تحقيقات

«ألكسان باشا» .. أسرار القصر المغلق!

9-1-2021 | 12:20

قصر ألكسان باشـا

تحقيق: حمادة السعيد ــ وائل سمير
  • الطيور تفسد عمل الأثريين.. و«كورونا» أوقفت عمليات الترميم
  • د. أحمد عوض مدير عام الآثار بأسيوط: بناه الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون بطراز معمارى فريد.. والزخارف على الطريقة الإغريقية
  • أثريون: الملك فاروق منح صاحبه «الباشوية» بعد زيارته القصر.. ونترقب افتتاحه كمتحف عام للمحافظة
     

10 سنوات مضت منذ أن تكللت جهود هيئة الآثار بالنجاح وانتهت الى ضم قصر «ألكسان باشا» الواقع على النيل بقلب مدينة أسيوط وتسجيله ضمن الآثار ومن ثم تحويله للمنفعة العامة وبرغم هذه السنوات العشر التى مرت على انضمامه لا ينقطع الحديث عن قيمة ومكانة هذا القصر وكذلك عن عمليات الترميم تمهيدا لتحويله لمتحف أسيوط القومى لينقل إليه ما تم استخراجه من آثار بعضها تم اكتشافه مؤخرا والآخر موجود بمتحف مدرسة السلام الخاصة بأسيوط والتى لا تصلح لعرض هذه المقتنيات ولا تتناسب مع قيمتها وكذلك المقتنيات الموجودة داخل مخزن «شطب» الأثرى، ورغم أن هناك لجنة تم تشكيلها من الآثار والسياحة والجهات الأمنية والتنفيذية وقد انتهت من عملها بعملية تسليم القصر كاملاً، إلا أن هناك ظروفا أخرى تحول دون تحديد موعد نهائى لإنهاء الترميم وافتتاح القصر وربما يقف التمويل حائلاً دون ذلك، فضلاً عن الروتين وغير ذلك من التفاصيل التى نعرضها فى السطور المقبلة حول قصة هذا القصر التاريخى الذى يقع على نيل أسيوط بوسط الصعيد.

لجان ضمت الآثار والسياحة

بداية نشير إلى أنه كانت هناك لجنة مشكلة من عدة جهات ضمت الآثار والسياحة ومحافظة أسيوط وغيرها وانتهت هذه اللجنة من عملها بالموافقة على تسلم قصر «ألكسان باشا» كاملاً، وذلك عقب قرار إخلاء مقر إحدى شركات البناء من المبنى الملحق بالقصر فى نوفمبر عام 2012 تنفيذا للقرار رقم 1824 لسنة 2012 والذى جاء تنفيذاً لقرار رئيس الوزراء رقم 2205 لسنة 2009 باعتبار قصر «ألكسان باشا» من أعمال المنفعة العامة واعتماد المجلس الأعلى للآثار وقتها مبلغاً مالياً لإتمام عملية نزع ملكية القصر، وتم تنفيذ الإخلاء وتسليم المبنى لمنطقة آثار أسيوط وغلق الأبواب بالشمع الأحمر، وبرغم مرور العام تلو الآخر لا يتوقف الحديث حول موعد انتهاء عمليات الترميم ومشكلات التمويل وافتتاح القصر، ووسط هذا الزخم من الحديث وما تم نسجه من حكايات حول قصر «ألكسان باشا» توجهت تحقيقات «الأهرام» لزيارة القصر على الطبيعة، وكانت البداية من البوابة القبلية حيث وجدنا مبنى مكونا من دورين واقعا على نهر النيل مباشرة مخصصا للموظفين الذين كانوا يديرون حسابات صاحب القصر المدعو «ألكسان باشا» والذى كان يمتلك كذلك عزبة خاصة لازالت تحمل اسمه تابعة للوحدة المحلية لمركز ومدينة منفلوط، ورغم وجود قصر آخر يقع جنوب عزبة «ألكسان باشا» ولا يقل روعة من حيث التصميم عن القصر الموجود بمدينة أسيوط فإن الحديث منصب على هذا القصر الموجود بالمدينة فقط، مع العلم أن القصر الثانى ملىء بالأسرار والحكايات التى يرددها العوام من سكان العزبة، وبجوار المبنى الإدارى وجدنا مبنى آخر صغيرا خاصا بماكينة الرى التى كانت تروى الحديقة الملحقة بالقصر والأراضى المجاورة لها وهى فى حد ذاتها تعد من الآثار القديمة المهمة التى يجب الحفاظ عليها; لأنها موجودة منذ نشأة المكان قبل 100 عام مضت.
وعندما ألقينا نظرة على جنبات المكان وجدنا أنفسنا وكأننا أمام مشهد سينمائى تم تصويره فى مطلع القرن التاسع عشر، حاولنا الكف عن التفكير فى روعة المكان لنواصل تحركاتنا نحو وجهتنا بالقصر نفسه والذى يفصله عن المبنى الإدارى وماكينة الرى الحديقة الخاصة به التى لفتت أنظارنا هى الأخرى، وعدنا لحالة الدهشة من جديد بما تحويه من الزهور وأشجار الفاكهة التى ترسم مع إطلالة النيل لوحة نادرة من الجمال الطبيعى لهذا المكان، استوقفتنا أصوات الحمام التى انطلقت فى أسراب حاطت أركان وواجهات القصر وأشجاره وهى تتحرك فى حلقات منتظمة خلف قائدها، لكن فى الوقت نفسه أصابنا الحزن وقد لطخت فضلاتها واجهات القصر الذى أنفقت عليه وزارة الآثار الكثير من الجهد والمال لترميمه، كنا نتمنى أن نتفقد جنبات القصر من الداخل ولكن تعذر الدخول حيث تم إغلاقه تماماً بعد توقف كل أعمال الترميم منذ بدء جائحة «كورونا».

أعمال الترميم

وباعتباره المسئول الأول عن المناطق الأثرية بمحافظة أسيوط يقول الدكتور أحمد عوض مدير عام الآثار بالمحافظة إن أعمال الترميم كانت تجرى داخل قصر ألكسان باشا بشكل متميز للغاية، حيث تمت الاستعانة ببعض الفنانين المؤهلين للحفاظ على الشكل المعمارى لهذا القصر بمشاركة أكثر من 20 من الخبراء فى الترميم بوزارة الآثار وسيتم تدعيمهم بمجموعات أخرى، لافتاً إلى أن أعمال التطوير تتم على مراحل حيث تم ترميم القصر من الداخل والخارج وتزويد الإضاءة وتهذيب الحديقة المحيطة به وإعادة زراعتها، كما سيتم تطوير المرسى الخاص به لاستقبال الرحلات النيلية والمراكب السياحية لزيارة القصر خاصة بعد تحويله لمتحف قومى يضم القطع الأثرية المختلفة الخاصة بالمنطقة، حيث يعد هذا القصر فى حد ذاته تحفة معمارية يجب ان يستمتع بها أهالى الصعيد وزواره، حيث يعود تاريخ إنشائه لعام 1910 وهو عبارة عن مبنى القصر والحديقة الخاصة به وشيد على مساحة 7 آلاف متر مربع ويتسم بموقعه المتميز على النيل، ويعد قصر «ألكسان باشا» معلماً أثرياً يضيف قيمة حضارية وجمالية وسياحية وأثرية لأسيوط، ويتكون مبنى القصر من طابقين وقد تم بناؤه وفقا لنظام الحوائط الحاملة والقصر من الطراز المعمارى الفريد بكل المقاييس وواجهاته تحتوى على زخارف وكرانيش مميزة وعقود نصف دائرية وتشكيل بالزخارف على الطراز الإغريقي، ومتوجة شبابيكه بكرانيش غاية فى الروعة والدقة وأسفلها زخارف بارزة بشكل مستدير وشكل نصف كروى لا مثيل له مما أضفى على مبنى القصر جمالا معماريا وفنيا متميزا، وقد شارك فى بنائه فنانون إيطاليون وفرنسيون وإنجليز مما أكسبه تنوعا حضارياً.

أما مدحت فايز كبير أثريين بأسيوط فيقول إن فكرة وجود متحف قومى يضم آثار أسيوط ليست وليدة اليوم وإنما سبق أن طرحها أحد أبناء أسيوط يدعى سيد خشبة وكان من كبار التجار والذى كان مولعا بالآثار فقام بالتنقيب والبحث عن كنوز أسيوط متخذا من قصره متحفا لعرض هذه المقتنيات، وعندما تم افتتاح متحف بمدرسة كلية الأمريكان بمدينة أسيوط المعروفة باسم «السلام حاليا» أهدى سيد خشبة كل ما كان يمتلكه من مقتنيات لهذا المتحف وذلك فى عام 1934على أن يكون متحفا عاما يعرف من خلاله الزائرون تاريخ هذا المكان، مضيفا أن عمل خشبة تم وفق منهج بحثى بمشاركة مهندسين إنجليز ووفقا للقانون السائد وقتها وهو الحصول على نصف ما عثر عليه، وقد حضر افتتاح المتحف المندوب السامى البريطانى.
وأشارت سارة محمد تعمل بهيئة تنشيط السياحة بأسيوط إلى أن متحف مدرسة السلام يجمع حاليا مقتنيات لمختلف العصور ففيه مومياء كاملة للأميرة «هاتور مت حتب» التى كانت تعيش فى القرن الثامن قبل الميلاد و365 من تماثيل الأشابتى، إضافة إلى أدوات تكفين كاملة وبعض الأختام الملكية وتمثال من العصر القبطى ويوجد به قطع شيح من القرن الرابع الميلادى، ونسخة من الكتاب المقدس من القرن السابع عشر، ونسخة من مزامير داوود باللغة العبرانية والعديد من العملات المعدنية، إضافة إلى قطع من الآثار الإسلامية منها نسخة مصحف تعود للقرن الثالث الهجرى وقطعة من كسوة الكعبة وآلات وترية وأجزاء مثبتة من العصر العثمانى، إضافة إلى قطع أثرية من الأسلحة التى تم جلبها من السودان لذا سيكون متحف أسيوط ذاخراً بالمقتنيات التى ستجعل منه مزاراً أثرياً مهماً فى صعيد مصر.

صاحب القصر

وفيما يقول طارق بدراوى أحد الباحثين فى التاريخ الأثرى إن بناء القصر استغرق نحو 8 سنوات منذ عام 1902 حتى 1910، وأن «ألكسان باشا» هو أحد أبناء مركز أبنوب وقد ولد فى 1865م والتحق بكلية أسيوط الأمريكية وتخرج منها فى عام 1882م ثم درس بعد ذلك بمدرسة الحقوق وانضم لعضوية الكنيسة الإنجيلية سنة 1880م ونُصّب شيخا لكنيسة شارع إبراهيم باشا بالقاهرة سابقاً «كنيسة قصر الدوبارة» فيما بعد عام 1940، كما اختير عضوا فى مجلس الشيوخ عام 1936 وتوفى فى 28 مايو 1949، وقد ورد هذا التاريخ فى لوحة أعلى الواجهة الرئيسية لقصره، مضيفا أن «ألكسان باشا» بدأ حياته مواطنا بسيطا امتهن المحاماة، كما عمل كذلك لدى حبيب باشا شنودة أحد أثرياء محافظة أسيوط ونشأت علاقة حب بينه وبين ابنة حبيب باشا ورفض الأخير زواجه منها للفارق الكبير بينهما وعندما أصرت ابنته قام أبوها ببناء هذا القصر لتتزوج فيه هدية لها، ولم يكن وقتها ألكسان يحمل أى رتبة حتى شاء القدر أن يشاهد الملك فاروق القصر خلال رحلة نيلية متجها لافتتاح معهد أسيوط الأزهرى «فؤاد الأول سابقا» وعندما أعجب بالقصر وسأل عن صاحبه فقالوا له «ألكسان بسخرون»، فقال الملك فاروق «ألكسان باشا» ومن وقتها حمل لقب الباشوية ونزل الملك فاروق وزوجته الملكة فريدة ضيفين فى هذا القصر، ليصدر عقب الزيارة مرسوما ملكياً بذلك ويحصل «ألكسان باشا» على الباشوية لتتسع شهرته.

ويضيف بدراوى: ان القصر ظل على حالته الأولى فترة طويلة من الزمن حتى طالته يد الإهمال بعد أن هجره ملاكه وسكنته الطيور وكست جدرانه ومقتنياته الأتربة، وتهدمت بعض نوافذه الملونة البراقة ذات الطابع الأوروبى والشرقى، وتحولت حديقته الكبيرة إلى مأوى للحيوانات الضالة، وعقب تولى اللواء نبيل العزبى موقع محافظ أسيوط عام 2006 تنبه المسئولون لهذه التحفة الفنية الفريدة، حيث بدأ إنهاء إجراءات نزع ملكية القصر وتم شراؤه من الورثة لإنشاء أول متحف قومى بأسيوط بتكلفة قدرها 18 مليون جنيه آنذاك ثم تسلمته المحافظة رسميا عام 2012 ليتم تشكيل لجنة مختصة لدراسة عملية ترميم القصر تمهيدا لجمع كل المقتنيات والآثار الخاصة بالمحافظة لوضعها فى المتحف، على أن يتم إنشاء متحفين داخل القصر أحدهما يضم محتويات القصر النفيسة والآخر لضم أكثر من 7 آلاف قطعة أثرية مختلفة موزعة بعدة أماكن داخل وخارج المحافظة تشمل آثارا فرعونية ورومانية وقبطية وإسلامية.


أحد الخبراء يقوم بترميم جزء من القصر من الخارج

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة