آراء

تجديد الديمقراطية التمثيلية ومواجهة الشعبوية

14-1-2021 | 12:55

أحد أكبر مشاكل الفكر الليبرالى المصرى والعربى يتمثل فى جموده التاريخي، وعدم متابعته للتطورات الكبرى فى النظم الديمقراطية، والتمثيلية، واعتماده على بعض سرود الفقه الدستورى وطابعها الشكلى وانفصالها عن ديناميات الواقع السياسى والاجتماعى والاقتصادى والمؤسسات السياسية وحركية أجهزة الدولة واختلالاتها ، وعلى بعض الكتابات السياسية القديمة، والاستثناءات محدودة. ظلت الليبرالية ودعاتها نمطية فى العقل العربي، ولدى بعض السياسيين التقليديين. الفجوة بين الأفكار النمطية السائدة، وعدم المتابعة والركود الفكري،استمر مهيمنا فى ظل موت السياسة، هذا ما حاول الكاتب الكبير وحيد عبد المجيد ببراعة وكثافة ووضوح نظري، وانضباط فى المفاهيم والمصطلحات أن يبرزه من خلال التحليل السياسى الرصين فى كتابه المهم الديمقراطية فى القرن الحادى والعشرين.

عرض الكاتب القدير فى سلاسة ووضوح الفلسفة العامة للديمقراطية، حيث الفرص المتساوية لجميع المواطنين من أجل تحقيق النفع والخير العام، والمشاركة فى إدارة الشأن العام، فى إطار من التعددية والتنافس، فى ظل المساواة والمجال العام المفتوح، والحريات العامة والفردية وهياكل دستورية وقانونية تضبط القواعد الموضوعية والإجرائية لعمل النظام، ودورية العمليات الانتخابية، والتغيير الدورى للحكومات والسياسات، فى ظل اقتراع عام حر ونزيه فى إطار التعددية الحزبية.
من ناحية أخرى سيادة الحريات العامة لاسيما الحق فى التجمع والتظاهر السلمى فى علانية، وحرية تشكيل الأحزاب والنفايات والمنظمات والجمعيات المدنية، فى ظل التمايز الوظيفى بين السلطات وتوزيع القوة فيما بينها، واستقلال القضاء، وحمايته لهذه الحريات إزاء الانتهاكات أيا كانت مصادرها والقائمون بها .
يرى د. وحيد أن الثقافة الليبرالية مهمة عموما لترسيخ الديمقراطية واستمراريتها، ولكنها ليست جزءاً من نسيجها الذى يتكون من أنساق دستورية وقانونية وآليات ترمى إلى تمكين المواطنين من اختيار من يمثلهم لفترة محدودة، ومن ثم نحن إزاء ديمقراطية تمثيلية. هذا التمييز بين الديمقراطية والليبرالية لم ينل اهتماما كبيرا من بعض الكبار مثل ألموند وفيربا، حتى روبرت دال فى تصوره للبولارشية أى الحكم المتعدد فى ظل التوازن السياسي، واهتمامه بالديمقراطية والتنمية.

وأشار إلى لينجبارت ومؤلفه حول الديمقراطية التوافقية فى المجتمعات الانقسامية، والتوافق المشروط. قام الكاتب بالتمييز بين الليبرالية والديمقراطية حيث الأولى منهج فى التفكير ينطلق من قدرة البشر على تحسين شروط حياتهم عندما يمتلكون حريتهم، ويحررون عقولهم من مختلف المؤثرات ويستخدمونها فى الإبداع. الفلسفة الديمقراطية وفق ما طرحه الكاتب الكبير بإيجاز وبراعة وتكامل، يرى أنها لا يمكن أن تكون حكراً على اتجاه سياسى بعينه، أو مرجعية سياسية أو فكرية دون غيرها، أو نوع من التنظيم الاقتصادى للمجتمع لا ثانى له . ومن ثم الديمقراطية من وجهة نظره لا تكون ليبرالية أو اشتراكية أو قومية ولا ترتبط بنظام اقتصادى محدد. من ثم يرى ضرورة فض الاشتباك بين مفهوم الديمقراطية والليبرالية، ومراجعة مفهوم الديمقراطية الليبرالية لأنه ينطوى على خلط بين السمة العامة الأساسية للديمقراطية، والثقافة الليبرالية. يتميز الكتاب المهم بالاستيعاب التاريخى لتطور النظم الديمقراطية والصراعات الاجتماعية التى أدت إلى ظهورها تاريخياً وتطورها من نظام ويستمنستر البريطانى إلى الثورة الفرنسية (1789).

وأشار الكاتب إلى الدور البارز الذى لعبه كبار المفكرين، فى طرح أفكارهم التحررية التى شكلت كتاباتهم ملامح الحداثة السياسية التى أدت الى بناء هندساتها المؤسسية وانساقها القيمية، انطلاقا من أفكار جون لوك (1632-1704) و(توماس هوبز) ومونتسكيو (1689-1750) ونظرية فصل السلطات. وجيمس ماريسون (1751-1863) أحد واضعى الدستور الأمريكى الذى أخذ عن جون لوك فكرة حماية الفردية عن طريق إقامة سلطة عامة مقيدة قانونا، ومسئولة أمام المحكومين، ومن مونتسكيو مبدأ فصل السلطات الثلاث، وتطويرها على نحو يكون معه الممثلون خاضعين للقوة الانتخابية للجماعة الناخبة ومسئولين أمامها ومحاسبتهم من خلال الآليات الانتخابية الدورية.

تطورات استغرقت أكثر من قرنين لكى تتطور وتتكامل الديمقراطية التمثيلية. أبرز معالم الكتاب، هو القدرة التأصيلية للقضايا والمفاهيم والنماذج وكيفية تطورها وسياقاتها فى إطار رؤية بانورامية انتقلت بسلاسة ووضوح فى الرؤية ما بين أوجست بلانكى 1852، إلى جون ستيورات مل 1806-1873، إلى أعلام نظرية النخب باريتو 1848-1953، وبوتومر، وروبرت ميتشلز وغيرهم وجوزيف شومبيتر، وهانز والدر، وروبرت دال .

تناول الكتاب مظاهر أزمة الديمقراطية التمثيلية، وهى تزايد الإدراك شبه الجمعى بانخفاض سقف الديمقراطية التمثيلية والانفصال بين النخب والجماهير، وعدم استيعاب الأجيال الجديدة وتطلعاتها وتعبيراتها عن ذواتها، وذلك لتراجع قدرة الأحزاب على جذبهم، وشيوع فجوة الثقة فى فعالية الانتخابات العامة. ثم ميز الكاتب بين القومية والشعبوية، لازدياد الخلط بينهما، حيث يدافع القوميون الغلاة عن الأصل العرقى والشعبويون يدافعون عن ثقافة الشعب، وينظرون إلى القومية من زاوية الهوية الثقافية.

القوميون ينطلقون من خلفيات إيديولوجية وفكرية، والشعبيون تنطلق مواقفهم من توترات وأزمات اجتماعية مؤثرة وتثير قلق فئات شعبية، ولا يرتكزون على مرجعية إيديولوجية أو نظام فكري، ثم ازدياد تأثير الثورة الرقمية على دور الفرد، وتزايد التفاوتات الاجتماعية ثم خصص الكاتب الخبير الصناع الفصل الرابع لعلامات الشعبوية المميزة للقرن الحالى والتى تتمثل فى رأى برنارد باديه عن انصراف المواطنين عن المؤسسات السياسية بأعداد كبيرة، وتراجع الثقة فيها، والتنديد بالنخب السياسية، وتزايد الشكوك فى المجتمع، ونمو التهميش الاجتماعى والاستلاب، وصعود خطاب السيادة وكراهية الأجانب كردود أفعال على فشل المؤسسات فى أداء وظائفها واختلالاتها، وانصراف المواطنين عنها، واحتجاجهم عليها، وليس رفضها، خاصة أن النخب السياسية تقليدية وتعيد إنتاج ذاتها، وسيطرة بيروقراطية الاتحاد الأوروبى غير المنتخبة فى بروكسل، ومن ثم سعى الشعبوية إلى إصلاح المؤسسات الديمقراطية التمثيلية لا تقويضها.

انتهى الكتاب إلى تركيب بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية المباشرة من خلال مايلي: الاستفتاء العام المتكرر على قرارات تنفيذية أو تشريعات أساسية، ودعوة الناخبين للاقتراع على أداء أى مسئول تنفيذى أو عضو فى البرلمان القومى أو المحلي، وفتح مجالات جديدة ومتجددة للحوار السياسى والاجتماعي.. الكتاب عمل فكرى مهم وجاد وموضوعى للكاتب البارز د. وحيد عبد المجيد، ونرجو فى الطبقة الثانية أن يتناول قضايا ما بعد الحقيقة، وما بعد الإنسان فى ضوء الثورة الرقمية، وثورة الذكاء الصناعي، وأثرها على الحياة الإنسانية، وعلى النظم الديمقراطية التمثيلية، خاصة فى ظل ما بعد كورونا، والخلل بين الإنسان والطبيعة.

نقلاً عن

أزمات الهوية والحروب الأهلية

استخدمت أنظمة ما بعد الاستقلال التسلطية فى العالم العربى، تحديدها للهوية الوطنية، كسردية كبرى للتعبئة السياسية وراء سياسات السلطة وكأداة لبناء شرعياتها

انشطارات الهوية الوطنية والانفجار الهوياتي

أسهمت سياسة اللا سياسة وموت السياسة التى اعتمدت على القمع المادى والأيديولوجى والرمزى فى إحداث حالة من الإنكار للواقع الموضوعى المتعدد فى تكوين غالب المجتمعات

الدولة الريعية.. وهوياتها الهشة

أدى تدفق دماء الشهداء المصريين والسوريين في حرب التحرير الوطنية -6 أكتوبر 1973- للأراضي المحتلة من قبل العدوان الإسرائيلي، إلى انفجار عوائد النفط على نحو

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة