تحقيقات

حظر التعامل باللغة الروسية فى أوكرانيا.. حلقة جديدة فى الصراع مع موسكو

27-1-2021 | 11:48

صورة أرشيفية بين الرئيس الروسى والرئيس الأوكرانى

د. سامي عمارة

القرار الذى اتخذه الرئيس الأوكرانى فلاديمير زيلينسكى، بحظر التعامل باللغة الروسية، يعيد إلى الأذهان مثيله الذى اتخذه سلفه بيتر بوروشينكو، فى إطار حربه مع روسيا بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية فى عام 2014، وذلك فى محاولة لتحويل اللغة الروسية الى واحدة من آليات الصراع بين أوكرانيا وروسيا. غير ان ما تحقق على هذا الصعيد ومنذ احتدام الصراع بين «الشقيقتيين السوفيتين» لا يمكن ان يدعو إلى كثير من التفاؤل، تجاه احتمالات نجاح هذه الحملات، فى توقيت تشهد فيه اللغة الروسية وقد تحولت إلى اللغة الرسمية، لمباحثات كثير من زعماء البلدان المتخاصمة مع روسيا، وهو ما كان محور اهتمام العالم بأسره لدى متابعة مجريات الأزمة فى بيلاروس وفى قيرغيزستان وقره باغ، وغيرها من المناطق الساخنة فى الفضاء السوفيتى السابق.


ويعود تاريخ هذه المشكلة إلى ما قبل الإطاحة بالرئيس الأوكرانى السابق فيكتور يانوكوفيتش، وما أعقب ذلك من جدل احتدم، حول ضرورة إقرار وضعية اللغة الروسية كلغة رسمية إلى جانب اللغة الأوكرانية.

وجاء القرار الأخير للرئيس الأوكرانى زيلينسكى، حول حظر التعامل بغير الأوكرانية فى الحياة العامة والمتاجر والأكشاك التجارية، اعتبارا من 16 يناير الحالى، ليلقى بالمزيد من الزيت فى بوتقة نيران «وضعية اللغة الروسية فى أوكرانيا»، بما يفرضه من عقوبات بالسجن والغرامة، لكل من يستخدم غير اللغة الأوكرانية فى تعاملاته الرسمية. غير أن هذا القانون ورغم وضوح مقصده الذى يتلخص فى ضرورة اجتثاث التراث السوفيتى السابق، الذى طالما اعتمد اللغة الروسية أحد أهم أركانه، فى بسط ما يصفه البعض من مناهضى هذا النظام فى الفضاء السوفيتى السابق بـ«الهيمنة والنفوذ»، يظل محور جدل يتواصل على مدى عقود طويلة، منذ آخر سنوات الاتحاد السوفيتى السابق. ورغم كل القيود التى كان بوروشينكو قد فرضها فى إطار «صراعه» مع اللغة الروسية، بما تبع ذلك من مواجهة أسفرت فى نهاية المطاف، عن فشله الذريع فى الانتخابات الرئاسية الماضية أمام منافسه «الفنان الكوميدى الساخر» فلاديمير زيلينسكى، الذى فاز بنسبة تزيد كثيرا السبعين فى المائة، فان مسألة مواجهة اللغة الروسية لم تفارق صدارة أجندة السلطات الأوكرانية. ومن هنا جاء القرار الأخير الذى نقل المواجهة مع اللغة الروسية من المؤسسات والتعاملات الرسمية، إلى المتاجر والأكشاك التجارية والمطاعم والمقاهى التى تحظر على العاملين والباعة فيها بعدم الرد أو التعامل مع عملائهم بغير الأوكرانية. لكن صعوبة تنفيذ القرار فرضت عددا من التنازلات من جانب المشرعين اتسمت فى بعض جوانبها بكثير من «الهزل» أكثر منه من «الجد فى التنفيذ». ومن ذلك السماح لأى من البائع أو المشترى بالرد بالروسية، وطلب استخدامها فى التعامل بين الطرفين، لكن شريطة أن يكون ذلك متوافقا عليه أو ببساطة بـ«رضا الطرفين». وذلك يعفى البائع من المسئوليتين الإدارية والجنائية! أما عن حجم الغرامات المالية فلم يطلها التغيير، حيث تظل فى حدود 5100-6800 جريفين أى ما يقرب من ثلاثة آلاف دولار!

مثل تلك العقوبات «المُغَلًظَة»، وصعوبة توفير المفتشين الذين تسند إليهم بمهمة رصد المخالفات وتحرير العقوبات، تجعل الأمر أقرب إلى الهزل منه إلى الجد. ومن هنا تدفقت التعليقات وانسابت الملاحظات التى تكاد تقترب من إجماع التقديرات حول فتح أبواب الفساد والرشوة ومعها «جيوب المراقبين والمفتشين» على مصاريعها. وجاءت مشكلة «كورونا»، لتضيف بعدا آخر على مهزلة تنفيذ مثل هذه القرارات، ما كشف عنه عدد من المسئولين عن متابعة وتنفيذ القرار بالنسبة للأسواق التجارية ومرتادى المحال والمترددين على الأكشاك التجارية. وبلغت المهازل حدودها القصوى عند فتح أبواب المتطوعين للإبلاغ عن المخالفات وما يمكن ان يتبع ذلك من «تطورات» تتباين أشكالها وركائزها فى مجتمع لا يزال تعيش نسبة كبيرة من سكانه تحت خط الفقر. ومن الطرائف أيضا ما أشار إليه الموقع الالكترونى لقناة «النجمة» حول أن تاريخ الإبلاغ عن جريمة «التحدث بغير الأوكرانية» يظل مفتوحا حتى ستة أشهر من لحظة وقوع «الجريمة»، لكن شريطة الاستشهاد بشهود الواقعة، وهو وحسبما أشار الموقع، ما يضيف بعدا هزليا آخر تتفرق فيه دماء «الضحايا بين القبائل»، ويفتح الباب أمام تطوع كثيرين من الباحثين عن «أبواب رزق إضافية» على حد قول وتوقعات كثيرين.

ويثير كثيرون فى أوكرانيا مشكلة تطبيق مثل هذا القرار خارج العاصمة وكبريات المدن الأوكرانية، أى فى الأقاليم التى تتعامل باللغتين الروسية فى جنوب وشرق أوكرانيا، والبولندية فى غربها والذى كان فى معظمها تابعا لبولندا حتى آخر سنوات الحرب العالمية الثانية، قبل ضم هذه المنطقة إلى أوكرانيا بموجب نتائج تلك الحرب. وثمة من يعيد إلى الأذهان إلى أن سكان الأقاليم الريفية يتحدثون لغة هى خليط بين اللغات الروسية والأوكرانية، بل والبولندية والمجرية فى بعض المناطق، ولن يستطيع أحد تجاوز هذا الإرث التاريخى والجغرافى، أيا كان حجم القيود والعقوبات.

وللمزيد من العبثية «شبه الرسمية»، ما تنص عليه التعليمات الخاصة بتطبيق قرار حظر استخدام اللغة الروسية. ومن ذلك ما يتعلق بإعفاء المواطن الذى يختار التعامل باللغة الروسية من العقوبات المفروضة بموجب هذا الحظر، بحكم القانون. فذلك أمر ممكن إذا ما بدأ المرء حديثه بإعلان «إننى أتحدث الروسية، نظرا لأن الحديث باللغة الروسية مسموح لى بحكم المادة العاشرة من الدستور الأوكرانى»! كما يسمح النص الدستورى أيضا بطلب أى فواتير أو استمارات تتعلق بالشراء أو الخدمة فى المطاعم والمقاهى والفنادق باللغة الروسية دون الدخول فى أى جدل أو مناقشات سياسية أو مجتمعية.

ومن اللافت بهذا الصدد وحسب تأكيدات المراقبين فى أوكرانيا ان قانون حظر استخدام اللغة الروسية وبما استهدفه من محاولات نشر اللغة الأوكرانية خصما من مواقع الروسية، لم يأت بالثمار المطلوبة، ولا سيما بين الشباب وصغار السن فى الأقاليم والمقاطعات البعيدة عن العاصمة كييف التى وكما أشرنا عاليه تستخدم خليط اللغات المتعددة التى تتباين بقدر تباين القوميات الأصلية لهؤلاء المواطنين. لكن ذلك ليس مهما. فالمهم بالنسبة للسلطات الأوكرانية هو إرضاء المتطرفين القوميين، من الكارهين لروسيا ولغتها وتاريخها، بل وربما لجغرافيتها وثرواتها، وممن يتحسسون مسدساتهم لدى سماع أول كلمة باللغة الروسية، معتقدين فى أن ذلك يمكن أن يؤمن لهم حياتهم، ويضمن أمنهم وأمن بلادهم حسب تقدير المصادر الروسية. ويعزو البعض فى موسكو قدرا كبيرا من أصول هذه المشكلة، الى تاريخ أوكرانيا فى النصف الثانى من القرن العشرين، أى منذ بدأ «بلاشفة أوكرانيا» فى «أكرنة» المجتمع السوفيتى الأوكرانى على حساب اللغة الروسية، وما ارتبط بها من إنجازات ثقافية وفنية، وبغض النظر عن تباين نوعيات جوهر المهن والوظائف فى أوكرانيا. وأعاد هؤلاء إلى الأذهان العقوبات التى جرى فرضها خلال تلك الفترة على كل من لا يجيد اللغة الأوكرانية، ولا سيما فى الوظائف الحكومية والحزبية العليا، بموجب «مرسوم غرس اللغة الأوكرانية» أو «أكرنة الدولة»، حسبما كانوا يطلقون على هذا المرسوم الذى توسعوا فى نشره وتأكيده لسنوات طوال فى كل الصحف والأجهزة الإعلامية المحلية فى أوكرانيا. ومما قيل ويقال فى موسكو إن هذا التوجه لم يسفر فى حقيقة الأمر سوى عن تأجيج التوتر حول اللغة الروسية التى وعلى العكس من التوجهات الرسمية، صارت أكثر ذيوعا وانتشارا فى كل ارجاء الجمهورية الأوكرانية، وان باتت اليوم وفى حقيقة الأمر مادة لتأجيج كراهية القوميين والعناصر المتطرفة فى أوكرانيا لروسيا، ولكل ما يرتبط بها من رموز آو إشارات.

ومع ذلك، ورغما عن كل ذلك فهناك من يعلق الأمل على أن يكون القرار الصادر فى 16 يناير الحالى فى أوكرانيا حول «تشديد الحظر على استخدام اللغة الروسية»، يمكن أن يسفر هذه المرة عن تحقيق الهدف المنشود بما تستهدفه القيادة الأوكرانية من حصار وتهديد لغة روسيا وثقافتها وتاريخها وانتشارها بين جموع الأوكرانيين والمواطنين الناطقين باللغة الروسية من غير الأوكرانيين. ويقولون إن تعميم تنفيذ القرار ليشمل إلى جانب المؤسسات الرسمية، المتاجر والمقاهى والمطاعم ومحطات التزود بالوقود والبنوك وصالونات الحلاقة والتجميل والمراكز الرياضية وغيرها من مفردات الحياة اليومية، يمكن أن يكون خطوة على طريق اتساع مساحات القطيعة والخلافات بين «الشعبين الشقيقين» تاريخا وجغرافيا وثقافة بل ولغة، حيث إن اللغتين الروسية والأوكرانية تنتميان سويا إلى أحد أفرع مجموعة اللغات «الهند وروبية». كما أن الروسية والأوكرانية ومعها اللغة البيلاروسية، تنتمى إلى المجموعة الشرقية للغات السلافية بأبجديتها المتقاربة والتى يتحدث بها مواطنو الجمهوريات الثلاث ممن يقترب عددهم من مائتين وخمسين مليون نسمة، عدا بقية سكان الاتحاد السوفيتى السابق من الناطقين بالروسية إلى جانب لغاتهم الأصلية.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة