العلاقات "المصرية - الخليجية" تغادر منطقة "الفتور والتجاذب" إلى مرحلة "التعاون والتقارب"

21-9-2013 | 20:38

عدلي منصور

 

العزب الطيب الطاهر

ثمة دلالات بالتأكيد لاختيار الرئيس المؤقت المستشار عدلى منصور ثلاث دول خليجية -هي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و الكويت - لتكون وجهة أول جولة خارجية له في نهاية سبتمبر الجاري، منذ توليه منصبه فى أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو.


ومحاولة من "بوابة الأهرام" لرصد هذه الدلالات سألت عنها كلا من الدكتور عمر الحسن رئيس مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، والدكتور فخرى الطهطاوى مدير مركز إدارة الأزمات بالقاهرة.

بداية يقول الدكتور عمر الحسن: تأتي هذه ال جولة في إطار التحول من مرحلة "الفتور والتجاذب" في عهد الرئيس المعزول "محمد مرسي"، إلى مرحلة "التعاون والتقارب" بعد تصحيح مسار ثورة 25 يناير 2011، وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول طبيعة الزيارة وتوقيتها ودلالاتها في ضوء الأزمة المصرية الحالية، ما بين مؤيدي "خارطة الطريق" التي وضعها الجيش المصري، وبين أنصار الرئيس المعزول.

وتكمن أول هذه الدلالات –كما يضيف- فى أن هذه ال جولة تجيء في وقت تشهد فيه الدولة المصرية أزمة سياسية واقتصادية وأمنية تضعها على المحك، وتتطلب حلولاً فورية لمجابهتها، وكذلك تشهد المنطقة تحولات وتقلبات سياسية ربما تسفر عن ميزان قوى إقليمي جديد يعمل لصالح قوى بعينها دونما قوى أخرى لم تقدر استراتيجية الوقت والتنفيذ.

كما تأتي ـ أيضًاـ في إطار رغبة النظام المصري الجديد في توطيد وتعزيز العلاقات مع ال دول الخليج ية التي أيدت تصحيح مسار ثورة 25 يناير، وهو ما تجسد في أبسط صوره -ليس فقط في إصدار قيادات خليجية بيانات رسمية وبرقيات تهنئة للنظام المصري الجديد تعبر عن ارتياحها لما حدث- وإنما في تقديم الدول الثلاث مساعدات مالية تقدر بـ12 مليار دولار، وإعلانها إرسال أساطيل محملة بالمنتجات البترولية لإسعاف الاقتصاد المصري، وإرسالها وفودًا على مستوى ولاة العهد، ووزراء الخارجية للقاء القيادات المصرية، ودعم الاقتصاد المصري وانتشاله من الغرق نتيجة الأزمة، وإفراج الإمارات عن معظم المعتقلين المصريين لديها، وتبرع الشيخ "خليفة بن زايد" بمبلغ 250 مليون درهم إماراتي لتمويل مشروعات مختلفة تخص الأزهر الشريف، واختيار شيخ الأزهر د."أحمد الطيب" شخصية العام الثقافية.

وبناء على التطورات السابقة -والكلام للدكتور الحسن- فإن جولة الرئيس عدلي منصور "تعكس إدراكًا مصريًّا لأهمية دول الخليج ـ التي تدرك أيضًا أهمية مصر ـ على عدة مستويات، فعلى المستوى الاقتصادي ثمة مصلحة حيوية لمصر في استمرار علاقتها مع دول الخليج بهدف دعم الاقتصاد المصري سواء عبر المساهمة في حل مشكلة البطالة؛ حيث إنه من بين نحو 18 مليون عامل أجنبي يعملون في دول الخليج الست طبقًا لإحصاءات عام 2011 تزيد أعداد العمالة المصرية عن 3 ملايين عامل، تزيد تحويلاتهم السنوية عن 5 مليارات دولار فيما يعد أبرز مصادر النقدي الأجنبي لمصر، أو عبر تعزيز معدل التبادل التجاري والاستثماري.

ومن المعلوم أن السعودية تحتل المرتبة الأولى كأكبر شريك تجاري عربي بالنسبة لمصر؛ حيث بلغ إجمالي عدد الشركات السعودية المسجلة فيها عام 2011 أكثر من 2355 شركة، وينفق السعوديون نحو 500 مليون دولار سنويًّا من خلال الوفود السياحية لمصر؛ إذ تأتي في المرتبة الثانية عربيًّا من حيث التدفق السياحي العربي، ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 4 مليارات دولار، فيما يصل حجم الاستثمارات السعودية في مصر إلى نحو 10 مليارات دولار.

وأيضًا تعد الكويت من أهم الدول المستثمرة في مصر؛ إذ تحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول العربية من حيث حجم الاستثمارات، ويصل عدد المشروعات الاستثمارية الكويت ية المشتركة المقامة في مصر إلى 460 مشروعًا استثماريًّا برأسمال قدره 24.5 مليار جنيه، بينما يبلغ حجم الاستثمارات الإماراتية قبل صفقة شبكة المحمول الثالثة 2007 نحو 8.5 مليار جنيه موزعة على 105 مشروعات منها 92 مشروعًا في المدن الصناعية و13 مشروعًا في المناطق الحرة، فيما زادت إجمالي المساعدات الخليجية المقدمة لمصر منذ فبراير 2011 عن 20 مليار دولار.

وعلى المستوى السياسي –يتابع الدكتور الحسن- تدرك مصر الثقل السياسي ل دول الخليج في التفاعلات السياسية الإقليمية والدولية عبر ورقة النفط وموقعها الجغرافي والاستراتيجي والحيوي بالنسبة للمنطقة والعالم، مقابل إدراك دول الخليج أن مصر هي دولة العالم العربي المركزية، ومن ثم، فإن غيابها أو تغييبها سواء بفعل خارجي أو داخلي يفقد هذا العالم مركزه، ويجعله ساحة تنافس بين القوى الإقليمية غير العربية، فضلاً عن القوى الدولية.

ولهذا فإن العلاقات الخليجية - المصرية خاصة تلك الشعبية تعد أهم العلاقات داخل النظام الإقليمي العربي، والمسؤولة عن مدى تحقيق التضامن والعمل العربي المشترك، وهو ما يعني أن أهمية هذه العلاقات لا تقتصر فقط على طرفيها ولا على إقليمها المباشر، ولكنها مع ما يمكن أن يمثله التكامل بين المال الخليجي وقوة العمل المصرية من دلالات أمنية واقتصادية يمكن أن تمتد إلى العالمين العربي والإسلامي.

أما على المستوى الاستراتيجي، فيدرك الطرفان أن العلاقات المصرية - الخليجية شكلت منذ عودة مصر إلى جامعة الدول العربية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي القاعدة الأساسية للسياسات العربية واستقرار النظام العربي وتدعيم أمن الخليج العربي، وضمان عدم اختلال موازين القوى في منطقة الخليج، لا سيما فيما يتعلق بتوسيع الدور السياسي والنفوذ العسكري الإيراني في ظل امتلاك قدرات نووية ذات أبعاد عسكرية، بما يحمل احتمالات سلبية ليس على الأمن الداخلي الخليجي فيما يعرف بتهديد "عروبة" الخليج، وإنما على الأمن القومي المصري، وهو ما يعني أن أي اهتزاز في هذه العلاقات يمكن أن ينعكس سلبًا على مسار ومصير النظام العربي كله.

ولا يمكن في هذا الإطار غض الطرف عن تأييد ومساندة مصر لل دول الخليج ية فيما واجهته من أزمات ومشكلات؛ إذ وقفت بجوار الكويت إبان تهديدها من قبل عبد الكريم قاسم عام 1961 وغزو نظام "صدام حسين" لها عام 1990، وساندت مملكة البحرين إزاء الادعاءات والتهديدات الإيرانية الماسة باستقلالها وسيادتها، وأيضًا الدعم المصري للسعودية في حربها الحدودية مع الحوثيين في اليمن.

ويلفت الدكتور الحسن الى إن كل المؤشرات السابقة في ضوء جولة "منصور" المرتقبة، تؤكد أن العلاقات المصرية – الخليجية تحظى بمكانة متميزة في إطار العلاقات العربية – العربية، وهي بحاجة إلى مزيد من التفعيل على كافة المستويات السياسية والاستراتيجية والأمنية والاقتصادية، لما يترتب على ذلك من فائدة مشتركة للجانبين من جهة، ومن جهة أخرى مواجهة التحدي الإيراني ل دول الخليج العربية، عبر قيام مصر بدور الطرف الموازن بين الجانبين؛ إذ إن أمن الخليج واستقراره - كان وسيظل - جزءًا من أمن مصر واستقرارها مهما كانت التطورات التي تشهدها المنطقة، وهو ما تدركه القيادات في الطرفين, بل وخطت خطوات نحو ترسيخه وتدعيمه، من خلال الزيارات المتبادلة، والتي تحظى الأبعاد الاقتصادية والأمنية فيها بالأولوية على ما عداها من أبعاد أخرى.

أما الدكتور فخرى الطهطاوى فيتوقف بشكل خاص عند زيارة الرياض باعتبارها المحطة المهمة فى ال جولة الخليجية المرتقبة للرئيس منصور، مشيرا الى أنها تعكس تكامل الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية ، مع تعافي القاهرة في تحقيق تطلعات المصريين من ثورة 30 يونيو حيث الأهمية البالغة في إجراء عملية تقييم واسعة وعميقة للعلاقات المصرية الخارجية بشكل محترف كخطوة أولي في طريق صياغة السياسة الخارجية المصرية تجسد أهم مطالب المصريين ألا وهو "تحقيق مجال أوسع لإستقلال القرار الوطني في عالم متشابك المصالح".

حيث يدرك المتابع للسياسة الخارجية المصرية ودوائرها الكلاسيكية الثلاث – العربية -الإفريقية- الإسلامية – أن تأتي الزيارة المتوقعة وفاءا بمتطليات الدائرة الأولي بالرغم من المتغيرات العميقة التي تموج بها المنطقة العربية وبالتالي علاقاتها، وهو ما يرتب علي الإدارة الجديدة أن تمتلك رؤية تترجم ماسبق وتدعم الفعالية السعودية في ترميم الأمن القومي العربي، ومن ثم تضع أجندة موضوعية للزيارة تعكس مؤشرات قوية لتعافي مصر في باكورة تحركها تجسيدا لرؤية مصرية في ضوء المتغيرات العميقة التي تعصف بالمنطقة.

ويعرب الدكتور الطهطاوى عن قناعته بأن كلا من القاهرة والرياض يمثلان دعائم رئيسية للعمل العربي وضمانة للأمن الإقليمي، والتطورات الاخيرة في مصر شكلت ضربة معنوية تلقاها محور اقليمي يصطدم بالثوابت العربية مما دفع المملكة الى الواجهة كمرجعية عربية معنية بما يجري في المنطقة وصاحبة دور اقليمي لا يمكن تجاوزه في مصر أو في سوريا ناهيك عن البحرين أو الاردن ولبنان.

مشيرا الى ما حققته المملكة على هذا الصعيد يجسد استعادة لزمام المبادرة وافقاد توازن لقوى اقليمية تتنافس على مواقعها وحصصها في المنطقة. فازاء الاخطار التي شكلها التدخل الايراني الواسع في سوريا وترجمه التدخل العلني لـ"حزب الله"، معتبرا أن مسارعة السعودية لتكون الدولة الاولى التي تهنئ باطاحة حكم محمد مرسي بعد ساعات على حصوله أربك الولايات المتحدة في شكل خاص والدول الغربية، باعتبار انه يصعب على هذه الدول مناقضة المملكة أقله وفق البعد الذي رتبه التحول المهم في مصر بالنسبة الى التوازنات الاستراتيجية الاقليمية في المنطقة.

والأمر نفسه ينطبق على ترتيب شئون المعارضة السورية وتوحيد رؤيتها، في خط مواز للتطورات المصرية. ولم يكن أقل أهمية الاعلان عن امتلاك المملكة صواريخ باليستية موجهة الى كل من اسرائيل وايران في وجه التهديدات التي تشكلها كل منهما على حد سواء، بالنسبة إلى دول المنطقة وفق ما تشي الترجمة السياسية لهذا الاعلان خصوصا في ضوء التطورات الاخيرة.

ومن المهم القول –يختتم الدكتور الطهطاوى حديثه- أن الدور السعودى فى الازمة البحرينية، وإن كان واضحا فى اطار مجلس التعاون الخليجى فإنه بارز فى الازمة المصرية من خلال جهد دبلوماسى فاعل دفاعا عن مصر وشعبها ضد المؤامرة التى تحيكها الولايات المتحدة وحلفاؤها من أجل المصالح الصهيونية على حساب الامن والوحدة العربية، بل ترى فى التفتيت منهجا لادارة شئون المنطقة، وهو ما يتعارض مع أمنها القومى ومستقبلها السياسى.
[x]