم يعيشون اليوم وسط الأحداث الحالية بين القاهرة والإسكندرية.

- من "واجب وطني" إلى "عيون الحرامية" هل أصبحت مهتما في أعمالك بصورة البطل أو الرمز العربي؟

ليس شرط أساسي فما أبحث عنه هو الإنسانية لأننا نستطيع خلالها أن نصل إلى أى مكان في العالم وعندما ننزل منها لمنطقة محلية نفتقد جمهور كبير، والمشاعر الإنسانية هي اللغة التي نستطيع من خلال لغتنا السينمائية نستطيع أن نفهمها جميعاً "سواء في بلد بعيدة أو محتلة" مما يكسر الحواجز بيننا.

- ماذا عن تعاونك مع المخرج داوود عبد السيد في فيلمك المقبل "قدرات غير عادية"؟

الفيلم انتهيت من تصويره مؤخرا وسيشارك بمهرجان دبي، وأتشرف أنني أعمل مع هذا الرجل الذي تتمتع سينما بطبيعة مختلفة كما أنه كان سبب رئيسي في حبي للمهنة، وكانت أول بطولاتي معه في "مواطن ومخبر وحرامي" ثم كان من المفترض أن تجمعنا تجربة ثانية لكنها توقفت إلى أن جاء فيلم "قدرات غير عادية".

- تعمل مع أجيال مختلفة من المخرجين فهل هذا الأمر مطلوب؟

بالتأكيد فمثلاً عندما جاء المخرج الكبير محمد خان ليقدم فيلم "في شقة مصر الجديدة" اختارني كما أنني أحب مثلاً أن أعمل مع داوود عبد السيد وخان مرة، ومرة آخرى مع أحمد عبد الله فهذا يعد ثراءً فنيًا، وتعبير عن ثقة أجيال في التعاون مع بعضها وعدم وجود قطيعة بينهم.







الأكثر قراءة

مادة إعلانية