كتاب الأهرام

صفحة مطوية في العلاقات المصرية الأمريكية

16-2-2021 | 15:12

تلقيتُ اتصالًا تليفونيًا كريمًا من واحد من أساتذتنا في الدبلوماسية المصرية هو السفير يحيى رفعت (91 عامًا)، وقد كان شقيقه الراحل السفير عز الدين رفعت مشرفًا على بحث تخرجي في المعهد الدبلوماسي عام 1969، وكان بعنوان: (إرهاصات الوفاق بين الكتلتين وتأثيرها على مشكلة الشرق الأوسط)، كذلك فإن ابنه الشاب كان في السلك الدبلوماسي أيضًا، وهو السفير شريف رفعت الذي بلغ سن التقاعد هو الآخر مؤخرًا، وكان مضمون المكالمة الكريمة من ذلك السفير المحترم هو تعليق له على فقرة في كتابي: (الرواية.. رحلة الزمان والمكان) حول حادث أكيلي لاورو الذي وقع في منتصف ثمانينيات القرن الماضي عندما اختطفت مجموعة من الفلسطينيين سفينة في عرض البحر وألقوا بأمريكي قعيد على كرسي متحرك فى قاع المياه، ولأن المركب كان أمريكى الجنسية فقد قامت واشنطن ولم تقعد وجرت اتصالات عنيفة حتى أن السفير الأمريكى فى القاهرة فليوتس فى أثناء زيارته لبورسعيد متفقدًا السفينة الأمريكية الراسية فى الميناء هناك سب المصريين علنًا بعبارات نابية.

وكنت وقتها سكرتيرًا للرئيس الراحل مبارك للمعلومات الذى كان يستطلع رأى كبار مستشاريه فى كيفية التعامل مع الأزمة الطارئة التى فرضت نفسها على العلاقات المصرية الأمريكية، وكان رأى المشير الراحل أبو غزالة كما قاله لى شخصيًا لإبلاغ الرئيس هو أن نقوم بتسليم الفلسطينيين الذين ارتكبوا تلك الجريمة إلى الجانب الأمريكى لأنها وقعت على أرض أمريكية هى السفينة أكيلى لاورو فى عرض البحر، وقد استهجن الرئيس مبارك يومها ذلك الاقتراح واعتبره استفزازًا يمكن أن يجر علينا موجات من العنف قد تمارسها بعض الفصائل الفلسطينية ضد مصر، ورأى أن يتم تسليم الجناة إلى قيادتهم الشرعية فى تونس حيث كان مقر المنظمة الفلسطينية بقيادة الراحل ياسر عرفات هناك.

وبالفعل جرى تجهيز طائرة للتحليق بهم إلى تونس دون إخطار الجانب الأمريكى بذلك لأن السفينة راسية فى ميناء مصرى والجناة فى قبضة السلطات المصرية وقيادتهم الشرعية أحق بمحاكمتهم من غيرها، وقد طلب منى الرئيس الراحل أن أتصل بالسفير محب السمرة سفيرنا فى تونس - أطال الله فى عمره – لكى أبلغه بما تقرر من نقل العناصر الفلسطينية بقيادة أبو العباس إلى تونس العاصمة وتسليمهم لقيادة المنظمة، وكانت أجهزة الرصد الأمريكية تتابع الاتصالات التليفونية فى عرض البحر المتوسط وتترقب القرار المصرى والتصرف بالعناصر الفلسطينية المتهمة، وبالفعل جرى اعتراض الطائرة فى عرض البحر وإجبارها على الهبوط فى إحدى القواعد العسكرية التابعة للأطلنطى جنوب إيطاليا وكان الاتصال مستمرًا بين الرئيس الراحل والسفير يحيى رفعت فى روما بمتابعة مباشرة من الدكتور أحمد عصمت عبد المجيد نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية حينذاك.

وقد طلب الرئيس مبارك من سلطات الطيران إصدار الأمر لقائد الطائرة المخطوفة فى عرض البحر بالرضوخ للطيران الأمريكى الذى يحيط به وتكاد تلامس إحدى عجلاته سطح الطائرة المصرية والهبوط فى تلك القاعدة الأمريكية تفاديًا لكارثة مروعة فى الجو، ولقد قام السفير يحيى رفعت باتصالات مباشرة مع السيد بتينو كراكسى رئيس الوزراء الإيطالى الذى أبدى تجاوبًا شديدًا مع مصر وتعاطفًا مع موقف القاهرة فيما كانت تنوى أن تفعله، وبعد مباحثات مضنية بين الإيطاليين والأمريكان حلقت الطائرة من القاعدة العسكرية فى جنوب إيطاليا إلى مطار العاصمة روما فى حراسة مشددة إيطالية وأمريكية.

وطلب السفير يحيى رفعت وقتها من الفنان فاروق حسنى مدير الأكاديمية المصرية فى روما أن يدبر الإقامة للخاطفين الفلسطينيين الخمسة ولاثنين من الحراسة المصرية، وبالفعل وفر لهم الفنان فاروق حسنى – الذى أصبح وزيرًا للثقافة فيما بعد – مكانًا للمبيت فى مبنى الأكاديمية مع إعاشة مناسبة للوجبات وغيرها، وفى غضون تلك الأزمة وصف الرئيس الأمريكى ريجان الرئيس المصرى مبارك وصفًا غير لائق واتهمه بأنه كذاب، وقد عقد الرئيس مبارك - رحمه الله - مؤتمرًا صحفيًا رد فيه على الرئيس الأمريكى وتوترت العلاقات بين واشنطن والقاهرة حتى أن الرئيس المصرى ألغى زيارته الدورية السنوية لواشنطن لمدة عامين متتاليين ردًا على الموقف الأمريكى من تصرف مصر الذى كانت تسعى من خلاله إلى سحب فتيل الأزمة ووضع الجناة أمام قاضيهم الطبيعى وهو قيادتهم فى تونس، ولقد كان دور السفير يحيى رفعت ناجحًا إلى حد كبير بسبب هدوئه المعهود ودبلوماسيته الراقية كما أن اقتراحه بطلب المساعدة من الفنان فاروق حسنى باستضافة المجموعة قد حل إشكالًا أمنيًا أمام الطليان والأمريكان فى ذلك الوقت.

وأنا أسوق هذه السطور تأكيدًا للوقائع التاريخية الصحيحة وإحساسًا بالدور الوطنى للدبلوماسية المصرية وجناحها الثقافى فى أزمة عابرة ألقت بظلالها على العلاقات المصرية الأمريكية منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا. هكذا هى العلاقات بين الدول (صعودا وهبوطا، واقترابا وابتعادا) ولكن حكمة مصر تدفعها دائمًا إلى نوع من التوازن فى علاقاتها الدولية والإقليمية وفتح الأبواب مع كل الأطراف بغير استثناء مع التزام بالثوابت التى قطعتها مصر على نفسها تجاه الشعب الفلسطينى الذى يجب أن تتوحد صفوفه، وأن تلتقى كلمته، وأن يدرك المتغيرات الدولية والتطورات الإقليمية بوعى ووطنية، ووضوح فى الرؤية، وإيمان بواقعية الأهداف التى يسعى لتحقيقها والغايات التى يطلبها فى دولة مستقلة على ترابه الوطنى.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة