آراء

غزوة الكونجرس

12-1-2021 | 11:35

لم تكن نازية الفوهرر فى ألمانيا، مهد الفلسفة المثالية والنزعة النقدية، ولا فاشية الدوتشي فى إيطاليا، مهد النهضة الأوروبية والنزعة الإنسانية، استثناء فى التاريخ الإنساني المكتوب بحروف الاستبداد والتسلط والقهر، ولكن الشعور بوطأتهما نبع من كونهما نبتتا من قلب الحداثة وبزغا فى القرن العشرين، الذي لم يكن متصورا أن يُعاد فيه سحق الإنسان على نحو أفقد أوروبا جل حكمتها وكل ثقتها بنفسها ومعظم أحلامها فى التقدم، إلى درجة شاعت معها الكتابات التي تتحدث عن السقوط والأفول والانهيار.

لقد جسد الرجلان فى حقبة ما بين الحربين (1922و1945) ، ذروة العبث في الاستبداد الحديث، المولود من رحم ديمقراطية إجرائية، تحترم النمط التمثيلي شكليا، بينما تستند جوهريا إلى أكثر القيم رجعية كالتفوق العرقي، والسمو الجنسي، وغيرهما من مقولات الخطاب الثقافي للمركزية الأوروبية، والتى لم تعد مجرد مقولات إشكالية بل صارت مع النازية والفاشية أسلحة فتاكة في أيد عابثة، تجمع السلطة السياسية مع التطرف القومى والجنون الشخصي، وتلك هي مواصفات قنبلة تاريخية تجسد في حقل السياسة وصراعات السلطة ما تمثله القنبلة النووية فى المجال العسكري وصراعاته المسلحة.

لم يكن النازي والدوتشى وحدهما، فثمة ديكتاتورية ستالين البشعة وآلام المزارع الجماعية خلف الستار الحديدى، وأيضا فاشية فرانكو في إسبانيا التى جرحت الضمير الأوروبي فى ذروته الحداثية، ناهيك عن مستبدين كثيرين كبار وصغار، خارج أوروبا وداخلها. ولكنهما مثلا النموذج الأبرز لقصور الديمقراطية التمثيلية، والقدرة على توظيف الصناديق الصماء للتحكم فى أرواح الأحياء، وطمس وعى العقلاء، بل محاولة تغيير الطبيعة الإنسانية، بوضع الجمع قبل الفرد، والوطن فوق الشخص، ثم اختزال الوطن كله في شخص راودته خيلاء كاذبة بأنه لديه من الحكمة ما يزيد على حاجة الوطن، ومن القوة ما يكفي بنفي جموع المواطنين، ليصبح هو نفسه الوطن.

اليوم، بعد نحو قرن من الدوتشى، وثمانية عقود من النازى، عادت الديمقراطية الليبرالية لتواجه تحدي الشعبوية نفسه فى ظل عالم أكثر تعقيدا تكاد تفتك به تكنولوجيا الاتصالات ووسائط التواصل الاجتماعى، ويتوارى فيه دور الانتلجنسيا الثقافية والسياسية، إلى الحد الذى لم يكن متصورا ولو فى أكثر التخيلات سوءا والتوقعات تشاؤما، لكنه بات ممكنا عندما تمكن الرئيس ترامب من الوصول إلى سدة البيت الأبيض، ثم تجلى واضحا وشرسا وخطيرا عندما اقتحم أنصاره مبنى الكونجرس الأمريكي ونشروا فيه الفوضى والرعب، بغية منع التصديق على نتائج الانتخابات الأخيرة وإعلان جو بايدن رئيسا جديدا للبلاد.

لقد عرفت مصر ما سماه الإخوان والسلفيون قبل تسع سنوات (غزوة الصناديق) عندما تمكنوا من تثبيت دستور معيب يكاد يجعل منها دولة دينية، تحت ضغط الغواية والخداع، لكن تلك الغزوة لم تبلغ ما بلغته غزوة الكونجرس من فوضوية، بتحريض سافر وعلني من الرئيس نفسه، بذريعة أن الانتخابات سرقت منه، وأن من حق أنصاره الدفاع عنه. وكما كان دستور الإخوان نذير شؤم أودى بحكمهم، فقد أفضت غزوة الكونجرس، عكس ما أراد الرئيس، إلى فضح همجيته، وانزعاج الكبار في حزبه إلى حد دفعهم للتنصل منه.

كما شجعت منافسيه الديمقراطيين على طلب محاكمته بالتعديل الخامس والعشرين للدستور الذي يتيح لنائبه ورئيس مجلس الشيوخ، عزله والحلول محله، طالما بات عاجزا عن النهوض بمهام وظيفته أو تبدت خطورة بقائه على الأمن والنظام الديمقراطي الأمريكيين.

قد ينجح الديمقراطيون في تحقيق مأربهم الذي يتعاطف معه عقلاء الجمهوريين، وقد لا ينجحون، لكن المؤكد أن الرجل قد خسر تعاطف الجميع، حتى من أنصاره الذين شاهدوه يدينهم ويتبرأ من سلوكهم بعد أن شعر بخطورة موقفه وخشي من احتمال محاكمته قانونيا بعد رحيله عن منصبه، لينكشف أمامهم كمجرد مقامر ليس فقط بأمن أمريكا وديمقراطيتها، بل بأنصاره وناخبيه، الذين تصرف نحوهم وكأنهم مجرد حطب لحريق أراد أن يشعله في كل شىء قبل مغادرة منصبه.

كان مؤكدا رحيل الرجل رغم أى مماحكات، لكن كان ثمة مخاوف من احتمال نجاحه فى مد أذرع منهجه الفوضوي وعقليته الانتهازية لتخيم على الفضاء السياسي، أو من قدرته على بناء تيار معارض غير تقليدي يدير صراعاته من الشارع وليس من داخل المؤسسات الرسمية على منوال الديمقراطيات غير الناضجة، محاولا إعاقة الإصلاحات المطلوبة لتصويب النهج الشعبوي الذي أصاب السياسة الأمريكية داخليا وخارجيا، الأمر الذى كان ممكنا أن يبقي على حظوظه كمرشح جمهوري ورقما صعبا في الانتخابات المقبلة.

أما اليوم، فقد باتت تلك الممكنات صعبة بفعل الجريمة التي ارتكبها، حيث استهلك ترامب بنفسه زخم الترامبية عندما بالغ فيها، وذلك هو دهاء التاريخ وحنكته فى الدفاع عن مسيرة تقدمه. أما أسوأ استخلاص ممكن لما جرى في غزوة الكونجرس فهو الذي بات البعض يروج له عن تهافت الديمقراطية، أو ضعف النظام السياسي الأمريكي بما لا يجعله مثالا يحتذى، فى محاولة خبيثة لتبرير الاستبداد.

نعترف هنا بأن النظام الانتخابي يحتاج إلى تعديلات تجعله أكثر مباشرة وحسما، لكن يبقى النظام الديمقراطي قويا بالقدر الذى مكنه من كبح جماح رجل فوضوي كترامب. ونعترف أيضا بأن الديمقراطية التمثيلية بلغت حدا من الإنهاك لم تعد معه أيقونة نهاية التاريخ مثلما كانت قبل ربع القرن، ولكنها تبقى النظام الأكثر قدرة على صون الحرية الفردية، ترشيد القرار الوطني، وإدارة التنوع الديني والعرقي.

لا ندعى بأنها نظام مثالى ينضوي تحته الطيبون والملائكة ويطرد خارجه الأشرار والفاسدين، لكننا نؤمن بقدرتها على صياغة توازنات دقيقة بين هؤلاء وأولئك، بين ممكنات الاستقرار ودواعي التغيير، وعلى ممارسة التصحيح الذاتي بآليات سلمية، دون حركات ثورية تحول دون تراكم خبرات الشعوب وتفرض البدء، كل مرة، من جديد. ستتعلم أمريكا من أخطائها يقينا، وستواصل الديمقراطية تجديد نفسها ذاتيا، وهذا هو الدرس الحقيقي الذي يتعين علينا أن نتعلمه.

نقلاً عن

التنوير الراديكالي ونزعة الشك الفرنسي

انطلق الفكر الأوروبى الحديث من الكوجيتو الديكارتى الذى وضع الفكر فى مقابل الامتداد. الفكر هنا يعنى العقل والروح وكل ما يمت للمعنويات كالعقيدة الدينية.

كانط. . رسول العقل الإنساني

اهتمت جل فلسفات التنوير بترقية الإنسان إلى موضع الكائن العاقل الحر، ومن ثم سعت إلى تحريره من قيدين أساسيين: أولهما المدركات الخرافية التي تعطل مسعاه في

الفلسفة المثالية بين التنوير والمسيحية

تحدثنا فى المقال السابق عن ثلاث مدارس في نظرية المعرفة تحكمت في أنماط التنوير الأوروبي: المثالية الذاتية، والتجريبية الحسية، والمثالية التجريبية. يشيع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة