آراء

التدخل الخارجى باسم الديمُقراطية وحقوق الإنسان

3-1-2021 | 10:41

شاركت يوم الثلاثاء 22 ديسمبر 2020 في ندوة نظمتها مكتبة الإسكندرية، وأدارها باقتدار صديق العُمر د. مصطفى الفقي،مُدير المكتبة.كان موضوع الندوة حقوق الانسان وازدواجية المعايير وذلك بمناسبة الذكرى الاثنتين والسبعين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الانسان. وتحدث فيها صفوة متميزة من أصحاب الفكر والرأي، واتسمت بحضور متميز من رجال القانون وأساتذة الجامعات والإعلاميين. ناقشت الندوة قضايا عديدة تناولت موقع حقوق الانسان في الأديان السماوية، ومنظومة حقوق الانسان بين العالمية والوطنية، والدبلوماسية المصرية وحقوق الانسان، وآليات الدولة المصرية في حماية حقوق الانسان، ودور الاعلام في ترويج ثقافة حقوق الانسان.

كان الموضوع الذي طلبت مني المكتبة التحدث فيه هو: استخدام حقوق الانسان كذريعة للتدخل في الشئون الداخلية للدول والذي أود أن ألخص أفكاره في هذا المقال. وبدأت مُداخلتي بالإشارة إلى أنه على مدى التاريخ، فقد سعت الدول الكبيرة والقوية إلى مد سيطرتها ونفوذها إلى الدول الأخرى، مُستخدمة في ذلك أساليب وأدوات مختلفة ومنها الأفكار والايديولوجيات. وإذا ركزنا على الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية واندلاع الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، نجد أمريكا والدول الغربية استخدمت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان كسلاح أساسي ضد الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية. فأسموا أنفسهم بدول العالم الحر بينما أطلقوا على الطرف الآخر دول الستار الحديدي، وصوروا الصراع على أنه بين الديمُقراطية والشمولية.

واتخذ هذا التوجه منحى جديدًا من حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما ازداد الاهتمام الرسمي الأمريكي بهدف نشر النظم الديمقراطية في العالم، وعَنى هذا في الواقع التدخل لزعزعة استقرار النظم المعادية أو المخالفة للتوجهات الأمريكية وإحلالها بنظم صديقة. وظهر في الوثائق الحكومية الأمريكية استخدام تعبير تغيير النظم regime change وبيان الإجراءات السياسية والاقتصادية والإعلامية التي ينبغي القيام بها لتحقيق هذا الهدف. ونجدُ في وثائق المُخابرات الأمريكية التي كُشف النقاب عنها في أوقات مُختلفة تفصيلات عن الإجراءات التي تمت تجاه بعض الدول في هذا الشأن مثل كتابي مايلز كوبلاند عن لُعبة الأمم، وفيليب مود عن الجانب الأسود لوكالة المخابرات المركزية بعد 11 سبتمبر وغيرهما. أدرك مُخططو هذه السياسة أنه لتحقيق الأهداف فإنه لابُد من استكمال ثلاثة مقومات:

المقوم الأول ـ فكري، ويعني إشاعة الأفكار والمبادئ التي تبرر تدخل الدول الكبرى في شئون الدول الأُخرى، فكان منها ترويج مفاهيم قانونية مثل حق التدخل الإنساني، ومسئولية الحماية والتي بررت التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى باسم حماية حقوق الإنسان، وأن أحد نتائج العولمة هو أن النظام الديمقراطي أصبح هو النمط المعتمد كشكل لنظم الحكم، ومنها أفكار المُحافظين الجُدد التي أعطت دعمًا لهذا التوجه. في هذا الإطار، جاءت كتابات جين شارب في كتاب: من الدكتاتورية إلى الديمقراطية عام 1994، والذي كان بمثابة دليل عمل في كيفية استخدام الشعارات والأخبار لإثارة الجماهير ضد النظام القائم وتنمية مشاعر العداء والرفض له وخصوصا بين الشباب، وتنظيم الحشود والمظاهرات والأنشطة الاحتجاجية،وأساليب التعامل مع قوات الشرطة في هذه الظروف، وضرورة احتلال الشوارع والميادين.

والمقوم الثاني ـ تدريبي، أي توفير الهيئات التي تقوم بتدريب العناصر الشبابية على هذه الأفكار والممارسات، وكان أهمها معهد التدريب الذي أنشئ في صربيا واستقبل العشرات من الشباب من دول عديدة منها مصر. وشارك كُل من المعهد الوطني الديمُقراطي والمعهد الليبرالي الجمهوري بدورهما في هذا الأمر.

والمقوم الثالث ـ مالي، أي توفير الأموال اللازمة لتنظيم هذه الأنشطة، فكان منها قرار الكونجرس الأمريكي بإنشاء الوقف من أجل الديمقراطية عام 1983، وإدخال مجال الديمقراطية كأحد مجالات أنشطة هيئة المعونة الامريكية، وازدياد دور هيئة بيت الحرية.

وتم توظيف هذه المقومات بهدف تغيير النظم الحاكمة، وتصوير ذلك كظاهرة احتجاج عفوية، وذلك من خلال تنظيم أحداث تشبه الثورة الحقيقية من ناحية المظهر والشكل ولكنها في الحقيقة مُرتبة ومخططة فيما يمكن تسميته بتكنولوجيا صناعة التغيير.

في الممارسة، اتخذ التدخل مختلف صور المشروطية السياسية والاقتصادية والتي تم تطبيقها بأساليب ناعمة أحيانا وخشنة أحيانا أخرى. فكان منها، تنظيم دورات تدريبية للقضاة والإعلاميين، وإقامة علاقات مباشرة مع بعض الجمعيات غير الحكومية وتمويل أنشطتها مباشرة دون تدخل من جانب الأجهزة الحكومية، والضغوط الاقتصادية والسياسية، والحملات الإعلامية.

وكان التطبيق الفعلي لذلك في الحركات التي سميت بالثورات الملونة في الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفيتي مثل جورجيا 2003، وأوكرانيا 2004، وقيرغيزستان 2005 والتي بدأت عادة بالاعتراض على حكومة منتخبة تتبع سياسات غير معادية لموسكو أو صديقة لها، وتحريك المظاهرات وخلق الاضطرابات من خلال هيئات وجماعات معتمدة على الغرب. وركزت على الشباب والاستخدام الفعال لأدوات التواصل الاجتماعي، وذلك في إطار تغطية إعلامية مؤيدة على مستوي العالم تُغذيها وكالات الأنباء والشبكات التليفزيونية الأمريكية والأوروبية. وكُل هذا بهدف وصول حكومات مؤيدة للغرب إلى السُلطة.

الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان هي مسألة قانونية وسياسية وأخلاقية، لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها ولكن أن تستخدمها الدول الكبرى لتحقيق مصالحها والضغط على الحكومات التي تخالفها في توجهاتها، فمثل هذا التدخل يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي التي تؤكد حق الدول في السيادة، وعدم التدخل في شئونها الداخلية. كما أن تغيير النظم من الخارج ينتهي عادة بفشل النظم التي تم إقامتها ودخولها في مرحلة ممتدة من عدم الاستقرار والاضطراب كما هو الحال فى أفغانستان والعراق وأوكرانيا.لقد فشلت سياسات تغيير النظم من خلال توظيف مبادئ الديمُقراطية وحقوق الإنسان لخدمة الدول الكُبرى وليس أدل على ذلك من الكتاب الذي أصدره فيليب جوردن، الدبلوماسي الأمريكي البارز،عام 2020 عن فشل سياسة تغيير النظُم التي اتبعتها الولايات المُتحدة في الشرق الأوسط.

نقلاً عن

الثورة والمصالحة في الذاكرة التاريخية للجزائر

يتسم تاريخ الجزائر بعدة سمات يجعله فريداً بين كل الدول العربية. ففضلاً عن الاحتلال الفرنسى المبكِّر لها عام 1830، فإنه تم ضمها قانونيًا لتصبح إحدى مقاطعات

مصر في المؤشرات العالمية للحوكمة

أصدر المعهد القومى للحوكمة والتنمية المستدامة فى مصر تقريرًا فى يناير 2021 بعنوان تصنيف مصر فى مؤشرات الحوكمة. وهو عمل يستحق الاحتفاء به ومناقشته. وهذا

مصر والانخراط الفعال مع إدارة بايدن

أعتقد أن كثيرًا من دول العالم تقوم الآن بمراجعة لسياساتها الخارجية فى ضوء التوجهات الجديدة لإدارة الرئيس الأمريكى بايدن التى ظهرت خلال حملته الانتخابية،

المصري بطرس غالي وتطوير الأمم المتحدة

احتفل العالم بالأمس - 24 أكتوبر 2020 - بـالذكرى الخامسة والسبعين لولادة الأمم المُتحدة. ففي هذا اليوم من عام 1945، تم استكمال النصاب اللازم لتصديقات المجالس

ماكلوهان .. وأفكار مستقبلية عمرها 50 سنة

كتبت من فترة عن الفين توفلر وكتابه «صدمة المستقبل» الذي صدر عام 1970، وأثر على الفكر السياسي الاجتماعي ورؤية البشر لذواتهم ومجتمعاتهم.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة