الخصوصية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية فى التجربة التونسية

15-1-2011 | 21:02

طباعة

شيماء عبد الهادى

سنوات طويلة من قمع الحريات عاني منها سكان جمهورية تونس الخضراء، بشكل جعلها دائما تأتي في مرتبة متقدمة في قائمة الدول التي لا تحترم سجل حقوق الإنسان، طبقا لتصنيفات كثير من المراقبين الدوليين، العاملين فى مجال رصد تطورات المجتمع المدنى.

تونس وفقا للقانون، جمهورية دستورية، لكنها وفقا للأعراف والتقاليد أصبحت بعيدة تماما عن القانون والدستور.. فقد هيمن عليها حزب واحد، هو حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، حتى ساعات قليلة ماضية، كان يرأسه زين العابدين بن علي ولا أحد يعلم فى الساعات القادمة من الذى سيشغل هذا المنصب الحزبى.
تقارير كثيرة أكدت أن هناك مجموعة كبيرة من العوامل الداخلية لعبت دورا مهما فى الوصول إلى المشهد الدرامى الذى رآه العالم مساء الجمعة.. مشهد من الصعوبة أن يتكرر فى بلد آخر، فالرئيس زين العابدين فر بجلده وهو لا يدرى إلى أين ستكون وجهته، وفى النهاية حطت طائرته فى مطار جدة بالسعودية.
رصدت منظمات حقوقية غير حكومية، محلية ودولية، أن قوات الأمن كانت تمارس التعذيب، خلال الفترة السابقة، بحق السجناء والمحتجزين وتسيء معاملتهم جسديا. كما كانت تعتقل وتحتجز الأشخاص بشكل تعسفي، وظلت الحكومة غير متسامحة مع الانتقاد العلني الموجه لها، فيما ظل الفساد مشكلة قائمة، وربما مؤسسة فى حد ذاته.
ورغم أن القانون التونسي يحظر ممارسات التعذيب والاحتجاز التعسفي، إلا أن الكثير من التقارير الحقوقية أكدت تعرض المحتجزين للتعذيب الوحشى علي يد قوات الأمن لانتزاع اعترافات منهم وإحباط مقاومتهم، مستخدمين في ذلك كل أساليب العقاب، مثل الحرمان من النوم، والصواعق الكهربائية، والضرب بهراوات الشرطة وإغراق رأس المحتجز في الماء وغيرها من الأساليب غير الإنسانية.
قد لا ينسي الشعب التونسي "عبد المطلب بن مرزوق" الذي علق في مارس 2009، من كاحلي قدمه في وضعية "دجاجة مشوية" من أجل استخراج اعتراف منه حول مشاركته المزعومة في شجار وقع في إحدى الحانات.
ومع أنه أبلغ بعملية التعذيب التي تعرض لها، إلا أن السلطات لم تكتف بعدم توفير أي عناية طبية لمعالجته بل أدانته فيما بعد بموجب قانون مكافحة الإرهاب بأنه ينتمي إلي خلية إرهابية.
ثم هل ننسى قصة محمد البوعزيزى الذى رفضت الشرطة تسجيل محضر باسمه ردا على إهانة ضابطة له وهو يقف فى السوق يحاول أن يكسب قوت يومه تغلبا على البطالة التى تقهر الكثير من التونسيين، وهو ما أدى إلى أن يشعل فى جسده النار. ويوقد معه شرارة انتفاضة ، لا أحد يعلم حتى الآن متى سيتم إطفاؤها.
الأوضاع في السجون وفي مراكز الاحتجاز لم ترق إلي المستوي الأدني للمعايير المقبولة، لا عربيا ولا دوليا.
وبحسب بعض التقارير الحقوقية، فإنه ينتشر الجرب بين المسجونين إذ يتم احتجاز نحو 50 سجينا في زنزانة واحدة، يتقاسم فيها معظمهم أسرة النوم، فيما يتشارك أكثر من 100 سجين في استخدام دورة مياه واحدة ومرحاض واحد.
وعبر موقع "تونس نيوز دوت نت" يوالي عائلات المعتقلين نشر رسائلهم احتجاجا علي ظروف الاعتقال المتردية وعدم توافر الرعاية الطبية، فضلا عن حرمان المعتقلين من الزيارات العائلية.
ويلفت مراقبو حقوق الإنسان إلي رفض مسئولي سجن القصرين السماح للمسجون عدنان حجي الذي كان يعاني مرضا في الكلي بأن يتلقى الأدوية الطبية التي زودته بها زوجته.
لم يكن السجناء السياسيون أفضل حالا من غيرهم.. فبدلا من إخضاعهم لسلطة مسئولي وزارة العدل يتم إخضاعهم لسلطة قوات الأمن التابعة لإدارة أمن الدولة في وزارة الداخلية والتنمية المحلية التونسية.. علاوة على فصلهم عن غيرهم من السجناء العاديين وتعرضهم للعقاب الشديد في حال تواصلهم.
لعب الرئيس زين العابدين بن علي، الذي كان يرأس المجلس الأعلي للقضاء، دورا كبيرا في" التلاعب" بالإجراءات القضائية في قضايا السياسة والمعارضين، وعلي الرغم من استقلال السلطة القضائية بنص القانون إلا أن السلطة التنفيذية كانت تمارس عليها سلطة غير مباشرة من خلال تعيين القضاة وتحديد مهامهم وتثبيتهم ونقلهم.
في الوقت الذي نص فيه القانون علي افتراض براءة المدعي عليهم إلي حين إثبات إدانتهم، كان المسئولون يتجاهلون هذا الافتراض في القضايا السياسية بشكل خاص، وربما كان هذا سببا في عدم معرفة عدد السجناء السياسيين إلا أن منظمات حقوق الإنسان قد ذكرت فى بداية العام الماضى أن الحكومة اعتقلت وسجنت أكثر من ألفى شخص منذ عام 2005 بموجب قانون الإرهاب دون توافر الأدلة الكافية.
وبحسب الشبكة العربية لحقوق الإنسان، اعتادت أجهزة الأمن التونسية علي أن تسلك الطرق الملتوية لمعاقبة معارضيها، حتي تتمكن من إلقاء القبض عليهم.
في تونس، كان عليك أن تعلم أن كل شىء مباح حتي رسائلك الإلكترونية الخاصة أو" الفاكسات" فنظام بن علي كان شديد القلق والتعسف في آن واحد.
ورغم حظر القانون التونسي للتدخل في خصوصية الأفراد، لكن الحكومة لم تحترم بشكل عام هذا الحظر، وكانت الشرطة تتجاهل ضرورة الحصول علي مذكرة تفتيش قبل القيام بعملية التفتيش تحت زعم "المسألة تتعلق بأمن الدولة".
كان نظام" بن علي" نظاما فرديا بمعنى الكلمة، لا يقبل بالتعددية التي نص عليها الدستور، وفى هذا السياق يقول ناشطون في مجال حقوق الإنسان إن الحكومة وضعت العقبات أمام المفرج عنهم من المحتجزين والمشتبه في عضويتهم في حزب النهضة لعدم تمكنهم من الحصول على فرصة عمل واحدة.
وقد واجه سجناء سياسيون كثيرون، اعتقلوا ولم توجه إليهم تهما مصاعب متعددة للحصول على وثائق من وزارة الداخلية تفيد بأنه ليس لهم أي سوابق جنائية.. أما الناشطون السياسيون والإسلاميون الذين لم يحتجزوا في السجون، فكانوا يتعرضون لمصادرة بطاقاتهم الشخصية، ويضربون مثلا ساخرا بـ" الأسعد الجوهري" عضو الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين، الذي صودرت بطاقته منذ عام 1999.
وقال آخرون، إن الحكومة كانت تعاقب أعضاء عائلات الناشطين الإسلاميين، وتمنع تعيينهم في الوظائف أو منحهم فرصا للتعليم وترفض إصدار التراخيص المهنية لهم.
كما كانت تمنعهم من السفر بسبب أنشطة أقاربهم بل وتخضعهم للمراقبة والاستجواب بين الحين والآخر.
وعلي خلاف الحزب الحاكم، فقد واجهت الأحزاب الأخرى قيودا عدة، فيما حصل أعضاء حزب التجمع الدستوري الديمقراطي على مزايا أكثر من غيرهم في مجالي التعليم والإسكان، وتراخيص بمزاولة الأعمال الحرة.. وكذلك إعفاء من القيود المفروضة على استخدام العقارات.
الإسلام هو دين الدولة التونسية طبقا للدستور، الذي نص علي أن يكون رئيس الجمهورية مسلما لكن توجه" بن علي" وسياساته القمعية تجاه المسلمين كانت هي الواقع.. فالمساجد لا تفتح أبوابها إلا في أوقات الصلاة، والحكومة بدورها تفرض رقابة صارمة علي الإسلاميين وعلي مراقبة المساجد، لدرجة استجواب الأشخاص الذين يصلون مرارا في المساجد.
زد على ذلك أن كل فرد عليه أن يصلى فى المسجد القريب من منزله وإذا أراد التنقل لمكان آخر للصلاة فعليه الحصول على ترخيص بذلك من الجهات المختصة.
وحسبما تداولته الصحف التونسية، تعترض الشرطة سبيل الملتحين وتحتجزهم بسبب ظهورهم، بما اعتبرته الشرطة "لحية إسلامية"، وكانت تهددهم بإرغامهم على الحلاقة في مركز الشرطة أو بالقبض عليهم إذا لم يحلقوها، وفيما سمي"نفي داخلي" قيدت الحكومة السفر الداخلي والخارجي لبعض المعارضين والإسلاميين وأيضا أقاربهم بفرض قيود إدارية لمدد تصل إلي خمس سنوات.
"علاقة السلطة بالصحافة علاقة عدائية".. بهذه العبارة يصف المراقبون والإعلاميون، علاقة نظام" بن علي" بالصحافة والإعلام التونسي.
يقول المحامي المعارض محمد عبو: "هناك خطاب جميل للحكومة يوحي بأن هناك تعددية في المشهد الإعلامي، لكن الواقع يثبت أن وضع حرية الصحافة مأساوي".
ويري رئيس رابطة الكتاب الأحرار جلول عزونة، وهي جمعية غير رسمية، أن "النظام في جوهره غير ديمقراطي ويخشى من الكلمة الحرة".. مشيرا إلى أن القيود المفروضة على حرية الصحافة والنشر والإنترنت تعد "مرآة عاكسة لتردي المناخ السياسي العام فى البلاد".
حرية محدودة للتعبير والصحافة يكفلها الدستور التونسي، ورغم ذلك فالحكومة لم تحترم هذه الحقوق في ممارساتها.. فقد قيدت حرية الصحافة وعملت على ترهيب الصحفيين ورؤساء التحرير والناشرين لكي تدفعهم إلى ممارسة الرقابة الذاتية، فيما كانت قوات الأمن تراقب عن كثب أنشطة وسائل الإعلام المحلية والأجنبية على حد سواء.
تقوم الوكالة التونسية للذبذبات بالسيطرة علي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، فهي التي تمنح موجات البث أو تمنعها، وتخضع هذه التراخيص أو الموافقة على الطلبات لقيود صارمة.
وخلال سنوات حكم نظام" بن علي"، خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، انتشرت تقارير مفادها أن الحكومة كانت تحول دون ظهور غالبية الانتقادات الموجهة إليها في الصحف التي تمثل الشارع التونسي.
فكانت تضيق الخناق على الصحفيين وتلقي القبض عليهم وتسيء معاملتهم، خاصة من كان يمارس نشاطا في صفوف المعارضة.
ويجيز القانون التونسي، فرض عقوبات بالسجن مدة تصل إلى خمس سنوات بسبب إصدار تصريحات مسيئة للرئيس، وعقوبات مماثلة قد تصل إلى ثلاث سنوات بسبب التشهير بالمؤسسات الدستورية بما فيها مجلس النواب أو مجلس المستشارين أو المجالس الدستورية أو الإدارة أو أعضاء الحكومة أو النواب، وربما كان هذا كفيلا بأن تصادر الصحف المحلية بشكل اعتيادي وتمنع توزيعها عندما يتبين لها نشر ما يتعارض مع سياسات الحكومة.
يعد النظام التونسي هو الأسرع في حجب المواقع الإلكترونية فور إطلاقها، فقد حجبت الحكومة تقريبا جميع المواقع الإلكترونية التابعة لمنظمات حقوق الإنسان المحلية والمعارضة والجماعات الإسلامية، بما فيها المواقع التي تناقش موضوعات مختلفة.
كان موقع منظمة "مراسلون بلا حدود" وموقع "يوتيوب" من أشهر المواقع التي تم حجبها منذ عام 2007.
وتشير مبادرة الشبكة المفتوحة، وهي منظمة حقوقية، إلى أن الحكومة استخدمت برنامجا تجاريا لأجهزة الكمبيوتر (سوفت وير) تم تحميله على (السيرفر) الذي تسيطر عليه الحكومة لكي تحجب المواقع الإلكترونية المتاحة عبر مقدمي خدمة.
وتؤكد الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين أن السلطات التونسية كانت تلقى القبض على الأفراد بسبب ترددهم على مواقع إلكترونية، زاعمة أنها على صلة بالإرهاب، دون اتخاذ أي إجراءات قانوينة مناسبة أو وجود أدلة كافية على أنهم ارتكبوا جريمة ما.
طباعة

الأكثر قراءة