تحقيقات

المبعوث الخاص .. أهم أدوات السياسة الخارجية للدول الكبرى

27-1-2021 | 12:12

الصراع في سوريا شهد تعيين أكثر من مبعوث خاص

رابحة سيف علام تكتب:

ترسخ لدى الدول الكبرى تقليد تعيين مبعوث خاص، للاهتمام بشأن دبلوماسى محدد. إذ جرت عادة تعيين المبعوث لملف معين، كمحادثات سلام فى نزاع ما أو بهدف الوساطة فى أزمة محددة. ومن أهم الدول التى تتبنى هذا النهج الدبلوماسي، الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وروسيا، حيث تقوم بتعيين مبعوثين خاصين لمناطق وقضايا وأزمات معينة.

معايير محددة

فى الخبرة الأمريكية، يمارس المبعوث الخاص دورا محوريا، فى اختصار خطوات السياسة الخارجية المعتادة، ويتخطى بمرونة العوائق المتوقعة فى سبيل إيضاح صورة الصراع، الذى يهتم به بشكل واضح للرئيس، مما يوفر لهذا الأخير كل أسباب اتخاذ القرار السياسى الناجح، فى الوقت المناسب دون تأخير. ويحق للرئيس تعيين المبعوثين الخاصين بشكل مرن للغاية، لا يستلزم موافقة مسبقة من الكونجرس، ويمكن أن يعينهم من خارج هيكل الدبلوماسية المعتادة أو من داخله، وقد يكون لهم خبرة سابقة فى الدبلوماسية أو الأمن أو القضاء، أو قد لا يكون لهم أى خبرة سابقة ويحظون فقط بثقته الشخصية.

ويحدد الرئيس لهم صلاحياتهم التى عادة ما تكون متناسبة مع حجم المهمة الموكلة إليهم، خاصة فى إسداء الرأى والنصح له بما يؤثر لاحقاً على عمل المؤسسات المختلفة، إذا ما تبنى الرئيس هذا الرأى وشرع فى تنفيذه، من خلال إصدار الأوامر للمؤسسات المعنية. ولعل هذه المرونة الكبيرة التى يتمتع بها الرئيس الأمريكي، فى تسمية هؤلاء المبعوثين، يجعل لهم مكانة كبيرة فى صياغة السياسة الخارجية، فى الملف الذى يتولونه، ويعتبرون كذلك بمنزلة جسور للتواصل المباشر مع الرئيس، بما يتخطى أى تقاليد دبلوماسية راسخة أو جامدة. وفى هذا السياق، يبدو أن الرئيس الأمريكى الجديد جو بايدن، يريد العودة إلى تقليد تعيين المبعوثين الخاصين فى الملفات ذات الاهتمام، على نحو انعكس فى اختيار وزير الخارجية الأسبق جون كيري، مبعوثا خاصا للمناخ، وهو الذى كان عرّاب توقيع الولايات المتحدة على اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، ليؤكد بذلك التزام الدول الصناعية الكبرى بخطط مواجهة التغير المناخي.

وفى الخبرة البريطانية، عادة ما يختار رئيس الوزراء أو وزير الخارجية المبعوثين الخاصين، الذين يتولون ملفات محددة مثل المبعوث الخاص لسوريا، أو لقضية بعينها على غرار المبعوث الخاص لحماية وتعليم الفتيات أو للحريات الدينية أو المبعوث الخاص، لحرية الإعلام والصحافة، أو مثلاً المبعوث الخاص لتبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية مع الحلفاء. وقد أعلن بالفعل تعيين مبعوث بريطانى جديد إلى سوريا، هو «جوناثان هارغريفز» فى 14 ديسمبر الماضي.

وعادة ما يتم اختيار المبعوثين الخاصين بصلاحيات ومدة محددة ويأتون فى الأغلب من خلفية دبلوماسية أو برلمانية أو بحكم نشاطهم الملحوظ فى خدمة المجتمع فى مجال ابتعاثهم. وعادة ما يتلخص عملهم بالتقصى فى شأن اختصاصهم، وتنسيق هذه الجهود

مع نظرائهم الخارجيين، ثم يتقدمون بتقارير مفصلة تحمل توصيات بشأن كيفية تحسين السياسة الخارجية فى الملف الذى يخص عملهم.

اتجاهات متباينة

تعرضت هذه الآلية لانتقادات عديدة، باعتبارها قد تؤدى إلى حالة من التذبذب فى الأداء الدبلوماسي. فعندما يكون للرئيس الأمريكى مثلاً مبعوث خاص إزاء قضية ما، يكون إيقاع السياسة الخارجية سريعاً ومتفاعلاً، وعندما يغيب تخفت بالتبعية السياسة الأمريكية إزاء هذه القضية، الأمر الذى يعتبره البعض تداخلاً مع عمل وزارة الخارجية وأقسامها التى تهتم بالقضايا بشكل متوازن، فقد لا ينسق المبعوث الخاص مع الخبرات الموجودة بالوزارة، وبالتالى تصبح الوزارة معزولة عن مجريات الأحداث، وأحياناً ينسق معهم، وبالتالى يصبح لهذه الأقسام قناة اتصال سريعة مع الرئيس عبر هذا المبعوث.

ففى عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش مثلاً، فضّل وزير خارجيته الأول كولن باول» إلغاء منصب المبعوث الخاص واضطلع بمهام السياسة الخارجية برمتها، من خلال الهيكل التقليدى لوزارة الخارجية. بينما فضّل الرئيس الأسبق باراك أوباما، أن يتوسع فى تعيين مبعوثين خاصين، وهو الأمر الذى تزايد بشدة خلال تولى هيلارى كلينتون حقيبة الخارجية، حتى وصل الأمر إلى نحو 66 مبعوثاً خاصاً فى مختلف الملفات الخارجية.

وعندما تولى الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب منصبه، أراد السيطرة على هذا التضخم لما تسبب به، فى رؤيته، من ترهل لأداء السياسة الخارجية وكبدها تكاليف كبيرة دون مكاسب تُذكر. فقرر تيلرسون وزير خارجية ترامب الأول، تخفيض العدد إلى 30 مبعوثا فقط، وتحويل 27 آخرين إلى مسئولى وزارة الخارجية ومؤسسات أخري، وإلغاء 9 آخرين، لعدم اهتمام ترامب بالقضايا التى يمثلونها. وكان أبرز المبعوثين الذين أُلغيت مناصبهم، المبعوث الخاص للتغير المناخي، والمبعوث الخاص لأفغانستان وباكستان وأيضاً لإغلاق سجن جوانتانامو. ورغم هذا التوجه، عادت إدارة ترامب، مع تولى مايك بومبيو وزارة الخارجية، إلى تعيين مبعوث خاص لأفغانستان وباكستان وهو زالماى خليل زاد، مما يعنى أن بعض القضايا لابد لها من قنوات اتصال أسرع مع الرئيس، لكى تصعد على سلم أولويات السياسة الخارجية.

وفى الخبرة الفرنسية والروسية، يأتى المبعوثون عادةً من خلفية دبلوماسية، إذ يكونون هم بالأصل مسئولى الملف المكلفين به ضمن هيكل وزارة الخارجية، فنادراً ما يحدث التنازع الوظيفى الذى قد ينشأ فى الخبرة الأمريكية، بين المبعوث الخاص ووزارة الخارجية. فقد عينت فرنسا مثلاً، فى يونيو 2018، مبعوثاً خاصاً لسوريا هو «فرانسوا سينيمو» الذى كان فى الأصل سفيرها لدى إيران، وله خبرة دبلوماسية فى الملف، وعلى علاقة وثيقة بأطرافه. أما روسيا، فلها مبعوث خاص للشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو «ميخائيل بوجدانوف» بالإضافة للمبعوث السابق الذى يخصصه الكريملين لسوريا وهو «ألكسندر لافرانتيف»، ثم قام بوتين مؤخراً بتعيين مبعوث رئاسى خاص لتطوير العلاقات مع سوريا فى مايو 2020 وهو «ألكسندر يفيموف». ويتوقع أن يكون المبعوث الجديد هو حلقة الوصل بين الدبلوماسيين والعسكريين الروس العاملين فى سوريا، بهدف تنسيق المواقف وإتاحة صورة أوضح لبوتين، عن تطور النفوذ الروسى هناك، وما قد يتخلله من تنافس للمؤسسات الروسية على الساحة السورية.

فى النهاية، ترتبط فرص المبعوث الخاص فى النجاح فى مهمته، بمدى اتساع خبرته السابقة فى الملف الذى يتولاه، ومدى قبوله لدى الأطراف الضالعة فيه، وهو ما يتوقف بالطبع على مدى الحياد الذى يتصف به فى رؤيتهم.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة