"المستشفيات الميدانية" بدون مواجهات.. والمغص الكلوي والبرد أكثر الأمراض انتشارا

10-2-2011 | 21:48

 

دينا مصطفى

لمظاهرات ميدان التحرير وجوه شتى، إنسانية واجتماعية ووطنية، مؤثرة، لكن أعتقد أن أكثرها تأثيرا المشاهد التى لها علاقة بالشهداء، والدور البطولى الذى لعبه عدد كبير من الأطباء المخلصين، من خلال الإسعافات الأولية للجرحى والمصابين.

"المستشفى الميداني" مصطلح حربي يستخدم لوصف علاج الجرحى قريبا من ميدان الحرب، لكنه ظهر في ميدان التحرير بوسط القاهرة، بعد أن تظاهر الشباب خلال عيد الشرطة الموافق 25 يناير التي اعتقد البعض أنها مجرد مظاهرة يذهب بعدها كل منهم إلى منزله، لكن الأمر تطور، لتصبح المظاهرة بداية ثورة، فاعتصمت الجموع في ميدان التحرير ، وهو ما دفع قوات الشرطة والمناصرون للحزب الوطني، إلى محاولة تفريقهم باستخدام العنف فوقع عدد من القتلى والجرحى بالميدان.
أقام كثير من المتطوعين عددا من المستشفيات ب ميدان التحرير ، عقب ما عرف بـ"موقعة الجمل والحصان" التي وقعت يوم الأربعاء الدامي في مطلع فبراير الجاري، حيث ازدادت أعداد القتلى والجرحى، بعد أن اقتحم بلطجية، قيل أنهم جاءوا بتحريض من أعضاء فى الحزب الوطنى، على ظهور الجمال والخيل إلى ميدان التحرير ، في محاولة لاخلاء المحتجين. لكن بعد أن ذهبت بلضجة الأربعاء الدامى وهدأت المظاهرات، بدأت تتزايد المستشفيات الميدانية لتمارس عملها وسط المتظاهرين، وترسم مشهدا إنسانيا مؤثرا.
الدكتور محمد يسري "33سنة- صيدلي" جاء إلى ميدان التحرير ليقدم الإسعافات الأولية اللازمة والتي يرى أنها أبسط ما يمكن أن يقدمه للمواطنين، في ظل هذه الظروف الراهنة.
محمد كغيره من المتعاونين يذهب إلى عمله بإحدى شركات الأدوية في الصباح ويعود بعدها إلى الميدان ولا يغادره حتى يتمكن من إسعاف عدد كبير من المصابين.
وعندما سألته عن مصدر العلاج قال: أنه يأتي من تبرعات الأهالي الذين سارعوا لشراء لعلاج من أماكن مختلفة حتى يتم سد النقص الحاد فى العيادات الميدانية، مؤكدا على أن جميع أنواع العلاج يأتي كـ"تبرعات فردية" من قبل الأهالي الذيت تعاطفوا مع المتظاهرين ومن سقط جريحا او قتيلا منهم.
ومن خلال جولة وسط العيادات المتنقلة عرفت أن المغص الكلوي والرشح وحالات البرد وانخفاض الضغط، أكثر ما يعاني منه الناس في ميدان التحرير . وأوضح الدكتور محمد رغم هذه التجمعات الكبيرة التى جاءت من مختلف المحافظات، إلا أنه لا توجد أي حالات لمرض الأنفلونزا سواء الطيور أو الخنازير وقال ضاحكا "الموالين للحكومة هم فقط الذين يصابون بهذه الأمراض ".
لكن الدكتور عبد الرحمن ربيع " تخصص باطنة-26 سنة"، يؤكد أن مرضي الضغط والسكر هما أكثر ما يعاني منه المتظاهرون في ميدان التحرير . وقال كل ما نقوم به في ظل عدم وجود اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين هو اسعاف المرضى وتوفير العلاج اللازم لهم، بالإضافة إلى تطهير الجروح التى أصابت بعض المتظاهرين في الاشتباكات الدامية في ميدان التحرير .
دكتور عبد الرحمن ترك بلدته التى تبعد عن القاهرة عشرات الكيلو مترات وجاء إلى ميدان التحرير مطلع شهر فبراير الجاري لأنه يرى أنه لابد أن يكون له دور في هذه الثورة ودعم شبابها وشيوخها بهذا الجهد البسيط. ولديه اقتناع أن هذه اللحظة تاريخية حيث تكتب سطور جديد لمصر، ولا يصح أن يكون مهمشا لأنه مصري ويحب بلده وفخور أنه متواجد في الميدان ويرفض أن يعود إلى بلده أو حتى عمله إلا بعد رحيل النظام الحالي وتحقيق الإصلاحات المطلوبة.
الدكتور هاني الجندي "أخصائي جراحة تجميل- 35 سنة" قصة أخرى، حيث جاء من محافظة المحلة وحضر إلى ميدان التحرير ليخدم كافة المواطنين، فهو يقوم بالمرور على الأشخاص في الميدان ويبحث عن المصابين ليجري لهم جراحة تجميلية على جروحهم. وفي نهاية اليوم ينام بجوارهم على الأرض في قلب ميدان التحرير . بالإضافة إلى أنه يقوم بتنظيف الميدان ويحمل القمامة مع الشباب ولا يشعر بأي حرج في ذلك، بل أن هذا العمل يرفع من كرامته ويجلب له المزيد من الشرف، فكل شىء يهون فى سبيل الوطن.
الدكتور ضياء سليمان "أخصائي العظام بمعهد ناصر-38 سنة" يرى أن هناك واجبا وطنيا وإنسانيا لابد أن يقدمه لمصر ولشعبها. وأكد أن هذا الشعور ازداد داخله بعد محاولته علاج 5 من الشهداء، منهم من كان مصابا بجرح عميق بسبب طعن فى البطن، ومنهم من تلقى العديد من الرصاصات الحية يومي الجمعة والأربعاء الداميين.
يقول الدكتور ضياء أن أكثر الحالات التي تأتي إليه فى المستشفى الميداني التى يطلق عليها "مستشفى الثورة"، هي حالات شد عضلي بالرقبة والظهر بسبب الرطوبة الشديدة، بالإضافة إلى التغيير على الجروح والكسور القديمة، وأضاف قائلا " أشكر الرئيس مبارك الذى جعلنا يدا واحدة"، مشيرا إلى روح التكافؤ والتعاون والحب بين جميع المتواجدين في ميدان التحرير .
خرجت من هذه الجولة وأنا على قناعة أن المحن تصنع المعجزات. ووجدت فى كل مصرى ومصرية خيرا كثيرا، كان من الصعوبة التعرف عليه دون مظاهرات ميدان التحرير ، التى أشكرها لأنها كشفت الوجه الآخر للمصريين، الذين يستطيعون عمل المستحيل. فالميدان الذى كان يعج بالموظفين تحول إلى ميدان حاشد بالوطنيين والمثابرين والمخلصين.

مادة إعلانية

[x]