فى "الصحفيين": النخبة فشلت فى إحداث التغيير.. والوضع باقٍ حتى إشعار آخر

14-2-2011 | 21:44

 

علاء الدين سالم

فشلت أولى المحاولات الجادة لإسقاط مجلس نقابة الصحفيين عصر اليوم الإثنين 14 فبراير، حينما لم يكتمل النصاب القانوني لعقد اجتماع طارئ للجمعية العمومية، حيث لم يتجاوز عدد الحضور فيه ألف صحفي قد يزيد أو يقل، إلا أن المحصلة واحدة.

كانت مجموعة قد أطلقت على نفسها "التغيير"، دعت للاجتماع بوصفها المعبر الحقيقي عن ضمير الصحفيين، ومطلبه الرئيس إسقاط المجلس الحالي عبر جمعية عمومية طارئة، والدعوة لانتخابات تفرز مجلسا آخر جديدا، يعبر عن ضمير الصحفيين، وليس السلطة والحزب الوطني كما كانت الحال من قبل.
وقد تسلحت تلك المجموعة في تلك الدعوة بقرار المحكمة الدستورية العليا القاضي بإلغاء القانون رقم 100 الناظم لعمل النقابات المهنية في مصر، وأن دعوتهم ليست لتصفية الحسابات مع المجلس الحالي.. إلا أن الحالة الثورية التي عليها مصر الآن بعد نجاح ثورة الشباب في إزاحة نظام مبارك والحزب الوطني، من دون شك أعطت قوة دفع لا يستهان بها لمطالب التغيير في أكثر من نقابة بما فيها نقابة الصحفيين .
وهذه الحالة الثورية انتقلت بدورها للنقابة سريعا شأن جميع مرافق ومؤسسات المجتمع، وأخذت شكل المطالبة بسحب الثقة من النقيب مكرم محمد أحمد المحسوب على النظام السابق، والذي اعتبرته شريحة كبيرة من الصحفيين عدوا لهم وللمهنة.
كان النقيب قد أخذ إجازة مفتوحة من عمله ب النقابة ، قبل أيام تحت ضغط الصحفيين، عقب الإهانة التي تعرض لها خلال تشييع الجنازة الرمزية للصحفي بالأهرام أحمد محمود من داخل النقابة لميدان التحرير، ووكل نائبه عبد المحسن سلامة بالقيام بأعمال النقيب لأجل غير مسمى.
وانفض الاجتماع الذي أداره النقيب السابق جلال عارف، وتحدث فيه العديد من الصحفيين من دون الاتفاق على شيء ملموس رغم كثرة المطالب التي عرضت بتلك الجلسة، إلا من الدعوة لاجتماع قادم يوم الجمعة 18 فبراير لاختبار مدى قوة التغيير، وذلك قبل انعقاد الجمعية العمومية العادية يوم 4 مارس التي يبدو أنها توقيت الحسم النهائي لهذه المسألة.
بالإضافة للتوافق على استمرار المجلس الحالي في تسيير أمور النقابة لحين إجراء انتخاب مجلس جديد وسريع.
بدأ في هذا الاجتماع إخفاق ما ينظر إليهم كنخبة فاعلة وموجهة للرأي العام المصري، في إدارة حوار جاد وموضوعي حول إنفاذ وتمرير عملية التغيير داخل ليس النقابة فحسب، وإنما أيضا داخل مؤسساتهم الصحفية، حيث بدا المشهد عبثيا بكل المقاييس.. إذ لا يعقل أن يفشل هؤلاء في الاتفاق على مجموعة مبادئ يُدار من خلالها الشأن الصحفي، بشكل تدريجي وموضوعي بعيدا عن الأهواء والمطالب الشخصية.
ولا يعقل أن تطلق عملية التغيير الشامل دفعة واحدة دون ضابط، فالتغيير من أجل التغيير، وتحقيقه دفعة واحدة ليس من الرشادة والعقلانية التي يفترض أن تتمتع بها النخبة التي يمثلها هؤلاء، أما أن يتحول الأمر مثل سوق "عكاظ"، كل من له كلمة أو مطلب يطرحه على طاولة الحوار دون تقدير لما هو عام وخاص ما هو ملح وما قبل التأجيل، فهذا شيء لا يتسق مع أطر تحرك وعمل النخب الثقافية.
فإذا كان هذا مبررا لدى العامة من الناس، فهو لا يليق بأي حال من الأحوال مع نخبة يفترض فيها العقلانية والقدرة على القيادة والتوجيه بعيدا عن ضغوط الواقع.
حيث كان من المفترض في النخبة الصحفية أن تدرك أن إصلاح ما هو عام، كفيل تلقائيا بتأمين وتغيير ما هو خاص بكل ما يحمله من تشويه وظلم، بسبب غياب المؤسسية والإعلاء في قيم الشخصنة والولاء السياسي على ما هو مهني.
وقد بدا ذلك في كم ونوعية المطالب التي طرحت على بساط البحث داخل هذا الاجتماع الأول. إذ تنوعت مطالب التغيير ما بين إنفاذ الإصلاح والتغيير داخل النقابة من خلال إسقاط المجلس القديم بدءا من المجلس الحالي وانتهاءً بالإجراءات المنظمة للعمل الصحفي داخل النقابة والمجتمع في آن واحد، لتشمل في نفس الوقت جميع المؤسسات الصحفية المنضوية تحتها، وفي مقدمتها الصحف القومية، عبر المطالبة بإلغاء مجالس الإدارة والتحرير الحالية، وانتخاب أخرى جديدة.
وبينهما أثيرت هموم العمل الصحفي العام مثل حرية تداول المعلومات، وإعادة الاعتبار للنقابة ودورها بعيدا عن التبعية للنظام السياسي أو الحزب الحاكم. بل طالب البعض بالمحاسبة السياسية والمهنية لممارسات وشخوص الفترة الماضية بالكامل وفي مقدمتهم محاكمة صفوت الشريف رئيس المجلس الأعلى للصحافة على ممارساته تجاه تقييد حرية الصحف وإغلاق الصحف المستقلة والحزبية، وطالبوا بنشر قائمة سوداء للصحفيين الذي ناهضوا ثورة التغيير، وإعادة إصدار تلك الصحف من جديد، وفي مقدمتهم الشعب.
بل طالب البعض بتجميد عضوية اتحاد الصحفيين العرب الذي ناهض ثورتي مصر وتونس، بالإضافة لتجميد النشاط الفوري لرؤساء مجالس إدارات وصحف روز اليوسف، صباح الخير، وأكتوبر، بالإضافة إلى وكالة أنباء الشرق الأوسط.
على النقيض من طوفان التغيير، التزم أعضاء مجلس النقابة الذين حضروا الاجتماع الهدوء والصمت، لكون العاصفة باتت أكبر من احتوائها بكلمات أو وعود عجز بالأمانة سواء المجلس الحالي وحتى المجالس السابقة عن تمريرها، بسبب أوضاع يسأل عنها الصحفيون أولاً قبل غيرهم.
وبعد الاجتماع أكد أحد هؤلاء، أن المجلس باق حتى انتهاء مدته القانونية، وأنه لا نية للاستقالة الفورية أمام هذا المد الاحتجاجي.. وأنه إذا كانت هناك مطالب للتغيير، فيجب أن تمر عبر الجمعية العمومية صاحبة الحق القانوني في التغيير، وليس مجرد اجتماع يدعو إليه بعض ما وصفهم باليساريين داخل النقابة .
فإذا كان التغيير مطلب أساسي ومحوري لمهنة تكالب عليها النظام السابق وبعض الصحفيين أيضا لدفعها نحو الانحدار لهوة سحيقة أفقدتها القدرة على أن تكون ضمير الرأي العام وعيونه الكاشفة والقادرة على المحاسبة السياسية، فإن إدارة هذا التغيير باتت مطلبا أكثر حيوية بهذه المرحلة الراهنة.
فما نشهده الآن هو بمثابة تدمير للذات ليس بناء لصالح التغيير المطلوب.. فإذا كانت الفوضى والارتباك الذهني واختلاط الأدوار والمطالب سمة حاكمة للانتقال من نظام لآخر يقوم على أنقاضه، فإن النخبة بحكم سعة آفاقها لا يجب أن تنزلق لهذه الفجوة الاضطرارية بين نظام أفلت دورته الزمنية حسب النظرية الخلدونية وآخر جديد على وشك البزوغ، وأن تتسلح بالعقلانية المفترضة فيها لكي تدير عملية التغيير بقدر عال من الرصانة وتأمين المصلحة العامة والمهنية لا لسبب سوى تحصين هذه المهنة من الأمراض المهنية، وما بها من فساد مالي وإداري طغي على كل شيء.
لذا فإن رسم خريطة طريق جديدة للنقابة، وتقوية دورها تجاه توغل الدولة والمؤسسات الصحفية نفسها من الأهمية بمكان في تلك المرحلة المفتوحة على آفاق جديدة، وهي مهمة يجب على العقلاء أن يضطلعوا بها، فهذا في حد ذاته بالإضافة لعامل الوقت كفيلان بالإصلاح الشامل الذي يريده كل صحفي ليس تجاه حل مشاكله الشخصية والمهنية داخل مؤسسته ومع نقابته.

مادة إعلانية

[x]