اللواء الغاياتي يكشف كواليس ساعة الصفر ونجاح الخداع الاستراتيجي في حرب أكتوبر

6-10-2014 | 16:03

صورة ارشيفية -حرب أكتوبر

 

مها سالم

فى ذكرى أقوى الانتصارات فى العصر الحديث، يأتى يوم السادس من أكتوبر ليسجل يوم "نصر العرب"، اليوم الذى أعاد للعروبة هيبتها، وحطم أكذوبة الجيش الإسرائيلى الذي لا يقهر.


وأعلن نصر أكتوبر عن مولد بطل جديد فى ملف النصر، ودروس ملحمة أكتوبر وكواليس ساعة الصفر التى تقترب الآن ذكراها الواحدة والأربعون، ونجاح الخداع فى حرب المعلومات.

بدأ اللواء محمد أحمد دسوقي الغاياتي محافظ شمال سيناء الأسبق، ذكرياته مع قصة انتصار الشعب قائلا أهل سيناء لهم دور كبير في حرب 73.. سواء بتضليل الإسرائيليين أو قيامهم بعمليات تفجير وزرع ألغام وقتلهم الكثير من الجنود الإسرائيليين، وقيامهم ببطولات وتضحيات لن ينساهم التاريخ، ولن تنساهم مصر.

وقال اللواء الغياتى، في يوم تخليد هذه الحرب المجيدة أرجو النظر بنظرة متفحصة لعوامل نجاح الحرب التي تعد من أعظم الحروب على مستوى العالم، وأرجو النظر إلى كيفية تخطي إرادة الشعب المصري للمستحيل، فبينما كان يبصم العالم بأن المصريين مستحيل أن يحاربوا بعد هزيمتنا في حرب الاستنزاف، وانتظر الجميع رفع الراية البيضاء.. استطاع الشعب المصري بإرادته القوية إزالة آثار الهزيمة، وحوّلها لنصر يدرّس في المراكز الإستراتيجية الإسرائيلية الآن.

وأضاف اللواء الغياتى، حرب أكتوبر لم تتوقف عند 73، ولكنها أعطت إشارات للمستقبل فتعتبر عسكريًا هي بوابة التطور العسكري في منظومة الحرب؛ لأنها أول حرب استخدمت فيها منظومة الحرب الإلكترونية، ومن الناحية العسكرية فهي حرب استطاعت أن تغير مفاهيم المعركة البحرية من خلال معركة إيلات، بالإضافة إلى أنها أول معركة استخدمت فيها الأقمار الصناعية.

وأصبح الفضاء امتدادًا لمسرح الحرب؛ فحرب أكتوبر هي بوابة التطور للحرب الحديثة، لذلك نجد جميع المراكز الإستراتيجية على مستوى العالم تدرّس حرب أكتوبر وتدرّس أهمية المعلومات في نجاح أي معركة بجانب أهمية السرية التامة.

وهنا يتذكر اللواء الغاياتي الساعات الأخيرة قبل الحرب.. ففي ساعة 800 يوم 6 أكتوبر تسلمت مظروفًا مغلقًا مشمعًا بالشمع الأحمر ومكتوبًا عليه “لا يُفتح إلا في الساعة ألف”، وتسلمت مع المظروف عَلَم مصر، وهذا يعني أن الحرب اقتربت، وبدوري كقائد كتيبة بدأت أعيد تدريبات القوات المصرية التي كانت تنتظر ساعة الحرب بفارغ الصبر، وكانت دائما تقول “متى سنحارب؟” لأن كل جندي كان يعرف مكانه ويعرف مكان العدو، ومتخيل لكل موقع، بل دارس كل مواقع العدو.

وعندما اقتربت عقارب الساعة من العاشرة صباحا “الألف”، ووقف العقرب عند رقم عشرة فتح الغاياتي المظروف، ووجد فيه أن ساعة الحرب اليوم الساعة ألف وأربعمائة أي الساعة 2 وثلث ظهرًا.. أربع ساعات من أصعب الساعات التي مرت في حياة الغاياتي، ففي خلال أربع ساعات تفتح الغواصات، ويهدم الساتر الترابي وتمر الدبابات المصرية لتقتحم كتائب العدو.. وكان ورفع علم مصر على أرض سيناء بفضل جيش مقاتل لديه روح قتالية عالية جدًا.

وهنا استطعنا أن نفاجئ العدو بفضل منظومة متكاملة من الخداع، وهو يعد العامل الأساسي في نجاح الحرب، كما يؤكد اللواء محمد الغاياتي قائلًا:

“مصر نجحت في إحكام خطة خداع إستراتيجية منها فتح باب العُمْرة لضباط القوات المسلحة قبل الحرب بيومين، وتسريح 20 ألف جندي قبل الحرب بأيام، ولكنهم رجعوا قبل الحرب مباشرة فضلا على ما كان يقوم به الضباط قبل الحرب بيوم، فكانوا ينظمون دورات رياضية فكل هذا أبعد تمامًا فكرة استعداد المصريين للحرب.

وأضاف اللواء الغاياتي أن الفضل في هذه المعركة لا يعود للقوات المسلحة بمفردها، ولكن للدولة بأكملها؛ فالدولة بجميع مؤسساتها تحملت الكثير، وشعب مصر أيضا تحمل الكثير والقوات المسلحة تحملت أكثر، فمنذ النكسة وهي تحاول أن تعيد تسليح الجيش المصري، وبفضل الله استطاعت أن تحقق المعجزات، ففي خلال ست سنوات وهي فترة زمنية صغيرة جدًا لإعادة تسليح جيش مهزوم معنويًا من آثار النكسة التي ظلمت فيها قواتنا المسلحة؛ لأنها ليست معركة.. ولم تحدث فيها حرب.. وجيشنا لم يحارب فيها، ولكن تربص به، ووفقًا للتخطيط السليم الجيد من جميع أجهزة الدولة، استطاعت القوات المسلحة في فترة زمنية صغيرة أن تحقق المهام والأهداف المتفق عليها.

كما أشار الغاياتي إلى أن في هذه المعركة المجيدة رسائل قومية هامة جدا لا يمكن إغفالها، وهي “عندما يكون التخطيط جيدًا، ويتم وضع أهداف واضحة، ويكون هناك تكاتف بين أجهزة الدولة فهنا يصبح المستحيل ممكنا”، ففي هذه المعركة تم وضع الأهداف قبل الحرب بست سنوات وهي:

1- الاستعداد النفسي والمعنوي بعد هزيمة 67 وهذا الدور قامت به القوات المسلحة على أكفأ وجه.

2- هدم الساتر الترابي الذي يبلغ ارتفاعه أكثر من 20 مترًا والمملوء بأسلحة وذخيرة ضخمة.

3- اقتحام مانع طبيعي من أكبر الموانع المائية على مستوى العالم، وهو “قناة السويس”، ثم اقتحام خط بارليف بموانعه الضخمة.

4- إجبار العدو على الانسحاب.

وكل هذه الأهداف تحققت بفضل الله في المقام الأول، وبفضل المعلومات التي جمعت في أثناء حرب الاستنزاف التي تعتبر بمثابة التطعيم لحرب أكتوبر ففترة الاستنزاف هي بالنسبة لنا التدريب على المعركة، فالمعلومات التي تم تجميعها لو لم تكن دقيقة ومحددة لما كنا حققنا هذه النتيجة.

ثم تحدث اللواء الغاياتي عن دوره قائلا:

أيام 73 كنت قائد كتيبة في “رأس العش”، وهو موقع حصين وهو أول موقع في خط بارليف من اتجاه الشمال، ويسيطر على المدخل الشمالي الشرقي لقناة السويس، وكان مشهورًا بموقع “ترمومتر 10 جنوب بورسعيد”.. أنا كقائد كتيبة كنت أصعد بسلالم عربة المطافئ إلى غرب القناة لأتخيل شكل هذه النقطة، فكنت أعبر غرب القناة، وأصعد فوق البرج، وأتخيل وفقًا للمعلومات التي تصل لي من مركز الاستطلاع بجهاز المخابرات أماكن العدو ودباباته على أرض الواقع بمعنى أن المعلومات كانت تشير إلى أن في هذه المنطقة كتيبة للعدو، وعددًا من الدبابات فكنت أقدر أماكنهم، وأحولها للرسم على أرض الواقع؛ لكي أدرب عليها جيشنا وبالفعل بناء على هذه المعلومات قمنا بعمل نقطة حصينة في مطار بورسعيد ودربنا عليها القوات”.

وأشاد اللواء الغاياتي بمعركة رأس العش التي بدأت من 1 يوليو إلى شهر سبتمبر 68 والتي أعطت للعدو درسًا قاسيًا وجعلته لا يفكر في أي هجوم بعدها، ففي 1 يوليو حاول العدو أن يقتحم بور فؤاد، ولكن 30 جنديًا تصدوا لهم بشجاعة باسلة وكسروا لهم دباباتهم، ومنذ هذه اللحظة لم يفكر العدو أن يهاجمنا مرة أخرى.

ثم أفرج اللواء محمد الغاياتي عن وقائع وقصص ساعدت كثيرًا في تجميع المعلومات عن العدو، وفي البداية بدأ بنفسه عندما تنكر في زي البدو، واتفق مع البدو على أن يكونوا نقط مراقبة لتحركات العدو، وبالفعل كانوا أجهزة مراقبة بشرية تراقب أولا بأول تحركات العدو وتبلغنا بها، فالبدو يعتبرهم اللواء الغاياتي هم الأمناء والمدافعون عن بوابة مصر الشرقية، فهم لهم دور لا يستطيع أحد إنكاره في جمع المعلومات.

وبفضل المعلومات يؤكد الغاياتي أن كل جندي كان واضحًا له ماذا يجري وراء التل فهو متخيل لكل شيء خلفه، وهو سر نجاح المعركة؛ فالمعلومات والنيران هما جناحا أي معركة؛ لأنهم لابد أن يسبقوا المعركة كما لابد أن يصاحبوا المعركة، بل لابد أن تنتهي بهم أيضا المعركة، كما أكد الغاياتي أن المعلومات لا تقتصر على المعلومات العسكرية فقط، بل تمتد لتشمل المعلومات السياسية والمعلومات الاقتصادية والإستراتيجية، ومعلومات عن الأسلحة والذخيرة، ومواعيد التدريب للعدو ومواعيد وصول السفن التجارية والبحرية، فكل معلومة صغيرة تكمل الأخرى، ولنجاح المعركة كان اهتمامنا بالتفاصيل الصغيرة عن حياة العدو، فهذه التفاصيل مهدت لنا الطريق لمعرفة ثغرات العدو التي ساعدته أن ينتصر علينا في 67، وهو يتربص بالقوات المصرية منها الثغرات في الساتر الترابي، ومواسير الألغام، كل هذه العراقيل فكرنا في التخلص منها.. ففكرنا في كيفية سد مواسير الألغام واستطعنا فتح ثغرات الساتر الترابي وهدمه وعبوره.

وهذه العراقيل توصلنا لها من خلال قوات لنا أبطال عاشوا خلف خطوط العدو لمدة ستة أشهر، وأيضا بفضل القوات البحرية ووزارة الداخلية وممثليهم في الأردن الذين ساعدونا في مراقبة ميناء إيلات خلال سنة كاملة، واستطعنا خلال هذه السنة جلب المعلومات حول معدل دخول السفن التجارية وميعادها وعن أماكن السفن الحربية ومعلومات تفصيلية عن كل ثغرة في الميناء.