بالصور.. دار القضاء العالي.. تحفة معمارية احتضنت وقفات الثوار الاحتجاجية ومطالب العمال الفئوية وأزمة "النائب العام"

14-10-2012 | 00:05

دار القضاء العالي

 

سعيد قدري ـ تصوير: أيمن برايز

أصبحت دار القضاء العالي قبلة الثوار وملجأ لكل فئات المجتمع الذين يشعرون بالظلم ويحاولون إيصال أصواتهم للمسئولين، منذ قيام ثورة 25 يناير شهد مبنى دار القضاء العالي، العديد من الوقفات الاحتجاجية، فضلاً عن اشتباكات ومشاجرات بين تيارات سياسية مختلفة كان آخرها أزمة النائب العام، كما تعرض المبني للعديد من محاولات الاقتحام من جانب تيارات سياسية وفئات عمالية لتحقيق مطالب وصفها البعض بـ"الفئوية".


ومنذ أن نظمت حركة كفاية أول وقفة أمام دار القضاء أواخر عام 2004 لتعلن رفضها التمديد للرئيس السابق حسني مبارك أو توريث الحكم لنجله جمال، شهد مبناها العديد من الفعاليات السياسية، فبعد التغيير الوزاري المصري في يوليو 2004، صاغ 300 من المثقفين المصريين والشخصيات العامة التي تمثل الطيف السياسي المصري بأكمله وثيقة تأسيسية تطالب بتغيير سياسي حقيقي بمصر، وبإنهاء الظلم الاقتصادي والفساد في السياسة الخارجية، كما توالت الوقفات الاحتجاجية أمامها واتسعت مساحة التعبير عن الرأي وأصبح من الممكن التعرض لأشخاص ورموز سياسية كانت بمثابة خط أحمر أمام الصحفيين والاعلاميين لايمكن تجاوزه.

ويضم مبني دار القضاء العالي مكتب النائب العام ومحكمتى الاستئناف والنقض ونقابة المحامين الفرعية بالإضافة إلي قاعات المحاكمات وأشهرها قاعة عبدالعزيز فهمي وهو قاضٍ ومحامٍ وسياسي وشاعر مصري من أعلام الحركة الوطنية المصرية في الثلث الأول من القرن العشرين.

ويقال إن عبدالعزيز باشا فهمي هو الذي اختار اسم محكمة النقض، وقد استوحاه من الآية الكريمة "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا"، ويذكر أيضا أنه ابتدع بعض المصطلحات القضائية مثل تعبير "أوجه النفى للدلالة على أسباب الطعن"، كما استحدث نظرية القدر المتيقن في القانون الجنائي.

وشهدت قاعة عبدالعزيز فهمي العديد من المحاكمات المهمة والمفصلية في تاريخ مصر الحديثة، مثل النطق بالحكم في النقد المقدم من رجل الأعمال هشام طلعت مصطفي، وستشهد القاعة ذاتها النطق بالحكم في النقد المقدم من الرئيس السابق حسني مبارك.

ولدار القضاء العالي جذور تضرب في عمق تاريخ القضاء المصري، فمنذ إلغاء القضاء المختلط بعد توقيع حكومة الوفد لاتفاقية مونترو عام، 1937 أنهي هذا القضاء الذي كان صاحب فكرته نوبار باشا أول ناظر للنظار "رئيس الوزراء" في عصر الخديو إسماعيل، وأصبحت دار القضاء العالي رمزًا للقضاء المصري بسبب المبنى الضخم، الذي بني على الطراز الإيطالي بأعمدته وصالاته الواسعة وارتفاع مبانيه، ويلاصقه مبنى مصلحة الشهر العقاري الذي بني في الفترة ذاتها.

كان مبني دار القضاء العالي مقرا لنادي الزمالك حيث إنه فى إطار الرغبة لتطوير وتوسيع النادى الذى بدأ يكتسب جماهيرية ووجودا بين الشباب المصريين والأجانب لممارسة الرياضة بداخله فقد قرر جورج مرزباخ (1876-1936) هو محامٍ بلجيكي كان رئيساً لإحدى المحاكم المختلطة بمصر وهو مؤسس نادي الزمالك المصري سنة 1911، بنقل المقر من مقره الأول في قصر النيل إلى مكان جديد بشارع 26 يوليو مقر دار القضاء العالى بالوقت الحالى ليكون هو المقر الجديد للنادى الذى تغير اسمه إلى "المختلط" بمقره الجديد فى عام 1913.

وفى نوفمبر عام 1959 انتقل الزمالك لمقره الحالى بعد مشاكل إنشائية لتتدخل الدولة وتمنحه قطعة الأرض الحالية بميت عقبة مقابل حق انتفاع رمزى وقتها وقام أعضاء النادى ولاعبوه الكبار بحمل الطوب ومواد البناء ليبنوا ناديهم من جديد.

والمهندس محمد كمال إسماعيل هو مصمم الرسوم الهندسية لمبني دار القضاء العالي وسافر لفرنسا للحصول علي الدكتوراة التي حصل عليها للمرة الأولي في العمارة من مدرسة بوزال عام ١٩٣٣، ليكون بذلك أصغر من يحمل لقب دكتور في الهندسة، تلاها بعدها بسنوات قليلة بدرجة دكتوراة أخرى في الإنشاءات وليعود إلى مصر ويلتحق بالعمل في مصلحة المباني الأميرية التي شغل منصب مديرها.

كانت المصلحة وقتها تشرف علي بناء وصيانة جميع المباني والمصالح الحكومية، لتصممم يداه العديد من الهيئات ومنها دار القضاء العالي، مصلحة التليفونات، مجمع المصالح الحكومية الشهير بمجمع التحرير الذي أنشئ عام 1951 بتكلفة ٢٠٠ ألف جنيه بالنسبة للإنشاءات، ومليون جنيه، بالنسبة للمباني التي بلغ ارتفاعها ١4 طابقا.

أبرز البصمات التي تركها إسماعيل ـ دون أن يعلم الكثير أنه صاحبها ـ كانت إشرافه علي أعمال توسعة الحرمين الشريفين "المكي والنبوي"، وبناء مجمع الجلاء أو التحرير، للمصالح الحكومية، ودار القضاء العالي، ومسجد صلاح الدين بالمنيل، خصوصًا أنه كان شديد التأثر بفن العمارة الإسلامية.

وكان شارع 26 يوليو، الذي تقع فيه دار القضاء العالي، يسمي بشارع بولاق ويمثل جزءًا من مكونات منطقة بولاق التي زاد الاهتمام بها عندما خطط الخديو إسماعيل "القاهرة الخديوية" ووصل التخطيط الجديد من ميدان الإسماعيلية جنوبًا إلى نهاية شارعي شريف "المدابغ" وسليمان باشا، وكان لابد من تجـديد شارع بولاق "26 يوليو الآن" مع مشروع تخطيط ميدان الأزبكية، لأن هذا الطريق هو بداية تعمير ضاحية بولاق الذي أدى إلى ربط القاهرة الجديدة بشاطئ بولاق.

ثم جاءت الطفرة التعميرية عندما تم إنشاء كوبري بولاق "أبو العلا" الذي افتتح في عهد الخديو عباس حلمي الثاني "حفيد إسماعيل" عام 1912 م، وكان هذا الكوبري معجزة هندسية حينها تربط بين القاهرة وجزيرة الزمالك، ثم يعبر النيل الآخر "البحر الأعمى" ليصل إلى إمبابة على اليمين ثم العجوزة والدقي على اليسار، وتمتد فوق كوبري أبو العلا وامتداده كوبري الزمالك، خطوط الترام لتصل لميدان الكيت كات في إمبابة يمينًا وشارع النيل عند العجوزة يسارًا، إلى حدائق الأورمان والحيوان وصولا لميدان الجيزة ثم لمنطقة الأهرام، ويؤدي توفير الترام إلى انتعاش حركة تعمير منطقة غرب النيل بالعجوزة والدقي والجيزة، وامتداد التعمير إلى منطقة إمبابة ذاتها.

وأنشئ العديد من المباني العامة والعمارات الضخمة في شارع 26 يوليو لعل أشهر هذه المباني دار القضاء العالي،والعمارة المواجهة لها التي تعتبر أحدث عمارة في الشارع عام 1938، وتسمى "لاجيفواز"، وخلفها تقع سوق التوفيقية حيث عمارات أقيمت منذ عام 1900 و1903 و1910 م، والتي تعتبر أول سوق للأطعمة الطازجة والخضر والفاكهة.

وقبل أن نصل إلى سوق شارع بولاق الجديد. وعلى الضفة الغربي لشارع رمسيس مع تقاطعه مع شارع 26 يوليو، توجد الجمعية المصرية للعلوم السياسية، وعلى الناصية الأخرى تقبع جمعية الإسعاف الملاصقة لمبنى معهد الموسيقى العربية الذي تقرر اعتباره من الآثار، ثم كنيسة صغيرة بشارع الجلاء الذي يوجد على يمينه مستشفى الجلاء للولادة، الذي أقيم في عهد الملك فؤاد عام 1934، ولهذا حمل اسم "مستشفى فؤاد الأول للولادة" ثم تغير اسمه بعد 23 يوليو 1952م ليحمل اسم مستشفى الأوقاف، وتغير للمرة الثالثة ليصبح اسمه الآن "مستشفى الجلاء للنساء والولادة".. وأمامه نجد معهد ليوناردو دافنشي للفنون والعمارة. وكما نجد مقر شركة القاهرة للكهرباء والغاز منذ كانت امتيازا لشركة ليبون الفرنسية..