في كتابه الجديد.. محمد عبد الهادى علام يكشف بالوثائق تفاصيل جديدة ومثيرة حول اغتيال بويصير والكيخيا (1-2)

16-11-2012 | 23:15

غلاف محمد عبد الهادى علام

 

محمد وطني

في صباح يوم 21 فبراير 1973 بعد نحو خمسة أشهر من "عملية ميونيخ"، التي نفذتها جماعة "أيلول الأسود" الفلسطينية ضد البعثة الرياضية الإسرائيلية المشاركة في دورة الألعاب الأوليمبية بألمانيا؛ أقلعت طائرة الخطوط الجوية الليبية في رحلتها رقم 114 وعلى متنها 106 ركاب من مطار بنغازي إلى القاهرة.


تعلن المضيفة عن اقتراب الطائرة من وجهتها، وفجأة وقبل دقائق من عملية الهبوط يفاجأ قائد الطائرة الفرنسي جاك بورجيس بتباين في أجهزة التوجيه (وعددها سبعة) بالطائرة من طراز "بوينج 727" ليصرخ: "هناك شيء غريب يحدث.. أنا لا أفهم ما يحدث.. هناك شيء مختل".

تسود حالة من الهلع في مقصورة القيادة، وبعد دقائق تظهر طائرات حربية على جانبي الطائرة الليبية ويصرخ قائد الطائرة مخاطبا برج القاهرة: "يا قاهرة.. نواجه مشكلة لدينا مشكلة في الاتجاه.. طائراتكم الميج بجوارنا مباشرة.. هل يمكنكم إعطاؤنا تحديداً راداريا لموقعنا؟".

محمد عبد الهادى علام

ازداد الهلع وعلا الصراخ في مقصورة القيادة عندما استدارات إحدى الطائرات الحربية الإسرائيلية لتطلق الرصاص على مقدمة الطائرة الليبية.. في هذه اللحظة – ووسط حالة الذعر الذي سيطرت على الركاب – تقدم أحدهم إلى مقصورة القيادة وقال: "إنهم إسرائيليون".. وعاد للركاب خطيبا فيهم: "نتعرض الآن لعدوان صهيوني.. إن عشنا فنحن سعداء.. وإن متنا فشهداء".. وتلا آيات من القرآن الكريم، داعيا الركاب إلى قراءة ما تيسر لهم منه والاستعداد للشهادة.

وما هي إلا ثوانٍ حتى أطلقت إحدى الطائرات الإسرائيلية الحربية صاروخا على الطائرة المدنية الليبية لتهوى نحو رمال سيناء عند الساعة الثانية وعشر دقائق من بعد ظهر ذلك اليوم بتوقيت القاهرة - حسب ما اتضح من ساعة مقصورة القيادة التي وجدت متوقفة عند هذا الوقت – وتتناثر جثث الضحايا والأشلاء حول حطامها، حيث لقي 99 راكبا مصرعهم ونجا 7 فقط، منهم المضيف الفرنسي الجنسية، الذي مات لاحقا.

محمد عبد الهادى علام

لم يكن هذا الراكب الذي واجه الموت واقفا على قدميه كفارس سوى صالح مسعود بويصير، وزير الخارجية والإعلام الليبي السابق، عضو مجلس الأمة الاتحادي الذي اهتم الإسرائيليون بعد سقوط الطائرة بمعرفة مصيره بين الضحايا والأشلاء، فقد كان لديهم علم مسبق بأنه كان على متن الطائرة، ما يثير العديد من علامات الاستفهام عن دوافع هذا الاهتمام، ومصدر المعلومات؟!

بهذه الكلمات يستهل الكاتب الصحفي محمد عبد الهادي علام الفصل الأول في كتابه الجديد:"قصة اغتيال بويصير والكخيا في مصر.. من ميونيخ إلى سيناء.. ومن القاهرة إلى المجهول".

الكتاب الصادر عن دار العين للنشر بالإسكندرية، في 214 صفحة من القطع المتوسط، والذي قسمه مؤلفه إلى فصلين، يتناول فيه مصير مواطنين ليبيين شغلا منصب وزير خارجية ليبيا هما صالح مسعود بويصير، ومنصور رشيد الكخيا، حيث ذهب الأول شهيدا في حادث إسقاط إسرائيل الطائرة المدنية الليبية في رحلتها رقم 114 من بنغازي إلى القاهرة صباح يوم 21 فبراير 1973 (المعروفة إعلاميا بطائرة سلوى حجازي مذيعة التلفزيون المصري التي استشهدت أيضا في الحادث، بينما ذهب الثاني شهيدا على يد العقيد الليبي معمر القذافي في 11 ديسمبر 1993 بعد استدراجه وخطفه من القاهرة ونقله إلى ليبيا بواسطة سيارة تحمل لوحات دبلوماسية بحسب علام.

محمد عبد الهادى علام

ويؤكد المؤلف أن القذافي وإسرائيل على تصفية المعارضين لسياستهما من المناضلين من أجل حرية الأوطان، لذا لم يكن غريبا أن يجتمعا - بعد تنفيذ كل منهما جريمته - على الحيلولة دون إجراء تحقيق وعرقلة أي مسعى في هذا الاتجاه لإخفاء معالم الجريمة وطمس الحقيقة للإفلات من العقاب.
وقد خصص المؤلف فصله الأول لتناول "قصة" اغتيال بويصير، وتحدث فيه عن الترابط بين اغتيال بويصير وقضية اختطاف الوفد الرياضي الإسرائيلي المشارك في دورة الألعاب الأولمبية بميونخ الألمانية عام 1972م، وفي ذلك يقول:" كان بويصير (48 سنة عند استشهاده) من رموز التيار القومي العربي في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ومنخرطا في نضال الشعب الفلسطيني وداعما له بما في ذلك الكفاح المسلح، وارتبط بعلاقات صداقة بقيادات الفصائل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ونال شهادة الماجستير عن رسالته حول "جهاد الشعب الفلسطيني" قبل أن ينهي رسالته للدكتوراة حول "جهاد الشعب الليبي" التي لم يمهله القدر لمناقشتها.

محمد عبد الهادى علام

ومن ثم كان بويصير يتمتع بتقدير واحترام من جانب قيادات مختلف الفصائل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولذا لم يكن غريبا أن يطلبه الفدائيون الفلسطينيون لإبرام صفقة إطلاق سراح الرياضيين الإسرائيليين الأحد عشر المشاركين في دورة الألعاب الأوليمبية بميونيخ عام 1972، والذين أخذهم الفدائيون الذين نفذوا العملية رهائن مقابل إطلاق سراح 200 أسير فلسطيني في المعتقلات الإسرائيلية قبل أن يكتشف الفدائيون نصب السلطات الألمانية لهم- بالتنسيق مع إسرائيل- كمينًا في المطار فيقتلون الرهائن ويفجرون الطائرة".

وفي جزء آخر من ذات الفصل يشير المؤلف إلى علاقته المباشرة بالقضيتين فيقول:"شاءت الأقدار أيضا أن تشغل هاتان القضيتان اهتمامي المهني - نتيجة ظروف عملي بصحيفة "الحياة" اللندنية في الفترة من 1993 إلى 1998، ومسئوليتي عن تغطية ومتابعة القضايا السياسية - والشخصي - كعضو في المنظمة العربية لحقوق الإنسان، تحتل قضايا الاختفاء القسري البشعة أولوية على جدول أعمالها، فضلا عن أن الكخيا حضر للقاهرة، حيث اختفى، للمشاركة في مؤتمرها. ويضيف خلال تلك الفترة قرر محمد الأمين، نجل صالح بويصير، تحريك المياه الراكدة سنوات لفتح ملف قضية إسقاط الطائرة من جديد، في محاولة للوصول إلى الحقيقة وإرساء مبدأ عدم إفلات الجناة من العقاب وفاءً لوالده الشهيد، وأقام الدعاوى القضائية الواحدة تلو الأخرى، من دون أن ينال منه إحباط أو يأس، وتعرفت إلى محمد الأمين، كمصدر، بحكم المتابعة الصحفية، وصارت صداقة بيننا حتى هجرته للولايات المتحدة.

محمد عبد الهادى علام

وفي جزء آخر من ذات الفصل يوثق المؤلف عددا من عمليات الاغتيال التي نفذتها أجهزة إسرائيلية اردا على عملية ميونخ ويقول: "في الذكرى الحادية والعشرين لعملية ميونيخ، ومع توقيع اتفاق "أوسلو" بين إسرائيل ومنظمة التحرير، أدلى أهارون ياريف، مدير مركز الأبحاث الإستراتيجية في جامعة تل أبيب، الذي شغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية الصهيونية في تلك الفترة، بحديث لشبكة التليفزيون البريطانية (بي .بي. سي) في أيلول 1993 روى فيه قصة الاغتيالات التي نفّذتها (إسرائيل) وطالت عدداً من القادة الفلسطينيين في عواصم عالمية مختلفة بطلب وموافقة جولدا مائير رئيسة وزراء (إسرائيل) في تلك الفترة، التي استمرت لسنوات تالية.
قال ياريف: (كان هدفنا توصيل رسالة للفلسطينيين ولغيرهم، بأن من يقتل (إسرائيلياً) سيظل مطارداً حتى في فراشه).

محمد عبد الهادى علام

ويستطرد علام بأسلوب "شائق" في عرض تفاصيل عمليات الاغتيال التي طالت العشرات من قادة المقاومة الفلسطينية والنابهين من شبابها حتى أولئك الذين لم تكن لهم علاقة بالأنشطة العسكرية.

وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى تناول وقائع ما حدث للطائرة الليبية منذ إقلاعها وحتى التطورات التي أعقبت سقوطها، موثقا حديثه بالمستندات التي أمكنه الحصول عليها، بما فيها تفريغات التسجيلات الصوتية للصندوق الأسود للطائرة.

ويختتم المؤلف الفصل بالحديث عن جهود نجل بويصير في إثارة قضية والده في مصر وعلى المستوى الدولي سعيا لما أسماه بعدم إفلات الجناة من العدالة. لينتقل بعد ذلك إلى "قصة" اغتيال منصور الكيخيا وهو ما سنتناوله في الحلقة الثانية.

محمد عبد الهادى علام


محمد عبد الهادى علام


محمد عبد الهادى علام2