آراء

إثيوبيا واختراع الطرف الثالث

21-1-2021 | 11:30

فى كل مشكلة داخلية أو إقليمية تواجهها الحكومة الإثيوبية ترمى التهمة على طرف ثالث للتنصل من المسئولية.

مع احتدام الأزمات تحول هذا الطرف من مجهول إلى معلوم. بدأ بعض المسئولين فى أديس أبابا يشيرون إلى مصر صراحة. حدث ذلك فى أزمة المظاهرات التى اندلعت فى العاصمة الصيف الماضي، والحرب فى إقليم تيجراي، والسخونة على الحدود مع السودان، وقبل كل ذلك مع أزمة سد النهضة. أدى نفخ وسائل إعلام إثيوبية فى مسألة الطرف الثالث، إلى تسليط الضوء على مصر وتجاهل الأزمات المتراكمة التى تواجهها أديس أبابا، فى محاولة لرمى الكرة فى ملعب خصم يتصور المسئولون فى إثيوبيا أن هناك من يصدقهم بسهولة، ويمكن أن يصرف عنهم تبعات المشكلات الناجمة عن خطأ فى التوجهات الداخلية.

تحدث البعض تارة عن مشكلات داخلية قديمة فى مصر وتم صبغها بطعم سياسى يتناسب مع مزاجهم، وغرد سفيرهم بدولة الإمارات الشقيقة ملمحا إلى أن مصر تحرض السودان على استرداد أراضيه المحتلة بالقوة، واستقبل سفيرهم فى الخرطوم كاتبة سودانية إخوانية ينضح قلمها حقدا على مصر، ودرجت على التطاول جذبا للانتباه إليها ولم تتحصل عليه، فى مكايدة سياسية مكشوفة.

لم يحقق اختراع الطرف الثالث غاية الحكومة الإثيوبية، فلا الأوضاع هدأت وجرى حل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ولا صمتت المعارضة عن توجيه سهامها لمن تسببت سياساتهم فى هذا التدهور، ولم تخرج مظاهرات تهتف بحياة رئيس الوزراء وتعفيه من المسئولية، وتثمن دوره فى فضح مؤامرات مزعومة على الدولة الإثيوبية دون أن يقدم أدلة ملموسة عليها، ما يحسب عليه وليس له.

زادت حدة الانتقادات لتصرفات الحكومة المركزية التى علق عليها قطاع كبير من المواطنين آمالهم فى الخروج من أزمة الحكم الفردي، إذا بها تعيد إنتاجه بطريقة أكثر بؤسا، وفشلت فى حل التناقضات بين المناطق الرئيسية، بعد أن تورطت فى حرب مفتوحة داخل تيجراي، وضاعفت من الهوة بين الأقاليم المختلفة، ونكأت جراحا عميقة قد تهدد وحدة دولة تتكون من موزاييك اجتماعى خطير.

فضح تقدم الجيش السودانى لاسترداد أراضيه ضعف الخطاب الإثيوبى المناور، ففى الوقت الذى ادعى مسئولون عدم الانسحاب من هذه الأرض والتمسك بالبقاء فيها، أشار السودان قبل أيام إلى أن رئيس الحكومة آبى أحمد وعد بتسليم الأراضى المحتلة منذ عقود، ضمن خطة عمل اللجنة المكلفة بحل أزمة الحدود بين البلدين.
جاء من تحدثوا عن دور مصرى مباشر فى تفجير الحدود المشتركة، كأن الأزمة غير موجودة أو مختلقة، والتلميح إلى أن الجيش السودانى لم يهب من تلقاء نفسه للدفاع عن بلاده. وفوق كل هذه المعطيات لم تنكر القاهرة وقوفها بجوار السودان فى الدفاع عن مصالحه وحقوقه المشروعة فى سياق أطر تعاون مختلفة، تشمل الكثير من المجالات، ودون أن تكون إثيوبيا محرضا للتقارب، فالقواسم المشتركة بين البلدين عديدة وممتدة ودخلت مرحلة تصويب المسارات عمليا.

يدين الحديث عن تحميل أى جهة مصائب إثيوبيا حكامها أنفسهم، فإذا كان الطرف الثالث قادرا على تحريك كل هذه الأزمات دفعة واحدة وخلخلة الأرض تحت أقدامهم داخليا وخارجيا، فهذا يعنى أن هؤلاء الحكام عاجزون ومخترقون ولا يستطيعون تحمل مسئولية دولة فى حجم إثيوبيا، وتخفيف المعاناة عن مواطنين يتطلعون إلى المستقبل، فلماذا كل هذه الغطرسة الطاغية فى الخطاب السياسي؟ ولماذا تكرار الكلام عن طرف ثالث أو رابع لا أدلة حقيقية؟ الإجابة أن هذا الطرف جرى استحضاره لتبرير الإخفاقات المتتالية، وسوف يظل حاضرا كلما ضاقت التصورات السياسية فى الرد على البراهين التى تؤكد عدم ثقة الحكومة فى منهجها العام. يبدو أن المسئولين فى إثيوبيا مقتنعون بالحكمة التاريخية، التى تقول إذا أردت أن توحد شعبا فاصطنع له عدوا خارجيا. الأمر الذى فشلت فيه أديس أبابا، حيث اختارت أن يكون هذا العدو مفتعلا بحجج واهية، فأخفقت فى تسويقه سياسيا، فلا تاريخ مصر يميل إلى هذا النوع من الممارسات، ولا توجهاتها الحالية تتبنى مناوشات سياسية تشغلها عن مهامها القومية.

كما أن الدفاع عن الحقوق المصرية فى أزمة المياه له طرق قانونية واضحة تسلكها القاهرة وتتمسك بها، ولم تحد عنها فى أحلك فترات التفاوض قتامة.وإذا عجزت فهناك خيارات يمكن طرقها مباشرة للدفاع عن الأمن القومي، ليس من بينها التآمر على الإثيوبية أو تخريبها من الداخل والخارج. فالعالم اليوم يصعب أن يخفى عليه شيء. راهنت مصر على رفض السودان الطريقة الإثيوبيا، لأن المشروع محمل بتداعيات سلبية عليه، وكسبت الرهان. فقد أصبحت الخرطوم أكثر حدة فى رفض سلوك أديس أبابا فى مفاوضات سد النهضة، وأشد تصميما على التوصل إلى اتفاق ملزم يحل كل القضايا المختلف حولها، ويتحدث المفاوض السودانى الآن عن خسائر جمة تلحق الأذى بالبلاد مع اكتمال هذا السد، ما يوفر مبررات منطقية للوقوف فى وجه أديس أبابا، فالسودان بلد مستقل ويعرف آليات الدفاع عن مصالحه جيدا.

لذلك لم تعد الوساطة الإفريقية أو المتعاطفون مع خطاب إثيوبيا سابقا، يلتفتون إلى الاتهامات الباطلة الموجهة لمصر، وأنها تعرقل رغبتها فى التنمية والخروج من دائرة الفقر، وهو الخطاب الاستهلاكى الذى يستخدم لدغدغة مشاعر بعض القوى الدولية، حتى بدأت ملامح مراجعة للموقف الإثيوبى والتشكيك فى أدواته، تجلت فى تقليص المساعدات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والبقية قد تأتى قريبا، إذا صممت أديس أبابا على المضى فى غطرستها. تكاد الحكومة الإثيوبية تفقد رشدها مع كل خسارة داخلية أو خارجية تتكبدها، ومع كل عملية تدقيق فى إجراءاتها، ما جعل اللجوء إلى الطرف الثالث عملية غير ذات جدوى، وبات العزف عليها نغمة مشروخة، لأنه يظهر ضعف المايسترو وقلة حيلة العازفين، وقوة الطرف الثالث الذى استطاع أن يكبد هذه الدولة كل هذه الخسائر دون طلقة واحدة.

نقلاً عن

مصر لم تغب عن ليبيا

اعتبر البعض زيارة وفد مصري هذا الأسبوع لطرابلس لترتيب إعادة فتح السفارة في العاصمة الليبية، والقنصلية في مدينة بنغازي، خطوة لاستعادة دور مصر فى ليبيا،

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

الواقعية المصرية والتهور التركي

يُحسب للرئيس عبدالفتاح السيسي قدرته على التعامل بواقعية مع الأزمات الخارجية، والتي تراعي مصالح مصر في ظل خرائط إقليمية معقدة، وتفاعلات دولية غامضة.

القوة الناعمة والقوة الخشنة بعد كورونا

حاولت البحث عن فكرة مناسبة لهذا الأسبوع بعيدا عن كورونا فلم أجد. كلما لاحت في الأفق فكرة وجدتها تصب في هذه الجائحة من قريب أو بعيد. أصبحت حياتنا تبدأ بالاطلاع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة