آراء

التنوير الراديكالي ونزعة الشك الفرنسي

23-2-2021 | 17:04

انطلق الفكر الأوروبى الحديث من الكوجيتو الديكارتى الذى وضع الفكر فى مقابل الامتداد. الفكر هنا يعنى العقل والروح وكل ما يمت للمعنويات كالعقيدة الدينية. أما الامتداد فيشير إلى الجسد والحواس وكل ما يمت إلى الماديات وفى قلبها العالم الطبيعي. أراد ديكارت، الفيلسوف المثالي، أن يقيم توازنا بين الذات الإنسانية التى تعرِف، وبين العالم الذى يُعرف، ولذا كان الكوجيتو انتصارا للعقلانية آنذاك، فقبله كان الفكر بما ينطوى عليه من تصورات ذاتية يهيمن على المعرفة، بينما كان العالم الطبيعى الذى يجسد الامتداد شبه غائب، لأن العلم التجريبى كان لا يزال وليدا، وأدوات القياس المنهجى شبه بدائية.

جاء بعد ديكارت فلاسفة أكثر مثالية خصوصا مالبرانش وباسكال، أعطوا الأولوية للفكر على الامتداد، أما ليبنتز فبالغ فى مثاليته عندما اختصر الثنائية الديكارتية فى واحدية هى الفكر، تتصور الوجود كله كمجموعة من الجواهر الروحية (المونادات) التى تشكل حركتها الأبدية طبيعة الوجود الكوني، وهو الفهم الذى حاول الفيلسوف الانجليزى جورج باركلى تخفيف حدته، بإعادة تأكيد الثنائية ولكن مع إعطاء أولوية للفكر، إذ اعترف بواقعية العالم نعم ولكن منح العقل الإنسانى قدرة مطلقة على معرفته فلم يعد له وجود إلا بإدراك العقل له. كان ذلك فى اعتقادنا بمثابة ردة عقلانية، خصوصا بعد تفجر الثورة العلمية وتطور المنهج التجريبى وأدوات القياس.

وفى المقابل جاء فلاسفة أكثر مادية من ديكارت، خصوصا سبينوزا ثم الوضعيين الإنجليز جون لوك وديفيد هيوم، أعلوا من الامتداد على حساب الفكر، حيث اختصر اسبينوزا الثنائية الديكارتية فى واحدية مادية لا ترى فى الوجود سوى الامتداد، سعى لوك وهيوم إلى تهذيبها فى ثنائية شبه مادية، تمايز بين الفكر والامتداد أو العقل والطبيعة، الأولي، موضوع حديثنا اليوم، نزعة الشك التى هيمنت على العقل الفرنسى وتبلورت واضحة لدى أبرز كتاب الموسوعة: دهولباخ وفولتير وديدرو.

ورغم أن ديدرو هو محررها الرئيسي، كان فولتير هو الأشهر بينهم، خصوصا بعبارة «فلنسحق الخسيس»، التى أطلقها وهو لا يزال شابا كرصاصة أولى فى الحرب على الكنيسة المتحالفة مع الإقطاع الفرنسي، والتى ستقود بعد نصف القرن تقريبا إلى الثورة البرجوازية. سعى فولتير بكتاباته فى الموسوعة ومقالاته بالصحف الرائجة إلى فضح زيف النصوص المقدسة وتناقضاتها، ونعت الشعائر الدينية بالأمراض المعدية، متهما المؤسسين الدينيين بالدجل، وواصفا الكهنة بالمنافقين والأغبياء والمنحرفين، داعيا إلى التحرر من سطوتهم مرة واحدة وإلى الأبد.

ومن بين أشكال الدين الثلاثة التى كان جان جاك روسو قد قام بتحليلها وهى «دين الإنسان» و«دين المواطن»، و«دين الكاهن» اعتبر فولتير أن الأخير منها هو السيئئ بصورة لا تحتاج إلى تدليل. ولدرء خطره أعاد فولتير إحياء المفهوم الأرسطى عن الله كـ «محرك أول»، قام بخلق العالم ثم استقل عنه وفقد اهتمامه بمصيره. يعنى ذلك أنه ضًّمن عنايته فى قوانين الطبيعة، وليس فى مسيرة التاريخ البشري، التى لم تعد تتحرك نحو غاية مقصودة كما يتصور المتدينون. وأن الإنسان كفرد لم يعد مطالبا بالخضوع لأى نظام أخلاقي، وفى المقابل، لن يتمتع بأى عناية إلهية، فلا ينتظر أن يدعم الله جهوده فيبارك له فى رزقه أو يخفف عنه أقداره المؤلمة. وهكذا تختفى العناية الإلهية خلف القوانين العامة للطبيعة، على نحو يقلص الشعور باليقين ويغذى نزعات الشك.

أما دهولباخ، فنشر عام 1770م بمساعدة ديدرو كتاب «نظام الطبيعة» الذى جمع فيه مناقشات أعضاء الموسوعة، داعيا إلى إحلال العلم محل الدين، نافيا وجود علة غائية للوجود البشري، أو خطة عظمى يسير على هديها يرعاها إله حكيم، فالطبيعة ولدت من رحم نفسها وحافظت على ذاتها من خلال الحركة المنتظمة. كرر دهولباخ التبريرات المألوفة لعراقة الاعتقاد الدينى كالجهل والخوف؛ فالعقيدة الدينية ليست إلا معادلا للشعور بالضعف واليأس فى مواجهة ظواهر الطبيعة الكبري. لم يقصر دهولباخ تصوره هذا على الأديان الوثنية فى المجتمعات البدائية، بل مدده ليشمل الدين الإبراهيمي/ التوحيدي. ففى البداية شخصن البشر الضعفاء والجهلاء، رجالا ونساء، قوى الطبيعة وخلقوا منها آلهة متعددة تشبههم ولكن فى صورة عملاقة. وعندما اكتسبوا نوعا من المنطق أدمجوها جميعا فى إله واحد فائق أسقطوا عليه مخاوفهم ورغباتهم. ومع ارتقاء العقل كان لابد من أن يتهاوى هذا الإله، ولذا اتهم دهولباخ المثاليين ديكارت ومالبرانش وليبنتز، الذين حاولوا إنقاذ الله، بالنفاق واعتبرهم ملحدين مُقنَّعين. وعلى هذا صار كتابه بمثابة إنجيل المذهب العِلموى الذى يبشر بالإلحاد ويهاجم الإيمان. كانت هناك، بلا شك، أصوات أقل حدة فى رفض الإيمان، تخشى من عواقب الفوضى الأخلاقية والبرود العاطفى فى مجتمع بلا دين.

فولتير نفسه، فى مرحلة نضجه التى أعقبت فورة الشباب الأولي، تبنى النظرية القديمة عن الحقيقة المزدوجة: دينية بسيطة تصلح للعامة يمكن التسامح معها، وفلسفية للخاصة من العقلاء والحكماء، مقتربا من ابن رشد والفلسفات الغنوصية القديمة التى تراوغ على معتقداته فى مواجهة الجماهير العريضة.

وهناك أيضا عالم الاجتماع الدينى إميل دوركهايم، الذى أدرك خطورة وجود مجتمع لا تحكمه سوى المعايير النفعية والمصلحة الأنانية، فأكد ضرورة وجود دين ينتظم المجتمع، فإن لم يكن العقل الحديث قادرًا على تقبل دين الوحي، فليكن الدين الإنسانى أو المدني، القادر على تحقيق الاندماج والتكامل، وضمان استمرار القواعد الأخلاقية فى مجتمع علمانى حديث بشرط أن تبقى بعيدا عن سلطة الدولة، فلا تحمى دينا بذاته، ولا تقصى آخر، لتبقى جميعها، سماوية وأرضية خارج نطاق المجال العام سواء السياسى حتى لا تستعاد الحروب الدينية، أو الاقتصادية حتى لا يتم تضييق السوق وخنق النموذج الرأسمالي.

نقلاً عن

كانط. . رسول العقل الإنساني

اهتمت جل فلسفات التنوير بترقية الإنسان إلى موضع الكائن العاقل الحر، ومن ثم سعت إلى تحريره من قيدين أساسيين: أولهما المدركات الخرافية التي تعطل مسعاه في

الفلسفة المثالية بين التنوير والمسيحية

تحدثنا فى المقال السابق عن ثلاث مدارس في نظرية المعرفة تحكمت في أنماط التنوير الأوروبي: المثالية الذاتية، والتجريبية الحسية، والمثالية التجريبية. يشيع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة